عِندَما "تَتَنَفَّسُ" الكَلِمَة في زَمَنِ "اختِناقِ" الصّورَة

في غزة، هل تَعلو الكَلمة على الصّورة؟
مَن يَصنع الأثر الأقوى في الوَعي الجمعيّ: الكلمة أَم الصورة؟ هَل ما زالت الصورة في الصحافة أَبلغَ من الكلام، كما تردّد الأدبيّات المهنيّة منذ عقود، أَم أن الاشتباك مع الواقع الفلسطيني، وخصوصًا في غزة زَمَن الأزمات، أَعاد للكلمة سُلطة جَديدة، قادرة على تَعرية العَجز البَصَري عند ذَروة الفاجعة وعُلوّ صرخَة الضحيّة؟ هل فِعلًا الصورة تُعادل ألفَ كلمة، أَم أن قسوَة المشهد وحُضور الصّوت الإنساني يَفرضان على الصحافيين إعادة التّفكير في مَعنى التوثيق الإعلامي، ويَطرحان سؤالًا نقديًا بشأن دور الكلمة في صِناعة الأَثَر حين يتعثّر البصَر أَمامَ واقِع الحَرب؟
الصورَة والكَلِمَة: جدليّة التّأثير في زَمَن الأَزَمات
لطالما ترسّخت عبارة "الصورة أبلَغُ من الكَلام" كقاعدة مركزيّة في الأدبيّات الصحافية العربية والدولية، مُعتبِرة الصورة رمزًا للحقيقة المجرَّدة في تَغطية النّزاعات والأَزمات. يؤكّد هذا التصوّر المدعوم بأقوال أدباء كإيفان تورجنيف الذي رأَى أن "الصورة الواحدة قد تَعرض ما استطاع كِتاب أن يقولَه في مائة صفحة"، على أهميّة البصَر في جذبِ الانتباه وتَقديم وسائلَ مؤثّرة في رواية الخَبَر. وقد ذَهَب الناقد الفنيّ جون بيرغر إلى أنّ الصورة الفوتوغرافية لا تَكتفي بنقْل الواقع بل تُعيد تَشكيله وِفق زاوية النّظَر وسياق التلقّي، وهو ما يَمنحُها سَطوةً خاصة في تشكيل الوَعي البَصَريّ.(1)
غَزة: تَكذيب السرديّة الكلاسيكيّة للصورة
مع ذلك، فإنّ تجربة غزة المتمثّلة في تغطية المواجَهات والجرائم المتواصِلة، تُظهر لحظاتٍ حاسِمَة يَفوقُ فيها صَوت الضحيّة أو صرخَة الصحافي تأَثير أيّ صورة فوتوغرافية. هنا، يبدأ الإعلام في إعادة مساءَلة هذه القاعِدة القديمة.
يَرى بعض الباحثين أنّ مقولة "الصورة بألفِ كلمة" لا تَصدق إلّا على الصور "الجيّدة" التي تُضيف دلالات ومعانيَ جديدة للحدَث، ولا تكتفي بتكرار ما في النصّ.(2) في المقابل، يرى آخرون أن الصورة، كالنصّ اللغوي، تَحمل رسالة ذات معنى يُمكن للمتلقّي تحليلها واستخلاص الرّسالة المَقصودة. (3)
إنّ التجربة الغزّية الإعلامية تدفَع إلى إعادَة التّفكير في مدى هيمنَة الصورَة ودَور الكَلِمة المنطوقة والمكتوبة في تَشكيل الوعي العام وصياغة السرديّة الصّحافية. كثيرٌ من وقائع الأَلَم والنّجاة لا تلتقطُها عدسة الكاميرا، بل تسكُن في عبارة ينطِقها شهود العيان أو الصحافيون أنفسهم في لحظَة الحدَث.
وعلى امتداد مسار تاريخ الصحافة الفلسطينية، بَرزت محطات شكّلت اختبارًا حقيقيًا لقوّة الكلمة والصّورة في بناء الذاكرة الجمعيّة خلال الحُروب والأزمات.
تقاطُعات الذّاكرة: من محمد الدرّة إلى وائل الدّحدوح
مِنَ استغاثة والد محمد الدرّة "مات الولد" في أيلول/سبتمبر 2000، إلى صرخَة وائل الدحدوح "انهار البرج" خلال قصفِ برج الجلاء في أيار/ مايو 2021، وصولًا إلى شَهادة إبراهيم قنن مراسل قناة الغد "راح الدفاع المدني.. كتّلوا الناس" في مجزَرة مستشفى ناصر في آب/ أغسطس 2025؛ لحظاتٌ صنعَت إرثًا حيًا لا تكتمل صورتُه دون اقتران الصوت بالصورة. وسَط تكرار مآسي الحروب في غزة، تتشكّل الذاكرة الجمعيّة من تراكم هذه الشهادات، مقدمةُ أرشيفًا حيًا ومعقّدًا لإشكاليّة الصحافة بين الكلمة والصورة في سِجّل الضمير الإنساني والوعي الفلسطيني الجَمعيّ.
مَأْساة محمد الدرةّ: لحظة تحوّل في الذّاكرة العربيّة
في أيلول/ سبتمبر من العام 2000، اهتزّ العالَم على وَقْع أَكثَر المَشاهد غورًا في الألم في المخيّلة الفلسطينية والعربية، حين واجَهَت عدَسة الكاميرا لحظة استشهاد الطّفل محمّد الدرّة، وهو يَحتَمي بوالده جمال خلْف مكعَّب إسمنتي عندَ "مفترق نتساريم" في قطاع غزة تحتَ وابلٍ كثيف من الرّصاص الإسرائيلي. لم تكُن قوّة هذا المشهَد كامنة في صورَتِه البصريّة وحدَها، بل تعاظَمَت بصرخَة الأب جَمال المدوّية: "ماتَ الوَلَد.. بالرصاص".
مَقولة جَمال الدرّة لم تكن مجرّد تَعبير عَن فَجيعة أب فَقَد ابنه، بل كانت صرخَة مدوّية اخترقت حواجز الصّمت وتَغلغلت في ضمائر الملايين حول العالَم. تحوّلت هذه الصّرخة إلى شعار يتجاوَز المكان والزمان؛ لتجسّد حجم المُعاناة الفلسطينية وتشكّل جزءًا لا يتجزّأ من الذاكرة الحيّة للمقاومة. لقد غَدَت مِن غصّة عائلية إلى أَلَم جَماعيّ وخِطاب إنسانيّ كونيّ ثم إلى دافِع للمقاوَمة والصمود، وهذا هو جَوهر أَدَب المقاوَمة.
يُعرّف غسان كنفاني أدب المقاوَمة بأنه يتجاوَز سردَ الأحداث ليُصبح أداةً لتعزيز الهويّة والوعي بالقضيّة.(4) فحتى عندما يُعيد التلفزيون عرضَ اللقطة من دون صوت، يَبقى صدى العبارة حاضرًا يتردّد، حيث أنّ المفرَدات هي التي مَنَحت الصورة بُعدًا يتجاوَز اللحظة نَحو تكوين الوعي الفلسطيني بما يُسمى اليوم "وعي الرصاصة"؛ وعي يتشكّل عبرَ الكلمات أكثر منه عبرَ الصور، فبينما قد تُنسى اللقطات، تظلّ صَرخة "مات الولد.. بالرّصاص" مَوشومة في ذاكرة كلّ جيل، محولةً التجربة الشخصية إلى ميراث جمعيّ لا ينضَب.
الكَلِمة الحيّة: انتصارُ الصّوت على صَمت الصّورة
وإذا كانت لحظة محمد الدرّة عام 2000 قد فَتحَت الباب أمام جَدَل العَلاقة بين الصورة والكلمة، فإن تَجربة وائل الدحدوح في قصْف برج الجلاء عام 2021 جاءَت لتمنَح الصوت تفوقًا جديدًا على الصورة.
بعدَ عقدين من الزمن، ومع تواصُل الحروب، وفي خضم هذه الحَرب المستمّرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، تؤكّد واقِعَة وائل الدحدوح أنّ الكلمة ما زالت تتفوّق على الصّورة في تَشكيل الوعي الجمعي. مِن "مات الولَد" إلى "انهارَ البُرج"، تتكشّف ملامِح لغة جديدة للألم الفلسطيني، وتَكشف كيف تحتفظ الجَماعة بعبارات الشّهود وتجاربِ الفاجعة وتُعيد إنتاجها كهوية ووعي متراكِم عبر الأجيال. هذا بالضبط ما تعرّفه الدراسات الكلاسيكية عن الذاكرة المجتمعيّة كنظام سردي يُبنى من تَجارب الأفراد وعباراتهم الحيّة في لحظات التحوّلات الكبرى؛ لتتحوّل إلى رُموز ومشتركات جمعية تميّز ذاكرة المَجموعة الإنسانية.(5، 6)
الكَلِمَة الأيقونة: صرخَة الدّحدوح ورباطَة الجأْش الفلسطيني
لَم تكن الصرخة التي انطلقت من قلبِ الحدث، حين رأى الدحدوح المبنى الذي يضمّ مكتب الجزيرة وعشرات المؤسسات الإعلامية ينهار أمام عينيه، مجرّد وصفٍ إخباري للحَدَث. حوّل الارتجافُ في صوتِه والقهرُ الطافح من نبرته الجملةَ البسيطة إلى أيقونة تتكرّر كلّما سقَط برج جديد في غزة.
لا تكتفي هذه العبارات إذْ تتكرّر وتتجذّر بنقل الخبر أو توصيف المشهد، بل تغدو رمزًا لـ"رباطة الجأش الفلسطينية"، حيث تَبرز قدرة الفرد على الاتّزان والسيطرة على الذات وسط مِحنة الفقدِ والدمار. في تغطيته وداعَ عائلته، قال وائل الدحدوح: "بنتقموا منّا بالأولاد؟ معلّش". هنا تتحوّل المفرَدة إلى شَهادة صمود وهدوء نادر رغم شدّة الكارثة، إذ هو نموذج للثبات يُستدعى في المِخيال الفلسطيني، ويُعيدُ تعريف مفهوم رباطة الجأش في الوعي والثقافة الجماعية.
الكَلِمات الحيّة كمَرجع للوعيّ الجماعيّ
في السياق الصحافي الغزّي، اكتسبت تلك العبارات وظيفة تتجاوز ردّة الفِعل الشخصية الفورية؛ لتتحوّل إلى أَدوات مشارَكة جمعيّة في إنتاج الوعي وصياغة الضّمير العام في بيئة إعلامية يتعطّل فيها كثيرًا الإسناد البصري أو التّوثيق المكتوب بسبب طبيعة الاحتلال وخُطورة الميدان. تَفرض الكلمات الحيّة وشهادات الصحافيين حضورها كمرجعيّة ومصدر رئيس يَستند إليه المجتمع ووسائل الإعلام في إعادة بناء السرديّة الجَماعية.
لهذا، أضحَت العبارات المنطوقَة وسط الخطَر، خاصة تلك التي ينقلها الصحافي الفلسطيني بصوته ووجعه، شواهدَ حيّة تؤرخ الحالة الإنسانية الخام بلا تصفية أو تَحوير؛ فعندما يَرتجف صوت المراسل، أو تَرسِم كلماته وصفًا مباشرًا في ذروة الحدَث، وتستَطيع أن تَخترق التلقيّ التقليدي وتُعيد ترتيب المشهد برمته في الوعي العام. فالصورة قد تلتقط اللحظة، لكن الكلمة المؤثّرة تضمن بقاءَها محفورة في ذاكرة الأجيال الحيّة.(7)
شهادة صحافيي غزة: مِن "معلّش" إلى "كتّلوا الناس"
مثلما ترسَّخَت كلمات وائل الدحدوح كأساس في بناء سرديّة الألم الفلسطيني، تأتي تجربة إبراهيم قنن من قلب مستشفى ناصر؛ لتؤكّد الأثَر ذاته وتدفعه إلى مستوى جديد من التّوثيق الميداني الصحافي في غزة. ففي ذروة المجزرة التي عاشها المستشفى في خان يونس، لم يكُن قنن مجرّد ناقل لما يحدث أَمام عينيه، بل تحوّل صوتُه إلى أيقونة سرديّة متجذّرة رافقَت كلّ إعادةٍ لمَشاهد القصف والدمار على الشاشات.
وعندما تداخَل الموت مع البثّ المباشر، خَرَجَت عبارتُه "راح الدفاع المدني.. كتّلوا الناس". انطبعت العبارة في المِخيال الفلسطيني الجمعيّ وخَرَجت عن إطار التقرير المهنيّ التقليدي إلى شهادة حيّة تُضفي على الصورة معناها الإنساني وتُضاعِف أَثَرها بصوت الميدان لا بنصٍ مكتوب مسبقًا.
هنا يتجلّى الفارق بين "التقنية التقريريّة" المتعارَف عليها في الصحافة والعبارات الحيّة التي تَنفجر تحت ضغطِ الحدَث؛ إذ لا تكتفي بحشدِ المعلومات، بل تنقُل الانفعال والخبرة الإنسانية في أكثر صورها صدقًا وحدّة.
ويُعرّف الأسلوب التقريريّ بأنه نقل الخبر وفق معايير الحِياد والموضوعية، لكن في الحالة الفلسطينية، تكتسب الكلمة المنطوقة أَمام الكاميرا بنبرة مرتجفة سطوةً مضاعفة: فهيَ توقيعٌ على جَرح مَفتوح، وصَوتٌ يَغمِر الصورة ببُعد عاطفيّ لا يمكن للصورة وحدَها أن تَحمله.(8)
هل تَبقى الكلمة هي السرديّة الأَقوى؟
بهذا التحوّل، تتكشّف سَطوة الكلمة في قلبِ المشهد الفلسطيني؛ فعبارات مثل "مات الولد"، "راح الدفاع المدني"، "بَخاف.. أمانة"، و"في حدا عايِش"، و"شَعره كيرلي وأبيضاني وحِلو" نَمَت ضمن نسقٍ سرديّ خارج حدود الوصف التقليديّ لتَغدو شَواهد نابضة على زمن القهر والمقاومة في غزة. وحين يتداخَل الألم مع الحَدث، تظلّ الكلمة الحيّة سلاحًا يتجاوَز الصورة، ويستأثِر بصناعة الأَثر، ويُعيد رسمَ ملامح الضمير الجمعيّ؛ فيغدو الصحافي الفلسطيني شريكًا في الوعي ومحرّكًا لذاكرة لا تندثِر مهما اشتدّت العتمة أو تكرّر الفقد.
تُظهر هذه التجربة أنّ الكلمة قادرة على مقاومة النسيان وصياغة المَصير الجمعيّ للألم، فيما تذبُل الصورة مع الوقت. فهل ستُبقي الكلمة مكانتها كدرعٍ أَخير للوعي الفلسطيني في زمن اختناقِ الصّورة وقَسوة الحَدث؟ أَم أنّ طوفان الأزَمات سيدفع الصحافة إلى إعادة هندسة أدواتها واختبار صلابة سرديّتها من جديد؟
المراجع:
(1) Berger, John, Ways of Seeing. London: Penguin Books, 1972.
(2) حسنين شفيق، الأساليب العلمية والفنية للتصوير الصحافي، القاهرة: دار النهضة العربية: 2011، ص.88-90.
(3) Barthes, Roland. “The Photographic Message”, In Image-Music-Text, edited and translated by Stephen Heath, 15–31. New York: Hill and Wang, 1977.
(4) غسان كنفاني، الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1968، ص. 120.
(5) محمود درويش الكحلوت، الذاكرة الجماعية في المجتمع الفلسطيني: دراسة سوسيولوجية، غزة: المركز الفلسطيني للدراسات والبحوث، 2018، ص.61–65.
(6) Halbwachs, Maurice. La Mémoire Collective. Paris: Presses Universitaires de France, 1950.
(7) نايف جراد، التاريخ الشفوي على الصعيد الفلسطيني: واقع وآفاق، مجلة حقّ العودة، BADIL Resource Center،2021.
(8) مصطفى أبو أسعد، "خصائص الأسلوب التقريري"، مدونة مصطفى أبو سعد، 12 نيسان/ إبريل 2018، رابط/ http://aboussaad.blogspot.com/2018/04/blog-post_12.html
(استعمال الصورة بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات ل [email protected]).




