ماذا بَعْد "تَسْييل" الشَّرقِ الأَوسَط في "حَربِ إِيران"؟

تَبدو المنطقة اليوم وكأنّها تَدخل مرحلةً جديدة من تاريخها السياسي، مرحلة تتزعزع فيها الثوابت التي حَكَمت توازنات الشرق الأوسط عقودًا طويلة. فالحرب المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لَم تعُد مجرّد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحوّلت إلى لحظة مفصليّة تُعيد طرح أسئلة عميقة حول شَكل النظام الإقليمي القادِم: مَن يَملك زمام المبادرة؟ مَن يُعيد رسم الخرائط السياسية والأمنية؟ وأين يَقف العرب في خِضَم هذا التحول الكبير؟

الشّكل الحالي لدول الخليج رسّخته بريطانيا منذ مئة عام، ومرّ بحالة آمنة هادئة، ونتيجة غزو العراق الكويتَ تعزّز انتشار القواعد الأمريكية في دول مجلس التعاون الخليجي، وهي ذاتها اليوم تُورِّط المنطقة في هذه الحرب المَدفوعة برغبة نتنياهو بضرَب النظام الإيراني وإسقاطه والهيمنة في الشرق الأوسط.

ما يجري اليوم ليس مجرّد صراع عسكري تقليدي، بل عمليّة إعادة تَشكيل بطيئة ومعقّدة لموازين القوى في الإقليم. فالقواعد التي حَكَمت مرحلة ما بَعد الحرب الباردة، ثم مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي العراقَ، لم تعُد تَعمل بالكفاءة نفسها. لقد تراجَعَت فكرة الاستقرار القائم على توازن الرّدع التقليدي، وحلّت محلّها معادَلة أكثر سيولة تقوم على الحروب غير المباشرة، والضربات المحدودة، والرسائل العسكرية المتبادلة.

سياسيًا، يبدو أن المنطقة تَشهد انكسارًا واضحًا في الاصطفافات التقليديّة. فالدول التي كانت تنتمي إلى مَحاور واضحة باتت تُعيد حساباتها وِفق منطق المَصالح المباشرة أكثر من منطق التحالفات الصلبَة. لم تعُد بعض دول الخليج، على سبيل المثال، تنظر إلى الصراع الإيراني–الأمريكي بالمِنظار نفسه الذي حَكَم سياساتها خلال العقدين الماضيين. فهي من جهة تَخشى تمدّد النفوذ الإيراني، لكنها من جهة أخرى تخَشى أيضًا أن تتحوّل أراضيها أو اقتصادها إلى ساحة صراع مَفتوح بين القوى الكبرى، ولم تعُد القواعد الأمريكية كَفيلة بالحماية وتحقيق الأمن والاستقرار!

في المقابل، تُحاول إيران الحفاظ على شبكة نفوذها الإقليمية التي بَنَتها عبر سنوات طويلة، مستندة إلى أدوات متعدّدة تشمل التحالفات السياسية، والقوى العسكرية غير التقليدية، والقُدرة على إدارة صراعات منخفضة الكثافة. أمّا الولايات المتحدة، فتبدو وكأنّها تُدير الصراع بطريقة تُوازن بين الرغبة في كبح النفوذ الإيراني وتجنّب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة قد تكون مكلِفة سياسيًا واقتصاديًا، وفي الوقت ذاته تَضغط على الصين والهند في مسائل ذات بُعد اقتصادي.

في قَلب هذه المعادَلة يقف مفهوم الردع الذي كان لعقود حَجر الأساس في استقرار المنطقة. فهل ما زال هذا المفهوم يَعمل بالفاعلية نفسها؟ يشير الواقع إلى أن الردع لم ينهَر تمامًا، لكنّه لم يعُد أيضًا قادرًا على مَنع التصعيد كما كان في السابق. أصبحَت الضربات المتبادَلة، والهجمات غير المباشِرة، والعمليات المحدودة جزءًا من “قواعد اشتباك جديدة” تَسمح للأطراف المتصارعة بإرسال رسائل القوّة دون الوصول إلى حرب شاملة.

 يَبرز سؤال آخر لا يقلّ أهمية: من يُدير إيقاع التصعيد في المنطقة؟ فالمَشهد الإقليمي لا تَحكمه إرادة دولة واحدة، بل شَبكة معقّدة من اللاعبين الدوليين والإقليميين. الولايات المتحدة ما زالت تَمتلك القُدرة العسكرية الأكبر، لكن قُدرتها على التحكّم الكامل بمسار الأحداث تراجعت مقارنة بما كانت عليه قَبل عقدين. في المقابل، صعَدَت الصين وروسيا كلاعبين مؤثِّرين في التّوازنات الدوليّة، حتى وإن كان دورُهما في الصراع الحالي غير مباشر.

أمّا في السّياق السوري، فإن هذه التحوّلات تَكتسب أهمية مضاعَفة. فسوريا كانت طِوال العقد الماضي إحدى الساحات الرئيسة للصراع الإقليمي والدولي، وما يجري اليوم قد يُعيد تعريف موقعها في الخارطة الجيوسياسية. فمع تراجع حدّة المواجهات العسكرية داخل البلاد نسبيًا، أَصبحت سوريا جزءًا من معادلة التوازن الإقليمي بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. أيُّ تصعيد كبير بين هذه القوى قد يُعيد تحويل الأراضي السورية إلى ساحَة رسائل عسكرية متبادلة.

اقتصاديًا، تَقف المنطقة أيضًا أمام تحدّيات كبيرة. فالصراعات العسكرية في الشرق الأوسط غالبًا ما ترتَبط بقضايا الطاقة والممرات البحرية. مضيق هرمز، والبحر الأحمر، وشَرق المتوسط، كلُّها مناطق حيويّة لتجارة النفط والغاز العالمية. أيُّ اضطراب كبير في هذه الممرات قد يَنعكس فورًا على الأسواق العالمية، ويَرفع أسعار الطاقة، ويَزيد من الضغوط الاقتصادية على الدول المستورِدة، ومنها الصين، وهو ما يُريده ترامب.

بالنسبة للدول العربية، فإن أَثَر الحرب لا يَقتصر على الجانب العسكري أو السياسي، بل يَمتد أيضًا إلى الأمن الغذائي والاستقرار المالي. فارتفاع أسعار الطاقة والنقل البحريّ يمكن أن يرفَع تكاليف الاستيراد، ويَضغط على الاقتصادات الهشّة في المنطقة. وفي حالات كثيرة، يؤدّي اقتصاد الحرب إلى إعادة توزيع النّفوذ الاقتصادي، حيث تَستفيد بعض الدول من ارتفاع الأسعار، بينما تتحمل دول أخرى كلفة الأزمة.

إقليميًا، تَبدو دولٌ عدّة في مَوقع حساس داخل هذه المعادلة. لبنان، على سبيل المثال، يقِف على حافّة اشتعال دائم، حيث يتداخل الانقسام الداخلي مع الضغوط الإقليمية. أمّا دول الخليج، فهي تحاول السّير على حَبْل دقيق بين الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وتجنُّب الانخراط المباشر في صراع قد يهدّد استقرارها الاقتصادي وأمنَها.

الأردن أيضًا يَجِد نفسه في معادَلة توازنٍ صعبة، بحُكم موقعه الجغرافي الحسّاس بين فلسطين وسوريا والعراق. فالتطوّرات العسكرية في أيٍّ من هذه الساحات قد تَنعكس مباشرة على استقراره الداخلي، سواء عَبر الضغوط الاقتصادية أو التحدّيات الأمنية.

في قلب كلّ هذه التحوّلات تَبقى القضية الفلسطينية حاضرة. وإن بدا أحيانًا أنها تتراجَع إلى الخَلف في خِضَم الصراعات الكبرى، فقد تكون الحقيقة عكس ذلك تمامًا. فالكَثير من التوتّرات الإقليمية تدور في النهاية حَول مستقبَل فلسطين، سواءً من زاوية الصراع المباشر أو من زاوية التوازنات السياسيّة في المنطقة.

السّؤال الذي يَطرح نفسَه هنا هو: هل تُعيد هذه التحوّلات صياغة مَوقِع القضية الفلسطينية في النظام الإقليمي؟ من الممكن أن تؤديّ الفَوضى الجيوسياسية الحالية إلى تَهميش القضية مؤقتًا، لكن من المُمكن أيضًا أن تُعيد وضعَها في مركز الصراع إذا ما تصاعدَت المواجهات أو تغيّرت موازين القوى.

في المحصلة، يَبدو الشرق الأوسط وكأنّه يقف على مفترَق طرق تاريخيّ. فالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرّد صراع عابر، بل لَحظَة اختبار عَميقة للنظام الإقليمي بأكمله. قد تَنتهي هذه المرحلة بتسويةٍ جديدة تُعيد رسم خطوط النّفوذ، وقد تستمر حالة السّيولة سنوات طويلة قبل أن يتبلوَر شكلُ التّوازن الجديد.

أمّا بالنسبة لسوريا، فإن التحدّي الأكبَر يكمُن في كيفية التعامل مع هذه التحوّلات دون أن تتحوّل مَرة أخرى إلى ساحَة مفتوحة لصراعات الآخرين.

تَبدو هناك رغبَة لانخراط سورية ضدّ "حزب الله"، وكذلك تتصاعَد الأحداث في العراق وهذا له انعكاساته على المنطقة، فالمستقبَل الإقليمي الذي يتشكّل اليوم لن يحدّد فقط موازين القُوى بين الدول، بل سيحدّد أيضًا مَصير المجتمعات التي تَعيش في قَلب هذه الجغرافيا المضطربة.

د. زكريا ملاحفجي

المحلل السياسي والأمين العام للحركة الوطنية السورية.

رأيك يهمنا