زَمَنُ "الصّافِرات": أَيّ جيلٍ سَيَكبُر في ظِلّ هذه الحُروب والصّراعات؟

في هذه الأَيام، أَتَواجَد مَع أَبنائي في البيت طوال النهار والليل، فنحْن على أَعتاب شَهر كاملٍ من حَرب شَرسة تُعيد تَعريف الكثير من المَعاني الأساسيّة حَول مفهوم البيت، النوم، الراحة، اللعب، التعلّم، شُعور الأَمان والاستقرار وحتى المستقبَل. فالبيت الذي كان مساحةَ استرخاء ولعبٍ أصبَح الملجأ وجُدرانه طَوق النّجاة، سُكون الليل الذي كان يُطمئنُنا، صار اليوم يُثير قلقَنا، النوم الذي كان وَقت راحتنا، بات ترقّبًا مثقلًا بالتّحذيرات، والصباح الذي كان يُعلِن بداية يوم جديد، صار فرُصةً ثانية للحياة.
في صباح كلّ يوم جديد - فُرصَتُنا للحياة، نَستيقظ متعَبين ومرهَقين، بَعد لَيلة طويلة أصبحَت "اليَقظة القسريّة" فيها هي مُتلازمة الليالي الدائمة، ولم يَستمر النوم فيها إلا فتراتٍ متقطّعة بين تحذيرات عدّة وصافرات مُتجدّدة، نُفيق نحن وأبناؤنا ونُحاول التّركيز والتحضُّر لما ينتظرنا من مَهام وعمل وتعلّم عن بُعد، حينها تراوِدني كأُم وكمختصّة، أفكار كثيرة وتَساؤلات حائرة حَول ما يَعيشه أبناؤنا؛ أبناء هذا الجيل، وكيف يكبُرون "قَبل أَوانهم" في ظلّ هذه الحُروب المتعاقِبَة، بدءًا مِن جائحَة كورونا وانتهاء بهذه الحَرب الحاليّة.
تُرهِقني أفكاري وتُضنيني بأَسئلتها الوجودية كلّ يوم - أيّ ثمن يدفعُه هؤلاء الصّغار من طفولتهم؟ وأيّ ذكريات سيَحمِلون معهم عن هذه الأَيّام؟ وأيّ صُوَر سيلتَقِطون لشبابهم؟ هل سيمتلئ الأَلبوم بصور أَصدقاء المدرسة والرّحلات، أَم بصوَر الشّاشات المضاءة ليلًا بالتحذيرات، ووجوهِنا القَلِقة، وصوَر المنازل التي تضرّرت؟ كيف تحوَّلت الأجهزة مِن أداة لعبٍ واستمتاع إلى منصّة لمراقبة أخبار الحرب ومشاهَدَتها "ببثّ مُباشر"؟ كيف يَستطيعون التحمّل والنمو في مِثل هذه الظروف؟
لكنّ الإجابات تأتيني هدايا مُغلَّفة ببراءَة أَفعال أَبنائي وضَحِكاتهم، وتَهمس لي أحاديثَ الأهالي في الجَلَسات والاستشارات عن حبّ أطفالهم للحياة وإصرارهم على عَيشِها رغمَ كلّ ما يَحدث، وهذا يكون أَقوى محرّكات البَقاء والاستمراريّة بالعَطاء.
تأكيدًا وإيمانًا بأهميّة البَقاء والاستمراريّة أَكتُب، ومقالتي هذه تزامنَت كتابَتها، مع الإعلان عن العَودة للمدارس في بعض البلدات، وبلدَتنا كانت إحداها، وما حَدَث حينها كان مثالًا حيًّا لتجسيد واقِع هذا الجيل الذي يَعيش تحتَ وَطأة القَلَق والخَوف من جهة، وانتظار كلّ ما سيأتي مع بَصيص أَمَل لا يفارِق القلوب من جهة أخرى.
ابني ابنُ العاشرة، يَعشَق مدرسته ويحبّها وانتَظَر العَودَة لها بفارغ الصّبر، وعند وُصول رسالة قَرار العودة، كان جالسًا يشاهِد التلفاز، كوسيلةٍ سهلَة ومُتاحَة لقضاء الوَقت في يوم طَويل و"فارغ"، حيث أصبحَت الشّاشات جزءًا من يومه وبرنامجِ أطفالٍ كثُر في هذه الأيام، بلَّغناه خبر العودة وتوقّعنا أن يَطير من الفَرحة، لكنّه بقي جالسًا مكانه، نَظَر إلينا، ابتسم ابتسامةً خفيفة وأكمَل المشاهَدة، لم يَرُق لي المنظر وتألّمت من ردّة فعله الباردة وغير المتوقَّعة، ناديته، عَكَست له ما حَدَث وتحدّثنا حول مشاعره وأفكاره وتوقّعاته وتَحضيراته لليوم التالي، عندها شارَك بما يَجول في عقلِه وقلبه. وما أجمَل هذا القَلب الصّغير الذي يَحمل الكثير من المَعاني.
في الليل، لم يستطِع النوم، فمرّة ذهب للحمّام ومرّة اشتكى أنّه لا يستطيع النوم، ومرّة طَلب أن يَنام في غرفتنا، وفي كلّ مرّة كان هناك طلبٌ آخر حتى استيقَظ في الصباح مرهَقًا ومتعَبًا، إلّا أنّ الشوقَ للمدرسة ولأصدقائه وساحات المدرسة قد أيقَظَه.
في الطريق إلى المدرسة، كَشَف لي صغيري عن صِراعٍ خفيّ عاشه ليلًا؛ قلقٌ مِن ضياع "حُلم العودة" إلى مقاعد الدراسة خَلفَ ضباب القرارات المتردّدة.
حين سألتُه: كيف استطعتَ النوم إذن؟، أجابَ ببراءة من تعلّم طُرق البقاء: "كنت أتخيّل نفسي أَعود، فكان الخيال يُفرحني ويأخُذني للنوم".
هي أحلامُهم الصغيرة في ظلّ الحروب؛ حُلُم يقضّ مضاجعهم خوفًا من الفَقد، وحلمٌ يرمّم أرواحَهم ليغفوا بسلام. نحن نعلّمهم الصمود، وهم يعلّموننا كيف نحوّل الخيال إلى مَلاذ، وكيف نَجعل من حبّ الحياة بوصلةً تُرشدنا وسَط العَواصف.
في الحَقيقة، وفي صَميم قَلبي أَعلَم، كما يعلَم الكثير من الآباء والأمهات من أبناء شعبي- هذا الشّعب الصامد الذي عاشَ الكثير من الحروب والنّزاعات- أنّ في داخِلنا إيمانًا قويًّا بأنّ هذا الجيل كما الأجيال السابقة -رغم هذا الإنهاك الظاهر، ورغم تلك الليالي التي تَسرِق هدوءَنا- يُصرّ على الحَياة ويَبحث في كلّ طريق عن المضيّ قُدُمًا بتفاؤُل وأمل، لذا نَفتَح الكُتب ونشجّعَهم، نَكتب في الدفاتر ونوثّق، نَجلس خَلف شاشات الزووم رغم قلّة الترّكيز وسرعة التشتّت، ليس حبًا في المَناهج فحسب، بل بحثًا عن خَيط طبيعيّ يربطُنا بحياة كانت يومًا مستقرّة، ومحاولة لترميم ما هدَّمه القلَق في نفوس هؤلاء الصغار ورغبةً بلقاء الأصدقاء وأبناء الصف.
إنّ عودَة أطفالنا إلى مَقاعد الدراسة رَغم استمرار الصّافرات، ليست مجرّد استئناف لعمليّة تعليمية، بل هو إعلانُ مقاومَة نفسيّ. نحن لا نُرسلهم ليحفظوا الكلمات، بل ليَعرفوا أنّ التاريخ له معنى، وليتعلّموا كيف لا تَكسِرُنا الجغرافيا، وليعرفوا أنّ صوت الجرَس أَقوى من صوت الانفجار، وليعرفوا أنّ صوت الأمل دائمًا وأبدًا، يجب أن يظل أَعلى من صوت الحرب، وأن غدًا، رغم كلّ الندوب، يستحق أن نستعدّ له بقلب طفل كبُر ليحبّ الحياة رغم متاعبها، وعقلِ شابٍ يفكّر بالحلول وتطويرها بشكل مبتكَر، وأَيدي جيل كامل يَحمل خططًا بديلة لطرُق العلاج والتشافي والبناء من جديد على أثَر كلّ الصدمات إيمانًا بأنّنا أَبناءُ أرض "ولّادة" تَلدّ أطفالَها وتُعلّمهم كيف يعيشون رغم كلّ ما يَحدُث وسَيحدث.
ابني وأَبناء هذا الجيل، يذكّروننا بالقول التالي: "اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا"، ويؤكّدون لنا أنّ دورنا كأهل، ألّا نَكسر هذا اليقين في أرواحهم، بل أن نكون نحن مَن يُساعدهم بتَعمير نفوسهم من خلال الحفاظ على أنفسنا وتعزيز حصانَتنا النفسيّة وترميمها لنتمكّن من مرافقتهم ودَعمهم والحديث معهم عن مشاعرهم وأفكارهم وتَحويلها لسلوكيّات يوميّة تَرعى صمودهم.




