المُجتَمَع العَرَبي: تَقاطُعاتُ الحَرب والجَريمَة

الحَرب ليست بجَديدة علينا، لكنّ الغَريب هذه المَرة، أنّ صفّارة الإنذار الأُولى، تلك اللحظة المرعِبَة والمُفاجِئة تَبعث في داخلي أملًا صغيرًا ساذجًا، لعلّه لا يلتَقي مع المَنطق والتجربة التي حصَدتُها في كلّ سنواتي في التّعامل مع الجريمة المنظَّمة في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل، وعلى الرغم من هذه الأَصوات في ذِهني، فقد تمنّيت لَو أنّ هذا الضيق يَحمل فَرَجًا، ولعلّ هذه الصفّارات ستوقف لَو لأيام شلّال الدم في بلداتنا العربية، لكن سَرعان ما تبدّد هذا الأمل. لم توقِف الحربُ الجريمة، لم تؤثّر على وتيرتها حتى، فبِتنا نَستقبل أخبارَ الجَرائم بين صفّارة وصفّارة في الوقت الذي نسارع فيه إلى البحثِ عن مكانٍ آمن، هو أصلًا أمرٌ غير متوفّر للفلسطينيين في الداخل، فيُؤْثِر الكثيرون الوقوف ساكنين، مستسلِمين لفكرة واحدة: "لا مفرّ"، فقد تَسمع إطلاق نارٍ مدوٍّ صوتُه لا يقلّ رعبًا عن الصواريخ وربّما أكثر.
لا أعلَم ما إذا كان مَن كَتَبَ ونَشَرَ عن تراجُع الجريمة في ظلّ الحرب قد بنى تصوّره هذا على تجربة المجتمع العربي في الأيام الأولى التي أعقبَت السابع من أكتوبر 2023. وهي تَجربة لا تشبِه في ظروفها أيّ تصعيد أمني شهِدناه خلال السنوات الثلاث الأخيرة. كما لا أعرِف إن كان هذا الانطباع قد تأثّر أيضًا بالتّصعيد الذي نعيشه منذ مَطلَع هذا العام الحالي من حالات إطلاق النار وعدد القتلى الذي بلغ واحدًا وثلاثين ضحية في شهر شباط/ فبراير 2026 فقط بحسب معطيات مركز إيلاف لتعزيز الأمان في المجتمع العربي، أو أنّها بيانات رسائل المتحدّث باسم الشرطة الإسرائيلية التي تتوارَد بتراكميّة أكبر من بداية هذا العام عن نَشاط الشرطة كانت السَّبب في هذا التوجّه الذي لا أوافِق معه. في الحقيقة، تُشير المعطيات والمعلومات الواردَة من مركز إيلاف إلى عكس ذلك تمامًا، فبحسب تقريره الأخير لعام 2025، كانت الأشهر التي شَهِدت تصعيدًا أمنيًا الأكثرَ دمويّة من حيث عدد الجرائم. كما تشير معطَيات هذه الحرب إلى أن الجريمة لم تتوقف بتاتًا، فقد سجَّل المجتمع العربي 16 حالة قتل خلال 30 يومًا منذ بداية هذه الحرب الدائرة في هذه الأيام، إلى جانب استمرار إطلاق النار واستمرار توافد الجرحى إلى المستشفيات دون انحسار يُذكر، ما يعكِس حقيقةً يَجِب أن نُواجهها: الجريمة في المجتمع العربي لم تتراجع، والحرب ليست عاملًا كابحًا لها، بل تتفاعَل معها ضِمن بنية قائمة أصلًا من الهَشاشة وضَعف الحوكمة.
في الحقيقة لا يُمكن تفسير هذا الواقع من خِلال النَّظَر إلى عامل واحدٍ فقط، بَل من خلال تَداخُل مستويات عدّة تَعمَل بشَكل متزامِنٍ وتُعيد إنتاج بيئة تمكينية لاستمرار الجَريمة وتَوسُّعها. في الجانب الأول، الأمني والمؤسّسي، تؤدّي الحَرب إلى إِعادة تَوزيع المَوارد الأمنيّة باتّجاه الجبهة الخارجية، وهو ما يَنعكس مباشَرة على مستوى إنفاذ القانون الداخليّ بشكل عام. لكن نَحن نَعلم أنّ هذا التوزيع وسُلّم الأولويات حتى قبْل الحرب هَمّش المجتمع العربي ولَم يأخُذه بالحسبان. وإن كان هناك حضور أَمني غير اعتيادي فهو مختلفٌ بطبيعته عن الدَّور المعتاد للشرطة -ليس فقط محليًا، بل عالميًا وعلميًا- في الحفاظ على الأمن العام، فالدّور الشرطّي "الحقيقي" يَقتَصر في حالة المجتمع الفلسطيني في الداخل حول التأكّد مِن أنّه كمجتمعٍ لا يشكّل خطرًا أمنيًا على الدولة والمواطنين اليهود. هذا ما يفسِّر الهدوء الذي شهدناه مباشَرة بعد السابع من أكتوبر؛ قوات مدجّجة بالسلاح داخل بلداتنا من جهة، واعتقالات واسعة لنشطاء وطلاب من جهة أخرى، بالإضافة إلى إدراك منظمات الجريمة لعقليّة تَعامُل الشرطة مع إطلاق النار في هذه الظروف، وكونها قد تُقابَل من الدولة بعقلية أمنيّة لا يُريد المجرمون الانخراط فيها. لطالما قلتُ إنه في ظلّ هذه الحكومة بالذات ستَستخدم الدولة هذه الأزمات لملاحقة المواطنين الفلسطينيين واستدعائهم للتّحقيق، وربما تقديم لوائح اتهام ضدّهم بتُهم التّحريض، في إطار فرض "حالة الطوارئ" التي تسهّل ذلك على ضوء الصياغات الفضفاضة التي تَخدم هذا التوجّه، فقد كشفت تقارير صحافية عن مكاتَبات لضابط في الشرطة الإسرائيلية عُين لمعالجة قضايا التّحريض (بمسار غير اعتيادي)، وكانت وظيفته تصبّ في التقصيّ وراء مواطنين عرب لتوريطهم في تُهم التحريض، فيما كان المبدأ من هذا التعيين الافتراض أنّه يمكِن بسهولة وجود أدلة للإدانة في هذه الظروف.
إذًا، فإنّ منظمات الجريمة تتحرّك وتَعيش في هذه الفَجوة، وتَتعامل مع الشرطة في ظلّ هذا التصوّر السياسي. والحربُ ما هي إلّا عامل مُساهم في نشاطها خصوصًا في ظلّ تشتّت الانتباه الإعلامي عن التّعامل مع الجريمة، فالإعلام يُرتِّب أولويّاته لتكون تغطية الحرب والقضايا التي تَهُمه في الدرجة الأولى كما يَفعل الإعلام الإسرائيلي. أمّا المجتمع الفلسطيني في الداخل فلا يَشغل مرتبةً مرتفعة في سلّم أولويات الإعلام الإسرائيلي، وبالتالي تتراجَع تغطية قضايا الجريمة التي تُحدق في البلدات العربية، والتي كانت أصلًا تصارِع على مكانها، إلى هامش النقاش العام. في الحقيقة، تَفرض الحربَ وتطوّراتها أجندةً جديدة على الإعلام العربي المحلي أيضًا، خاصةً في ظلّ انكشاف الفجوات الكبيرة في حماية المواطنين العرب في الدولة - هذا التراجُع لا يَعني انخفاضًا وتراجعًا في الجريمة، بل انخفاضًا في مُستوى مراقَبَتها وتَسليط الضَّوء عليها، وهو ما يُضعف آليات المساءَلة، ويُتيح للجريمة العمل في بيئة أقل ضغطًا.
أمّا الجانب الآخر لهذه الحرب فهو الإسقاطات الاقتصادية التي لا تقع حصرًا على خزينة الدولة، بل تؤدّي إلى تعميق الهشاشة الاقتصادية داخل المجتمَعات المستضَعفة عامة. على مستوى الاقتصاد في المجتمَع الفلسطيني فإنّه يعاني أصلًا من مشاكلَ بنيوية اقتصادية كبيرة، فهو استنادًا إلى المعطيات الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية يتصدّر المجموعات الأكثر فقرًا في الدولة، ذلك إلى جانب الإقصاء الهيكلي في الوصول إلى الموارد المالية، سواء من حيث الائتمان البَنكي أو فُرص الاستثمار، إلى جانب ارتفاع مستمرّ في تكاليف المعيشة.
في هذا السياق، يتوسَّع ما يُمكن تسميته بالاقتصاد المُوازي أو اقتصاد الظلّ المرتبط بمنظمات الجريمة المنظمة. لا تَعمل هذه المنظمات فقط كجهات إجرامية بالمفهوم الكلاسيكي والمتعارَف عليه، بل كجهات تمويل بديلة، تُقدّم القُروض وتُدير السّيولة، وتُدير المصالح القانونية، ما يعزّز من درجة الاعتماديّة عليها ويوسّع نفوذها. بذلك، تُعزّز إسقاطات الحرب وغياب الدولة دورها وسيطرَتها كفاعل مركزي في إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والمجتمعية. ففي السياق المجتمعي على سبيل المثال لا الحصر: يؤدّي تعطّل الأطر التعليمية خصوصًا للفئات العمرية 12-18، وغياب البدائل الكافية لهم إلى اتّساع الفراغ اليومي، هذا الفراغ لا يُعتبر عاملًا ثانويًا، بل يُعدّ من العوامل الأساسية في تَعميق ما يُعرف في الأدبيات بـ "الهشاشة الاجتماعية المتراكمة" التي تَرتبط بشكل مباشر بزيادة احتمالات الانخراط في دوائر العنف والجَريمة إلى جانب الهشاشة الاقتصادية.
إذًا، تتقاطع هذه المستويات الأربعة: الأمني، المؤسسي، الاقتصادي، والاجتماعي، في "السِلم"، لتُنتج بيئة تمكينيّة تعزّز من سيطرة الجريمة المنظَّمة والعنف.
إنّ تأثير الحرب على الجريمة سيظلّ ناقصًا إذا تمّ حَصرُه في الإطار الداخليّ فقط. ما يَحدث داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل لا يُمكن فَصله عن السّياق الأوسع الذي يشهدُه الفلسطينيون في الضفة الغربية، حيث تتصاعَد اعتداءات المستوطنين بشكل مَلحوظ، في ظلّ غيابٍ واضح للمساءَلة. هذا الواقِع لا يُفهم فقط كتصاعُد في الجريمة والإرهاب اليهودي، بل كمؤشّر على نَمط أوسَع في تطبيق الحكومة الحالية للتطهير العرقيّ للفلسطينيين بأَشكال وتحت أغطية مختلفة، وفي قدرتها على استعمال الأزمات الأمنية لتَعميق السيطرة في الداخل، حيث تَستمر الجريمة المنظمة في العَمَل في ظلّ تجاهل حكوميّ تام، وفي الضفة، تتواصل اعتداءات المستوطنين أيضًا ضمن بيئة التّجاهُل والإتاحة.
لا يَعني هذا التّوازي تطابُق الظواهر، لكنّه يَعكس منطقًا مشتركًا: أنّ هذه الحكومة بالذات تتعامَل مع الفلسطينيين أينما كانوا كأعداء، وتستغلّ كل فرصة لتوظيف سياسات الدولة ومؤسّساتها بما يَخدم تَطبيق تصوّرها المسيانيّ، وهو توجهٌ دينيّ يهوديّ متطرّف. وأنّها تَستخدم المجموعتين (منظّمات الجريمة ومجموعات الإرهاب الاستيطانية) وتُعزّز دورَهما من أجل تحقيق إيمانها في السيطرة على "أرض إسرائيل" وتُعزِّز الحرب هذا الدور.
بناءً على ذلك، فإن الحرب، في هذا الإطار، لا تُنتِج هذه الظواهر، لكنّها تَكشفها بشكل أكثر وضوحًا، وتُبرز نية النظام القائم على التّعامل معها. وعليه، فإن أيّ معالجة جدّية لهذه الظاهرة تتطلّب تجاوز المقارَبة الجزئية، والانتقال إلى فَهْم الجريمة كجزء من بنية أوسَع، تستدعي إصلاحًا عميقًا في منظومة الحوكمة وضمانًا لمبدأ الحماية المتساوية، بدون ذلك، ستبقى الجريمة المنظَّمة عصا تهدّد حياتنا كأفراد ووجودنا الفلسطيني في الداخل.

المحامية راوية حندقلو
مديرة مركز إيلاف لتعزيز الأمان في المجتمع العربي.



