أَسواق النّفط والغَاز الطّبيعي والطّاقَة في "ميزان" الحَرب عَلى إيران

124 دولارًا سِعرُ برميل النفط من مَزيج برنت؛ هذا ما سجّلته أسواق الطاقة صبيحة يوم 9/3/2026.
لقد ألقَت الحَرب مع إيران بظِلالها على أسواق الطاقة، ليس مباشرةً فقط، بل حتى قَبلَ اندلاعها، حيثُ شهدت الأسواق ارتفاعًا بنحو 10 دولارات للبرميل، وكان هذا من أوائل المؤشّرات على أنّ الحرب قادمة.
الحِسابات السّريعة
مع إغلاق مضيق هرمز؛ الممرّ الحيوي لـ 20٪ من طاقة العالَم من النفط والغاز المُسال، لا سيّما لأسواق آسيا، بدأت كُبرى الدُّول المتضرّرة (مثل سنغافورة واليابان والصين والهند) بالبَحث عن بَديل فوريّ لاحتياجاتها، فهي تعتمد في 40٪ من وارداتها من الطاقة على دول مَضيق هرمز والخليج العربي (إيران، العراق، قطر، الكويت، البحرين، الإمارات والسعودية).
اللاعبون الرابحون
روسيا تتصدّر الرابحين
من اللافت للنّظر أنّ روسيا أرسَلَت ما يُقارب 15 ناقلة نفط لتُبحر مُقابل السّواحل الهنديّة قَبل الحرب، مما يُشير إلى تقديرات روسية بأنّ الحَرب ستندلع.
كما ألغَت روسيا مباشرةً كلّ التّخفيضات الممنوحَة للصين في إطار التّعامل مع العقوبات الأميركية والأوروبية.
وقد طَلَبت الهند وأَخَذت موافقَة أمريكا على شراء نفط وغاز روسيين لمدّة شهر.
الرابح الثاني: الجزائر
أَفاقَت أوروبا بَعد إِغلاق مَضيق هرمز، واستهداف حُقول الغاز في الخليج، على وقف كافّة الإمدادات من الغاز الطبيعي المُسال من قطر.
وكان لا بدّ من إيجاد بديل قَريب ومعروف، لكن غير متطّور من ناحية العَلاقات. كانت الجزائر المرشَّح الأَقوى كبديل، فبدأت المفاوَضات السّريعة بالفعل.
مصر والأردن
اعتُبرت مصر والأردن لاعبين مهمَلَين قَبل الحرب، وها هي حسابات ما بَعد الحَرب تعيدهُما للملعب من ناحية الإمداد البريّ كمكمّل للإمداد البحري من مضيق هرمز.
هنا تَحضر مصر مِن خلال خطوط أنابيب بريّة مِن السعودية إلى قناة السويس إلى أوروبا.
أمّا الأردن فتحضُر بوجود خطّ الغاز العربي القادِم من مصر إلى العقبة وعَبر الأردن إلى سوريا الجديدة، ومنها للشبكة التركية والأوروبية.
ومصر أيضًا مع خطّ متعدّد الاستعمالات "سو- ميد" من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط. ووُجود محطتين لتَسييل الغاز على ساحل البحر المتوسّط (دمياط وإدكو)، ومنها بالسّفن إلى الأسواق الأوروبية.
![]() |
|---|
الخاسرون والخاسِر الأكبر
لا شكّ أنّ الخاسر الأكبر من هذه الحرب هي السعودية بالأخصّ، ودول الخليج بشكل عام.
فَقَدَت السعودية – بصفتها لاعبًا أساسيًا جدًا في مَنظومة تَصدير النفط "أوبك"، مكانها مؤقتًا كشرَيك مَوثوق به في الأسواق العالمية.
أيضًا على الصّعيد الخليجي، تناثَرت فكرةُ أنّ الخليج خارج الخِلافات الإقليمية وخلافات الشرّق البَعيد (فلسطين وسوريا ولبنان والعراق والسودان) مع أوّل صاروخ أطلَقَته عليها إيران.
![]() |
|---|
تندرج قَطر والإمارات في دائرة الخاسرين الخليجيين الأساسيين.
أَصبحَت مَوضع شكٍّ صورةُ الاستثمار الآمن في الصحراء التي حاوَلَت الإمارات جاهدة بناءَها بعيدًا عن مشاكل الشّرق التقليدية، إلى جانب الطّموح بتشكيل واجهة للشّرق لا سيّما للهند والصين.
تلقّت قطر ضربة قاسية جدًا كلاعب أساسي وموثوق في سوق الغاز المسال العالمّي بعد أن رسّخت نفسها بديلًا لسوريا، عن طريق الشركة العملاقة "قطر للغاز" كمزود للغاز المُسال للهند وآسيا وأوروبا عبر السفن العملاقة وبعُقود تزويد طويلة الأمَد (من 5 إلى 10 سنوات على الأقل).
إسرائيل
على الرغم من أنّ إسرائيل بَرزت كرابح في العمليات العسكرية، فإنّها خسرت مكانتها كمزود غاز موثوق لمصر والأردن، حيث فعّلت إسرائيل السّهم الذهبي أو السيادي لشركة شيفرون بوَقف تصدير الغاز للدولتين.
ستبحث هذه الدول سريعًا عن بديل للغاز الاسرائيلي ربّما من خلال خريطة التّوريد الجديدة في الشّرق.
الأثمان الأوزان
الأثمان
يَدفع الاقتصاد العالَمي ثَمن عدم حلّ الخلافات سلميًا، وتَفرّد لاعبٍ مثل أمريكا بقرار الحرب بدون حساب لليوم الثاني بعد اندلاعها، وهذا حقيقةً ما تتميّز به الولايات المتحدة في العلاقات الدولية.
الثّمَن الذي تدفَعه الآن دول الخليج لا يوصَف من ناحِية كلّ الأبعاد، وبالأخص عقيدة كلّ دولة في ما يتعلّق برؤية المستقبَل ضِمن المنظومة الإقليمية والدولية.
الأوزان
اختلّ التوازن في الحرب الدائرة بين إيران من ناحية وإسرائيل وأمريكا من ناحية أخرى.
أصبحت لدى تحَالف منظمة أوبك تحدّيات جديدة في حسابات ما بعد الحرب، حيث تمّ تحييد نحو 20 مليون برميل يوميًا من معادَلة الطاقة الدولية.
وصَلت خِلافات الشرّق دولَ الخليج، ولا بدّ لها من تَغيير أدوات التّفكير القديمة وتَقريب لاعبين مِثل الأردن ومصر من ناحية الاستثمار لتقوية بُعد هذه الدول الاستراتيجي. وإعادة القضية الفلسطينية والدولة كحلّ لمشاكل المنطقة إلى الصّدارة، لأنّ الأثمان لم يكُن لها حِساب، لا في الإستراتيجية ولا في الميزانيات.
تلخيص
لا يزال الشرّق على حاله من ناحية عدم الاستقرار، ويُحتّم انضِمام دول الخليج لهذه الدائرة التحامَ ما أُسميّه محور الخليج والشّرق مجددًا من ناحية النظرة الجغرافية بعد الحرب الدائرة حاليًا.
يَجب النّظر في الموضوع من منظور عقيدة اللعبة الدولية، فلا بدّ أن تكون لاعبًا حيويًا وذا قيمة في التَّموضُعات الإقليمية والدوليّة، خصوصًا في ظل المواجَهَة القادمة بين الصين وأمريكا.
استخدام صور الخرائط بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات ل [email protected].

طارق عواد
مستشار في مجال النفط والغاز في الشرق الأوسط.





