التّضامُن العَرَبي مَع فِلِسطين: كَيفَ نُحَوِّل "الهَبّة العاطِفيّة" إلى فِعْلٍ مُستَدام؟

ارتبطَ الوُجدان الشّبابي العربي بالقضيّة الفلسطينية عَبر العقود برابطة لم تَكن يومًا سياسية مجرّدة أو خيارًا فكريًا ترَفيًا؛ بل كانت رابطةً وجودية معجونَة بالدّموع والأمل، تشكّلت تَفاصيلها الصبيانيّة في غُرف المعيشة أَمام شاشات التلفاز، ونَضَجَت في ساحات المدارس ووَسط هتافات الحَناجر في التّظاهرات الجامعية. لطالَما كانت فلسطين بالنّسبة للشاب العربي الفكرةَ الطاهرة التي يَهرب إليها من انكسارات واقِعِه، والبوصلة التي توحّد نبضَه حين تتشتّت به السُّبل.

غير أنّ هذا الرابط الوجداني مرّ بمنحنَيات تاريخية متعرّجة، صعودًا وهبوطًا، مَحكومة بتحوّلات المنطقة وصدَماتها المتلاحِقة. واليوم، يقفُ هذا التّلاحم أمامَ أدقّ اختباراته التاريخية: كيف يتحوّل مِن عاطفةٍ غاضِبة تُحركها أَشلاء الضحايا في لحظة عابرة، إلى وعي استراتيجي منطقيّ ومستَدام، يُعيد صياغة المستقبَل؟

من الإجماع القَومي إلى الانكفاء وعَودة الوَعي

في العُقود التي تلت النّكبة والنّكسة، صِيغَت علاقَة الشباب العربي بفلسطين عبر أيديولوجيات قومية وثورية كبرى، حيث كانت فلسطين هي "القضيّة المركزية"، والمِعيارَ الوحيد للوطنية والانتماء. انخرَطَ الشباب العربي بعُنفوان في العمل الفدائي، وامتلأت الشّوارع العربية بالتّظاهرات العارِمة مع كلّ معركة في الضفة أو غزة.

مع مَطلع القرن الحادي والعشرين، وتحديدًا خلال الانتفاضة الثانية (2000)، وَصَل هذا التّضامن الشبابي ذروته الوجدانية؛ حيثُ دَخَلت جثامين الشّهداء وصور الأطفال ومقاومةُ الحجارة كلّ بيت عربي عبْر الفضائيّات الناشئة، مما خَلَق حالة غليان شعبيّ عفويّ وحّد العواصم من المحيط إلى الخليج في ملحَمَة تَلاحم غير مسبوقة.

لكنّ هذا الزّخَم شهد تراجعًا نسبيًا ملحوظًا وانكفاءً قاسيًا في العقد الثاني من القرن الحالي. فقد استيقَظ الشباب العربي على كَوابيس "الربيع العربي" الدّامية، ووجد نفسه غارقًا في أزماته الداخليّة الوجودية؛ مِن حروب أهلية طاحنة، وتدهور اقتصادي مَعيشي خانق، وقمعٍ سياسي وأمني، فضلًا عن صعود موجات "القُطرية الضيّقة" وتَنامي سرديّات سياسية رسمية تروّج للتّطبيع والابتعاد عن الأَعباء التاريخية للقضية تحت شعارات نفعيّة تنادي بـ "أولًا" لكلّ بلد. ظنّ الكثيرون حينها، بنظرةٍ قاصرة، أّن الرابط الروحي قد انقطع، وأنّ فلسطين باتت تفصيلًا منسيًا في أجندة جيلٍ يبحث عن لقمَة عيشه وأمانه الشخصي.

مَعَ ذلك، أَثبَتَت المحطّات الفارقة في السنوات الأخيرة أن التّضامن لم يمُت، بل كان جمرًا كامنًا تحت رماد الأزمات. لقد عادَ الشباب العربي ليتصدّر المشهد بقوّة، متحررًا من وصاية الخطابات الحزبية والرسمية التقليدية، ليُعلن أنّ فلسطين ليست مجرّد بقعة جغرافية، بل هي امتحان الضمير الإنساني والوجدان العربي الذي لا يُمكن الرّسوب فيه.

بينَ حَرارة الدّم وبرودَة الغياب

إنّ المشكلة الأساسية التي تواجِه هذا التّلاحم تَكمُن في "موسميّة الاستجابة". فالوجدان الشبابي يشتعِل حبًا وغضبًا عندما ترتَفع أعمدة الدّخان من غزة أو تُقتحم باحات الأقصى، لكنّ هذا اللهيب العاطفي سَرعان ما يَخبو مع انطفاء شاشات الأخبار وعَودة الحياة إلى رتابتها، وهو ما يُعرف بـ"عاطِفَة المَجزَرَة". 

يَعود هذا التّذبذب إلى فجوة معرفيّة حقيقية؛ إذ تحوّلت فلسطين في أذهان بعض الشباب إلى "أيقونة تضامن وراثي" ورِثوها عن آبائهم دون فَهم عميق وممنهَج لجذور الصراع وآليّاته الاستعمارية المعقَّدة، مما يُركِد الحراك ويجعله عُرضة لسِهام التشكيك والدعاية المضادّة المنظَّمة.

تتجلّى تداعيات هذا التَّذبذُب في إتاحة الفُرصة للقوى الاستعمارية لتَمرير مشاريع التّصفية والتّحييد، ومحاولة عَزل فلسطين عن عُمقها العربي الشّعبي، وتحويلِها من قضية تحرّر وطني مقدَّسة وسامية، إلى مجرّد "أزمة إنسانية بائسة" تتطلّب بعض التّبرعات والمساعَدات الإغاثية الموسمية، بدلًا من الدّعم السياسي والحقوقي والمعرفيّ الشامل الذي يَستأصل جذور الظّلم.

مِن هذا المنطلَق، تَبرز أهميّة ترسيخ وعي جمعيّ يَرى في التضامن مع فلسطين مصلَحَة استراتيجية فُضلى للشعوب العربية ذاتها، ولَيس مجرّد واجبٍ معنوي أُحاديّ الاتجاه؛ فحِماية الحقّ الفلسطيني وكبحِ جِماح التمدّد الاستعماريّ التوسُّعي في المنطقة هما بمثابة صَمّام أَمان يَحمي عُمق العالم العربي، ويؤمّن مستقبَله ومقدّراته التنمويّة من تداعيات الهيمَنَة والأطماع الخارجية.

هَندَسَة الفِعل المشتَرَك

لكيلا يَبقى هذا التَّضامُن رهينًا بِلَحَظات الدّم السّاخِن، وتجنبًا لبُرود الغياب، لا بدّ من صياغة آليات عمَل منطقية وعملية تُحوّل العاطفة إلى مؤسَّسة، والفكرة إلى نهجِ حياة، عبرَ أدوار تكامليّة واضحة:

ما على الشّباب العربي فعلُه: عَقْلَنة العاطفة ورقْمَنَة النضال

إنّ أُولى خطوات استدامة التّلاحم هي الانتقال من "التّضامن الوجداني المجرّد" إلى "المقاوَمة المعرفية". على الشباب العربي اليوم التسلُّح بالمعرِفة القانونية والتاريخية الدّقيقة، ليُصبح قادرًا على تفكيك الخِطاب الصهيوني، ومخاطَبَة العالَم بلغة العصر؛ لغة المنطِق، والعدالة الإنسانية، وحقوق الإنسان وليس لغة الشعارات المستهلَكَة فقط.

كذلك، يمتلك هذا الجيل أدوات رقميّة جبارة تَخشاها القوى الاستعمارية. المَطلوب هو تحويل هذه الأدوات من منشورات مؤقَّتة وتفاعلات عابرة إلى "تَنظيم رقمي محترِف وعابر للحدود"؛ صِناعة البودكاست، والفنون الرقميّة، والوثائقيّات القصيرة المترجَمة لعدة لغات، وابتكار قَوالب بصريّة ذكيّة قادرة على كسر حصار خوارزميّات وسائل التّواصل الاجتماعي، هي الأسلحة الحديثة لتبديد الرواية المزيَّفة. وأخيرًا، يجب تحويل "المُقاطعة الاقتصادية والثقافية" من ردّ فعل غاضب ومؤقَّت أثناء الحروب إلى سلوك واعٍ ونَمَط حياة يوميّ مستدام، يدعَم البدائل المحلية والعربية، ويَستنزف قوى الاستعمار بهدوء وبشكلٍ متواصل.

ما على فلسطين الرسميّة والشعبيّة فِعلُه: فتحُ الأبواب وشَحذُ الهمم

في المقابِل، لا يمكن لفلسطين أن تَطلب تَضامنًا مستدامًا وهي تقِف متفرّجة على أدواتها القَديمة.

على المستوى الرّسمي: يجب على السفارات والممثليّات الفلسطينية الخروج فورًا من أَسر "الدبلوماسية النخبويّة" التي تقتصر على العلاقات الرسمية مع الحكومات، وتوجيه بوصَلتها نحو الشّعوب، وتحديدًا نحو الاتحادات الشبابيّة والجامعات والمراكز الثقافية العربية. كما يتوجّب عليها التخلّي عن لغة البيانات "الخشبية" والمكرّرة، وتطوير خطاب سياسي وحقوقي رَشيق وجاذب يحاكي عقول جيل الشّباب المعاصر. والأهم من ذلك كلّه، تقديم نموذج مُلهِم لوحدة وطنية تُنهي الانقسام المقيت الذي يَنهَش معنويات المتضامنين العرب.

على المستوى الشعبي والمجتمع المدني: يجب مدّ جسور حواريّة ومعرفيّة دائمة. إنّ إنشاء منصّات ومخيمات معرفية وفكرية (افتراضية وفعلية) تَجمع الشباب الفلسطيني بنظرائهم العرب يُساهم في جعل الشاب العربيّ شريكًا حقيقيًا في التّخطيط والابتكار، لا مجرّد متفرّج يَتلقى الأخبار الحزينة.

المشابَكَة الثقافيّة المستدامة: إنّ تصدير السينما، والأدب، والموسيقى، والفنون الفلسطينية إلى العُمق العربي طوال العام هو الضّمانة الأقوى؛ فالسياسة قد تفرِّقها الحدود والمقاصّات الأمنية، لكن الثقافة والفن يجتازان كلّ الأسلاك الشائكة والحدود المصطنَعة ليستقرّا في أعماق القلوب.

وأخيرًا؛ إن فلسطين لم تكن يومًا، ولَن تكون، عبئًا تاريخيًا يتبرّم منه الشباب العربي في أوقات أزماته الذاتية، بل هي المرآة الكاشفة والشّريان المُغذي لمعاركه الشخصيّة من أجل الحرية والكرامة والعدالة في بلده. إنّ استمرار هذا التّلاحم بشكل دائم، شاحذًا للهِمم ودون انقطاع، يتطلّب تحويل التّضامن من "هبّة عاطفيّة مؤقتة" تُطيل عمرَها المَشاهد الدامية، إلى "بنية معرفيّة ومؤسّسية" صلبة وذكية. بنية يَمتزج فيها منطق العقل المنظَّم بوعي الشباب العربي النابِض، وإصرار الشعب الفلسطيني الصامد، ليكتبا معًا فصلًا جديدًا من فصول التحرّر الحتمي.

وائل إبراهيم بعلوشة

فلسطيني من قطاع غزة، مدير المكتب الإقليمي- الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة- أمان، حاصل على ماجستير في العلوم السياسية-دراسات إقليمية-جامعة القدس أبو ديس.

رأيك يهمنا