إِيران: آخِرُ حُروبِ أَمريكا في الشَّرقِ الأَوسَط؟

​بَدَأَت الشّرارة الأُولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من شباط، بِضَربة استهدفَت العُمق الإيراني، وأدّت إلى مقتل المرشِد الأَعلى وعشرات القيادات السياسيّة والأمنيّة. سارَعَ الرئيس ترامب، مَدفوعًا بنرجسيّة سياسيّة وقراءَة سطحيّة لتعقيدات المنطقة، لِفَرض سَقفِ شروط تعجيزيّ، ظانًا أن "الضّربة القاضية" ستُجبر طهران على الاستسلام التّام لمطالب واشنطن النوويّة والباليستية في غضون أيام.

​لكنّ الواقِع الجيوسياسي كانَ أَشدّ استعصاءً؛ فَقَد جاءَ الردّ الإيراني رافضًا الانصياع، وموسعًا دائرة الصّراع لتشملَ دوَلَ الخليج وإسرائيل، مما أنذَرَ بحرب إقليميّة طاحِنة. ومع مرور ثلاثة أسابيع، تأكّدت النظريّة التي استوعبَتها الإدارات السابقة: ليس الشرق الأوسط ساحةً للاختراقات الإستراتيجية طويلة المدى. فرغم التفوّق التّقني، ما زالت بؤر التوتّر مُشتعلة، وما زال الحلفاء بحاجة لدَعم مستنزِف، وسوق النفط لا يَنصاع للرّغبات الأمريكية. 

فَهِمت الإدارات الأمريكية السّابقة هذه المُعضِلة سابقًا ممّا دَفَعها لتبنّي سياسة الانسحاب البطيء مِن الشرق الأوسط، ونقْل اهتماماتها نَحو الشرق الأقصى والمُحيط الهادئ ضِمنَ ما يُعرَف بسياسَة "التوجُّه نَحو آسيا" The pivot to Asia. عزَّزت الحُروب الطائفية والإقليمية التي نَتَجَت عَن "الربيع العربي" هذا التوجُّه حتى عاد دونالد ترامب إلى "البيت الأبيض" العام الماضي. 

يَعزو البَعض اندِفاعَة ترامب لهَوَسِه بالتفوّق على إرث أوباما، أو تأثّره بضُغوط اللوبي الداعم لنتنياهو، لكن تَسود قَناعة في واشنطن اليوم بأنّ هذه الحَرب قد تكون "الرّقصَة الأخيرة" للولايات المتحدة في المنطقة. 

تتنبّأ غالبية مراكز الأبحاث والمحلّلين في واشنطن بأُفول عَهد التدخّل الأمريكي الخَشِن في الشرق الأوسط؛ وذلك لأسباب إستراتيجية، وسياسيّة داخلية، واقتصادية، من المرجّح أن تشكّل تحولًا جذريًا عن النّهج الأمريكي الذي سادَ المنطقة منذ حَرب تحرير الكويت عام 1991.

​أولًا: غِياب الأهداف العملياتيّة وجَدوى الاستثمار

​حتى في حال تحقّق "نَصر عسكريّ" تقنيّ يؤدّي لإخضاع النظام الإيراني، فإن المؤشّرات تؤكّد أنّ الأمريكيين سيُغادِرون المنطقة فورًا. لَم يَعُد لدى واشنطن أهداف عملياتيّة إضافية تستحقّ نَزيف المَوارد؛ فالتحدّيات التي تَفرِضُها بَعض دول الإقليم لم تَعُد مبررًا كافيًا لاستثمارات بمليارات الدولارات في بيئة لا تَزال شُعوبها تكنُّ عداءً تاريخيًا للخطط الأمريكية.

​إنّ الاستثمار في الشرق الأوسط لَم يَعُد يُجدي نفعًا مِن مَنظور التّكلفة والعائد. وفي حال تعثّر المشروع الأمريكي في إيران، فإنّ أصوات المعارَضة الداخليّة لمغامَرات واشنطن ستتصاعَد لدَرَجَة تَمنَع أيّ صانع قَرار مستقبلي من التّفكير في تَدّخل مشابِه، مما يَجعَل الانسحاب حتميّة إستراتيجية سواء انتهت الحَرب بنصر مرّ أو فشَل ذريع.

​ثانيًا: أَزمَة الشرعية والشعبية في الدّاخل الأمريكي

​تُواجِه الحرب الحالية مأزقًا غير مسبوق يتمثّل في كونها "الأقلّ شعبية" في تاريخ الولايات المتحدة الحديث. فبالمقارنة مع الحروب الكبرى كالحرب العالمية الثانية أو حتى غزو العراق، تَفتقر هذه المواجَهة للغِطاء الشعبي. ووفقًا لاستطلاعات معهد "بيو"، فإنّ هذه هي المرّة الأولى التي يتجاوَز فيها عددُ معارضي الحرب عدد داعميها مُنذ اللحظات الأولى لاندلاعها.

​يَعكس هذا التحوّل في مزاج الناخب الأمريكي سأَمًا عامًا من "الحروب الأبديّة" في الشرق الأوسط. ومَهما كانت النتائج الميدانية، فإن هذا الموقِف الشعبي المتصلّب سيشكّل قَيدًا سياسيًا ثقيلًا على أيّ إدارات ديمقراطية أو جمهورية قادمة، مما يُعزّز فرضيّة الانكفاء نحو الدّاخل.

​ثالثًا: الاستقلال النفطيّ وتَغيّر خَريطة الطاقَة

​مِن أبرَز التحوّلات التي عجَّلت بقَرار فكّ الارتباط بالمنطقة هو نَجاح الولايات المتحدة في تحقيق استقلالٍ نفطي بفضل تكنولوجيا النّفط الصّخري، لتصبح واشنطن أكبَر منتِج لـ "الذّهب الأسوَد" عالميًا. لم تَعُد واشنطن بحاجة لِحمايَة خُطوط إِمداد الطاقة لأجل أَمنِها القَوميّ الخاصّ، بل أصبَحَت تَفعَل ذلك لخِدمَة خُصومها وحُلفائِها كالصين والهند وأوروبا.

​بَعدَ انتهاء هذه الحرب، من المتوقّع أن تطالِب واشنطن هذه القُوى الدولية بتحمُّل مسؤولية أكبَر في حماية استقرار الخَليج. سيُجبر هذا التحوّل الدولَ الصّاعدة على التّعامُل بحزم أكبر مع قضايا المنطقة، بينما تتفرّغ أمريكا لحماية مصالحها التجارية الخاصة بعيدًا عن دور "شرطيّ المرور" في مضيق هرمز.

​رابعًا: تآكل حَصانة إسرائيل في الوجدان الأمريكي

​ثمّةَ تحدٍ بنيوي بَرَزَ بوُضوح خِلال هذه الحَرب، وهو التّراجُع المستمرّ في مكانَة إسرائيل داخل الرأي العام الأمريكي، لاسيما بين جيل الشباب وداعِمي الحزب الديمقراطي. لقد أظهَرَت استطلاعات "جالوب" الأخيرة تحولًا تاريخيًا، حيث بات التّعاطف مع الفلسطينيين يُضاهي دعم إسرائيل أو يفوقه في أوساط بعض القطاعات.

​يتَهم قطاعٌ واسع مِن الأمريكيين إسرائيل بجرّ بلادهم إلى حَرب غير شعبيّة لخدمة مَصالح حكومة نتنياهو. إنّ شِعار "لا نُريد خَوض حروب إسرائيل" لم يَعُد مجرّد صرخة هامشيّة، بل أصبح تيارًا سياسيًا يُعقّد من مهمّة أيّ رئيس مستقبليّ في الالتزام بحروب تَخدم أمن تل أبيب على حساب دماء الأمريكيين وأموالهم.

​خامسًا: عالمٌ متعدّد الأقطاب، وسياسة "التخلّي عن العولمة"

​أخيرًا، فإن التحوّل العالمي نحو "تعدّد الأقطاب" وتبنّي واشنطن سياسات التخلّي عن العولَمة (De-globalization) يَفرض تفضيل الدبلوماسية والمَصالح القوميّة الضيّقة على الحروب الإمبراطورية التوسُّعية. في هذا النظام العالميّ الجديد، تسعى الدول الكبرى لتَعظيم مكاسبها الاقتصادية الذاتية بدلًا من الانخراط في تكتّلات أيديولوجية مكلِفة.

ستنتَقل السياسة الأمريكية من مربّع "المصلَحة المشترَكة مَع الغرب" إلى مربّع "أمريكا أولًا" بمعناه الحرفيّ، وهو ما قَد يَفتح الباب مستقبلًا لتفاهُمات مباشِرة مع قوى كإيران بناءً على المصالح الذاتيّة، بعيدًا عن التزامات الأحلاف التقليدية التي استنزَفَت الخزينة الأمريكية لعُقود.

​خاتمة: نصرٌ دون اختراق

​بَعد أسابيع من القتال، لم يحقّق أيّ طرف اختراقًا إستراتيجيًا حاسمًا؛ فواشنطن دمّرت البنى التحتيّة، وإيران نجَحَت في استنزاف الاقتصاد العالمي. ورغم أنّ ترامب سيُعلن "الانتصار" بلا شكّ في نهاية المطاف، فإن السؤال الجوهري يبقى: هل تملك واشنطن الرغبة أو القُدرة على العَودة لهذا المستنقَع مجددًا؟ المعطَيات الجيوسياسية والداخلية تؤكّد أنّ هذه الحرب، مهما كانت نهايتُها، هي إيذانٌ بإغلاق دَفتر العَمَليات العسكرية الأمريكية الكُبرى في الشرق الأوسط إلى غَير رجعَة.

د. ثائر أبو راس

باحث في منتدى التفكير الإقليمي.

رأيك يهمنا