ما بَعدَ الحَقيقَة في العِلاجِ وما حَوْلَه

في عالَم يَفيضُ بالمعلومات والصُّور، وعالَم نَسأل فيه أَنفسَنا ألفَ مرّة حول كلّ صورة نشاهدها أو خَبر نقرأه عن "حقيقَة" ما نُشاهد ونَسمع ونَقرأ، أَصبَح الإمساك بالحقيقة بَعيدَ المنال، وأَصبَح سؤال الحقيقة وما بَعدها، بالأَحرى ما ومَن خَلَفها، يقضّ مَضاجعنا: مَن نصدّق وبماذا نتمسّك؟ فحواسّنا، مصدرُ المعلومات و"الحقيقة"، لم تَعُد تُسعفنا؛ في هذا "الواقع"، فإنّ مفهوم ما بَعدَ الحقيقة لا يَعني غِياب الحقيقة، بقَدر ما يَعني تفوّق المَنطق العاطفي والانتماء الجَماعيّ على الوقائع الموضوعيّة عند تَشكيل الرأي واتّخاذ القرار. في زمن ما بَعد الحقيقة، لم تَعُدِ الحقيقة شيئًا يُكتشف، بل شيئًا يُبنى عبْر الروايات؛ فالمهمّ لم يَعد "هل هذا صَحيح؟" بل أصبَح: "هل هذا يَجعلُني أَشعُر بأنّني على حقّ؟".

المفارَقَة هنا هي أنّنا لا نعيش في زمنَ غياب المعلومات، بل فيضانها، وهذا الفيضان يَخلق شرطَين خطيرين: أولًا، تَشظّي المرجعيّات، حيث لم تَعد هناك مؤسّسة واحدة تحتكر الحقيقة، وثانيًا، اقتصاد الانتِباه، حيث العَواطف والصّور والخطابات المُثيرة تنتشر أسرعَ من الحقائق الجافّة، لأنّ الدماغ البشري مُبرمَج للاستجابة للخطَر والمشاعر أسرعَ من استجابته للمنطِق.

إذا كانت ما بَعد الحقيقة هي الممارَسة السياسية والاجتماعية، فإنّ ما بَعد الحداثة هي الفلسفة الأُم التي شرّعت لها، وأعلنَت نهاية "السرديّات الكبرى"؛ فرفَضَت الروايات الجامعة التي كانت تفسّر العالم سابقًا كـ "التقدّم الخطّي للعلم"، أو "عدالة التاريخ"، أو "الخَلاص الديني"، فتبنّى منظّروها فكرة أنّ الحقيقة هي نتاج خطابٍ وسلطة وليست انعكاسًا للواقع الموضوعيّ، وأنّ اللغة لا تَعكس الواقع بل تَصنَعُه، والتجربة الفرديّة والهامشيّة أصبحت تملك ذات الوزن الذي كانت تملكه الحقائق الكلّية. النتيجةُ كانت تحرير الأصوات الفرديّة والتعدّدية، لكن في الوقت نفسه تَفكيك اليَقين، وتَرك الإنسان يتيمًا دون مرجعيّة مُطلَقة؛ وهذا بالضبط ما نعيشه اليوم: كلّ شخص يمتلك حقيقَتَه، وكلّ جماعة تُنتج واقعها الموازي. هنا نشهَد الانهيار الوُجودي في غياب أرضيّة "ثابتة" ومشتركة، فكلّ شيء مؤقّت ونسبيّ، والنتيجةُ هي الرّيبة والخوف من المجهول ومن عدم اليقين، وهَشاشة في الوجود الإنساني.

هُنا يَلتَقي الفلسفيّ بالسّريريّ، فـ "الحَقيقة العلاجيّة" ليست موضوعيّة، بل هي "واقعٌ نفسيّ". في الجلسة، لا يَبحث المعالِج عن "الحقيقة التاريخيّة" المجرّدة (ماذا حدَث بالضبط؟) بقدر ما يَبحث عن الحقيقة النفسيّة - كيف يَعيش الشّخص هذا الحدَث اليوم؟ عندما يقول أَحدُ المنتفِعين: "أنا جبت 85 وأبوي ظلّ يقارنّي بابن عمي اللي جاب 74"، فإنّ الحقيقَة الموضوعيّة (تفوّقه دراسيًا) اصطدمت بحقيقة نفسيّة أقوى: (أنا لستُ كافيًا في عَين والدي). العلاجُ لا يُلغي الحقيقة الأولى، لكنّه يتعامَل مع الثانية، لأنّها هي التي تشكّل معاناته.

لكنّ الأُمور لَم تَعُد بهذه البساطة، فحتى الأمس كنّا نتحدّث عن "ما بَعد الحقيقة" كأزمة في الخِطاب والكَلام (مَن يصدّق مَن؟)، أمّا اليوم، ومع تسلّط الذكاء الاصطناعي التوليديّ، فقد تحوّلت الأزمة إلى أزمة في الإدراك الحسّي ذاته - هل هذا الذي أَراه بعيني، وأسمعه بأذني، موجودٌ أصلاً؟

في عَصر الذكاء الاصطناعي التوليديّ انتقَلنا مِن "الشكّ في الرواة" إلى "الشكّ في الواقع"؛ هنا، يَختلف الدّور العلاجيّ اختلافًا جذريًا، لأنّنا لم نَعُد نُعالج القَلَق الناتج عن رواية معيّنة، بل نُعالج القَلَق الناتج عن انعدام الثّقة في أدواتِنا المعرفيّة الأساسيّة - الحَواس.

إنّ "انهيار الثّقة بالحواس" يولّد ثلاثة أعراض واضحة، أوّلها "الغازِلَة الرقميّة"، حيث أَصبح الإنسان يشكّ في إدراكه وفي ذاكرته. الغازِلَة هنا ليست مجرّد كَذِب، بل هي كَذِب بهدف إلغاء واقع الآخر وتَدمير ثقته بعقله. في العلاقات الشخصية هي شكْل من أَشكال الإِساءة النفسيّة، وفي السياسة والحروب، هي سِلاح من أَسلحة الهيمَنَة والإبادة الجَماعيّة، يُحاول إقناع الضّحايا بأنّ ما يَرَونه ليس حقيقيًا، وبالتالي شلّ قُدرتهم على المقاومة والتصدّي. الدّماغ البشريّ، الذي صُمّم للاعتماد على الأدلّة البصرّية كأَعلى درجات اليقين، يُصاب بالدّوار. هذا يولّد قلقًا وجوديًا جديدًا- "إنْ كنتُ لا أَثِق بعينيّ، فبماذا أَثِق؟".

ثانيًا، شَلَل اتّخاذ القرار، فأمام كلّ خبَر، نضّطر إلى أن نكون "محققّين رقميّين"، وهذا يَستهلك طاقةً معرفيّة هائِلَة، ويَنتهي بنا الأَمر إلى الاستسلام للانحياز التّأكيدي - نُصدّق ما يتوافَق مع مشاعرنا، بغضّ النّظَر عن مصدره.

ثالثًا، التّخدير العاطفي، فعندما يصبح كلّ شيء قابلاً للتّزييف، تضعُف المشاعر تِجاه المآسي الإنسانية. رؤية جثّة طفل قد تكون حقيقيّة، وقد تكون مولّدة بالذكاء الاصطناعي، عندها يتوقّف القَلب عن التفاعل كآلية دفاعية، ممّا يُفقد الإنسان قدرَتَه على التّعاطف الإنساني الأساسي.

سابقًا، كنّا نقول للمنتفِع القَلِق: "افحَص المصادر، ارجِع للعلم، ابحَث عن الحقيقة"، لكن في عصر الصّور والفيديوهات المُولّدة، أصبح هذا الحلّ مستحيلًا عمليًا. لا يمكن لأيّ إنسان أن يَفحَص البيكسل في كلّ صورة، ولا حتى الخوارزميّات تستطيع كشْف كلّ التّزييف.

هنا يتغيّر دورُ المعالِج النفسي من "مُرشد معرفي"، الذي يساعد على معرفة "الحقيقة"، إلى "مُرشد وجودي"، والذي يساعِد المنتفعين على أن يتحمّلوا المجهول وأن يعيشوا بوضوح رغم غِياب اليقين المعرفيّ. مع ذلك، فإنّ غياب هذا اليقين، لا يَنفي حقيقة ما نَشعُر به. دَعونا نتخيّل أنّ كلّ ما نراه مُزيّف، وأنّ العالم كلّه صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي... طيب، وماذا بَعد؟ هل سنتوقّف عن الحب؟ هل سنتوقّف عن الشعور بالأَلم؟ الأَلم حقيقيّ والحب حقيقيّ، وهذه هي حقائقنا التي لا تُزيّف.

مجدّدًا، نَرى أنّ الأمور لا تتوقّف عند المستوى الشخصيّ أو داخل الغرفة العلاجيّة، فإذا نظَرنا إلى الفضاءَين العام والعالمي، نجد أنّه مع حرب الإبادة على غزة سَقَطت كلّ "السرديّات الكبرى" و"الرّوايات الجامعة"، من قانون دولي وحقوق إنسان وحريّة تعبير وديمقراطية، وانكشف العُري الأخلاقي للنظام العالميّ وازدواجية المعايير. هنا أصبحت فلسطين نقطة التقاء لكلّ الرّوايات المضادة: فهي رمزٌ لمناهضة الاستعمار، ومقاومة الفصل العنصري، والدفاع عن الوُجود في مواجهة الإبادة. لهذا نشهَد تضامنًا واسعًا من طلاب الجامعات، وحَرَكات السكان الأصليين، واليسار الجديد؛ لأنّهم وَجَدوا في فلسطين القضيّة الأكثر شموليّة التي تجمع كلّ طموحاتهم في العدالة. 

في عالَم ما بَعدَ الحقيقة، حيث نَعيش حالةً من القَلَق والخوف من المجهول ومن الهَشاشة الإنسانيّة ومِن فِصام في الوجود، أصبحت قضية فلسطين هي نُقطة الارتكاز والبوصَلة التي يرنو إليها العالَم ليَستعيد توازنه وأخلاقه وإنسانيّته وحقيقته.

حسام كناعنة

معالج نفسي وباحث في مجال علم النفس وكاتب. له إصدارات عدّة منها كتاب: "مرايا الأسر- قصص وحكايا من الزمن الحبيس" عن دار فضاءات للنشر، (2015).

رأيك يهمنا