ٍإِسرائيلُ تُعيدُ تَصميمَ الإقْليم

هُناك لحظَة قصيرة، لا تُرى على الشاشات، بين إطلاق الصواريخ وصُدور البيانات الرسمية. لحظةٌ صامتة تمامًا، تُفتح فيها الخرائط ليس لتحديد إحداثيّات الضربات فحسب، بل لإعادة رسْم الحدود الاستراتيجية للمنطقة بأكمَلها. في تلك اللحظة بالذّات، لا تفكّر إسرائيل فقط في الردّ على إيران أو في إدارة جبهة لبنان أو غزة، بل في سؤالٍ أعمق وأكثر طموحًا: كيف يُمكن تحويل هذه المواجَهة – التي بدأَت في 28 شباط/فبراير 2026 بضربات أمريكية إسرائيلية مشترَكة واسعة – من مجرّد جولة تصعيد عسكري إلى نُقطة انعطاف إقليميّة دائمة، تُعيد ترتيب موازين القُوى دون الحاجة إلى احتلال أراضٍ أو توقيع معاهدات؟

ما يَجري اليوم في الشرق الأوسَط ليس حربًا تقليديّة بمعناها الكلاسيكي، ولا حتى حربًا إقليمية متعدّدة الجبهات كما اعتَدنا. إنه مَشروع إعادة تَصميم جيوسياسي يُدار بعقليّة هندسية أكثر منها عسكريّة صرفة. 

تتحدّث الرواية الإسرائيلية الرسميّة عن “مواجَهة التهديد الإيراني الوجوديّ”، وعن اغتيالات دقيقة مِثل اغتيال علي لاريجاني وغَيره من قِيادات الحَرَس الثوريّ في قَلب طهران، لكنّ العُمق الحقيقيّ يَكمُن في محاولَة استغلال لحظَة تاريخيّة نادرة: إدارة أمريكية (ترامب الثانية) أكثر اندفاعًا ويمينيّة من إسرائيل نفسها في بعض الجوانب، واستعدادٌ إقليمي – خاصة في الخليج – للتَّموضع البراغماتي بَدَل المواجَهة المباشرة.

هذه ليسَت حرب ضَرورة دفاعية فقط، بل حرب فُرصة استراتيجية، وهنا تكمُن الزاوية الأقلّ تداولًا في النقاش العربي.

تاريخيًا، بَنَت إسرائيل عقيدَتها الأمنيّة على ثلاثيّة صَلبة: الرَّدع المطلَق، الإنذار المبكّر، والحَسم السَّريع. لكن ما تكشفُه هذه الحرب – بَعد أسابيع من الضّربات اليومية والردود الإيرانية على شمال إسرائيل وعُمقها – هو انهيار تدريجيّ لهذه الثلاثيّة، واستبدالها بنموذج جديد: إدارة الصّراع الممتَد بدَل إنهائه نهائيًا. في غزة لم يتحققّ الحسم، في لبنان تآكل الردع تدريجيًا مع استمرار إطلاق "حزب الله" مئات الصواريخ، ومع إيران لا يوجد إنذار كافٍ يَمنع الردود الباليستية، ولا قُدرة واقعية على إنهاء التهديد جذريًا دون مخاطر كارثية.

لذلك، تحوّلت الحرب مِن أَداة للقضاء على الخطَر إلى أداة لتفكيكه وإدارَته على المَدى الطويل: استنزافٌ دائم للخَصم، مَنعُ تشكّل تحالُف متكامل، وإبقاءُ الجَميع في حالة توتّر محسوب. هذا التحول ليس تقنيًا (رغم أهمية الذكاء الاصطناعي في الاستهداف)، بل بنيويّ، يعكس وعيًا إسرائيليًا بأنّ “النّصر الكامِل” أصبَحَ وهمًا في زمن الحُروب الهجينة.

لكن ما لا يُقال في الخطاب الإسرائيلي هو أنّ هذا التحوّل لا يهدف فقط إلى التكيّف مع واقع معقّد، بل إلى إعادَة تعريف مفهوم الهيمنة نفسه. تُدرك إسرائيل أنّ نموذج السيطرة المباشِرة – احتلال، إدارة مدنية، وكلفة بشرية وسياسيّة عالية – لم يعُد قابلًا للاستدامة، لا داخليًا ولا دوليًا. لذلك، تتحرّك نَحو نَموذج بديل: هيمنَةٌ بلا احتلال، وتأثيرٌ بلا مسؤوليّة مباشرة. ضرباتٌ دقيقة بَدَل حروب شاملة، تفكيكُ بُنى الخُصوم بَدَل إسقاط أَنظمتهم، ورَبطُ أمن الإقليم بمنظوماتها التكنولوجيّة والاستخبارية بَدَل فرْضه بالقوة العسكريّة الصرفة.

بهذا المَعنى، لا تَسعى إسرائيل فَقَط إلى “إِدارَة الصّراع”، بل إلى إِعادَة هندَسَةِ بيئته بحيث تُصبح هي مركزُه الضّابط، حتى دون حُضور دائم على الأَرض. إنّها محاوَلَة لنَقل ثِقَل السيطرة من الجغرافيا إلى الشبكات: شبكاتُ إنذار، دفاع جويٌ، تعاونٌ أمني، واعتمادٌ إقليمي متزايِد على قدراتها. هنا تحديدًا، تتحوّل الحرب من حدث عسكري إلى أداة لإعادة توزيع الاعتماد في المنطقة، بحيث يصبح الاستقرار الإقليمي – مرتبطًا بإسرائيل نفسها، حتى في نظرِ خصومها.

تَكمن المفارَقَة الأبرَز في العلاقة مع واشنطن في أنّه للمرّة الأولى منذ عُقود، تجِد إسرائيل نفسَها أَمامَ إدارة أمريكيّة تتقدّم عليها في الاندِفاع نَحو المواجَهَة الشّاملة. يتحدّث ترامب عن إِنهاء الحرب “قريبًا” لكنّه يهدّد بضربات أَشدّ إذا تعطّلت إمدادات النفط، بينما تَتسرّب تقارير – حتى مِن داخل المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية – عن قلَق من “انزلاقٍ غير مَحسوب” بسبب التسرّع الأمريكي. لم تَعُد إسرائيل إذن الطّرف الذي يَضغَط على واشنطن للتّصعيد، بل أصبحَت الطّرف الذي يُحاول ضبْط إيقاعها: تصعيدٌ محسوب، ضرباتٌ دقيقة على قيادات ومنشآت، وحسابُ دورها ونقاط التحوّل إذا كان الوصول إلى نقطة الانفجار الكليّ الذي قد يجرّ الجميع إلى حرب إقليمية مفتوحة.

مَع ذلك، إسرائيل لا تُريد حربًا كُبرى شاملة… لكنّها تُريد التّهديد الدائم بها، كأداة ضَغط إقليمي.

في الإقليم نفسه، تتكشّف طبَقات أعمَق. دولُ الخليج لا تتّجه نحو مواجهة مباشرة مع إيران، بل نحو تقليل المَخاطر عبر تَوازن هشّ: مساعدةٌ دفاعيةٌ أمريكية ضدّ الصواريخ الإيرانية، مع إبقاء قنوات خلفيّة مفتوحة. لبنان يقِف على حافة نموذج “لا حَرب ولا سلم” مطوّل، حيث يُصبح التصعيد احتمالًا دائمًا لا حدثًا استثنائيًا. الأردن، بجغرافيته الضاغطة واقتصاده الهشّ، يبقى الأكثر تأثرًا دون أن يكون طرفًا مباشرًا.

أمّا فلسطين، فتبدو ظاهريًا خارج مركز الحَدَث، لكنّها في قلْبه تمامًا. تَسعى إسرائيل مُنذ سنوات إلى تَحويل القضية الفلسطينية إلى ملف أمني يُدار يوميًا، لا سياسيّ يُحلّ. لكن كل تصعيد إقليمي يُعيد إنتاجها بقوة أكبر: توتُّرٌ مستمر في الضفة، انفجار محتمَل في غزة، تَصاعُد داخلي في أراضي 48. لا يمكن إعادة تصميم الإقليم دون الاصطدام المتكرّر بهذه الحقيقة العنيدَة: ليست القضية الفلسطينية ملفًا يمكِن تأجيله إلى الأبد.

السؤال الأَهمّ الآن ليس “هل ستتوسّع الحرب؟”، بل “ما الذي ستتركه خَلفها؟”. إذا انتهَت دون حسْم كامل – وهو السيناريو الأرجح حتى الآن مع استمرار الضّربات المتبادَلَة – فإنّها تؤسّس لمرحلة طويلة من “اللا استقرار المنضَبِط”: تَصعيد دوري، ضغط مستمِر وإدارَة فَوضى محسوبة قد تستمر عقدًا من الزمان. وإذا انزلَقَت إلى مواجَهَة أوسَع، فسَتفتَح الباب أَمام إعادة رسم جذريّة لموازين القُوى، ربّما على حِساب الجميع.

في كلا الحالتين، الإقليم يُعاد تَشكيلُه ليس عبر اتفاقيات كبرى أو مؤتمَرات سلام، بل عَبر تراكُم الضّربات الصغيرة، التحوّلات الصامتة في التحالفات وإدارة الأزمات بَدَل حلّها. اذًا هذه ليست لحظَةَ حَسْم، بل لحظَة كَشف عَميق: كَشفُ حدود القوة الإسرائيلية في فرض واقع نهائي، حدودُ الاعتماد على واشنطن التي قد تتغيّر أولويّاتها، وحدودُ القُدرة على تجاوز القضية الفلسطينية إلى الأبد.

والأخطَر: المنطقةُ لا تتّجه نحو نظام إقليمي جديد واضح المعالم، بل نَحو مرحلة سُيولة طَويلة الأمد، حيث تُدار الأزمات وتُعاد صياغة الخَرائط دون إعلان رسميّ. في مِثل هذه اللحظات، لا يكون السّؤال من انتصر… بل مَن يمتلك القدرة على العَيش داخل هذه الفوضى المُدارة، واستغلالها لصالحه؟

إيهاب جبارين

باحث مختص بالشأن الإسرائيلي.

رأيك يهمنا