لَحظَة مُراجَعَة في الولايَات المُتّحِدَة

التوقُّعُ، المَبني على التّجربة والمتابَعة الجلية، منذ قيام دولة إسرائيل، هو أنّ الولايات المتحدة، وإن زَعَمت الإنصاف، تَبقى داعمة للموقف الإسرائيلي سرًّا وجهارًا في معظم الحالات، وضمنًا دون التصريح تجنبًا للإحراج إذا ما كان الموقف الإسرائيلي خارجَ إطارِ أَدنى المعقول، في حالات نادرَة. وهذا التوقُّع مرشَّح أن يستمر على حاله وإن على تراجُع في الأمد القريب. لكنّه، للمرّة الأولى على الإطلاق، لم يعُد مضمونًا على المديين المتوسّط والبعيد، بل يَحتاج -من وجهة نظر إسرائيلية- إلى مناوَرات جمّة لتَخفيض وتيرة انخفاضه والعمل على إعادَة تنشيطه إنْ أَمكَن.

تَعمَل الأَوساط المرتبِطة بإسرائيل للتوّ على ابتكار الخُطط وتَطبيقها، والجهات المتموِّلة الدّاعمة لها قادرةٌ على توفير كلّ الأرصِدة المطلوبة. غير أنّ المسألة التي تواجهها هذه الأوساط ليسَت وحَسب المبارزة في السرديّات الآنية، حَول مظلوميّة إسرائيل المزعومة في مقابل الظّلم التاريخيّ اللاحق بالفلسطينيين، ولا حتى الابتعاد الزمني عن الفصول التاريخية التي رسَّخت الحضور اليهودي في الضّمير الأميركي؛ محرقة الحرب العالمية الثانية، وقيام إسرائيل كـ "دولة رائدة" مِن رَماد المحرقة، ثم الانتصارَ الملحميّ في "حرب الأيام الستة" و"عودة" أورشليم القدس كعاصمة للشعب اليهودي. المسألةُ اليومَ أنّه ثمة تحوّلات تاريخية عميقة وخَطيرة تَسير عكْس ما تتمنّاه هذه الأوساط.

التّلاقي، وصولًا إلى التّماهي، مع إسرائيل، لم يَكُن واقعًا تلقائيًا في الوعي العام الأميركي قبل القرن الماضي. يُمكن استبيان نمو التّأثير اليهودي مُنذ مطلَع القرن العشرين، تدريجيًا، مع وفود جاليات يهوديّة نشطة وغنيّة بطاقات تنظيميّة وإبداعية، وإن جرى التعامل معها في المرحلة الأولى بريبَة تصِل إلى حدّ الإقصاء. بل يمكن القول إن القرن العشرين برمتّه كان قرنًا سَعَت خلاله هذه الجاليات، بهيئاتها دون شكّ، لكن كذلك بأفرادها، إلى الارتقاء مِن الهامش الذي خُصّص لها إلى الصّدارة القاطعة، وإنْ الصامتة أحيانًا، في كافة المَجالات والقِطاعات الأساسيّة في البلاد، مِن المال والاقتصاد إلى التّرفيه والجامعات ثمّ السياسة، مع غَلَبَة بارزَة في مهَن النُّخبة كالمحاماة والطبّ وإدارة القِطاع المَصرفي. بموازاة هذا التقدّم، تأصَّلَت دورة تَعازُز لصالح إسرائيل: مواقف سياسية من توجّهات مختلفة تُبرز الخصوصية الإسرائيلية وارتباطَها المفترَض قيميًا وحضاريًا بالاستثنائيّة التي يعتنقُها المجتمع الأميركي لبِلاده وتاريخه، تغذّت وتتغذّى من مواقف دينية تتراوَح من الإشادَة بالتزام إسرائيل المزعوم بالحرّيات الدينية إلى اعتبار أنّ إسرائيل المعاصِرة هي تَجسيد للنبوءات الكتابيّة. ليس من الصواب الافتراض بأن نشأة هذه التوجّهات كانت مفتَعَلة، بل هي ذاتيّة عائدة إلى استتباب اللاهوت الأدواري في أوساط الإنجيليين، وهم الغالبون عددًا، هذا اللاهوت الذي يَعتبر بأن وعود الربّ لإسرائيل التوراتية لا تزال قائمة وصالحة ليهود اليوم، وأنّها تسير بالفعل إلى التحقّق. وهو عائد كذلك إلى انسجام مواقف الكنيسة الكاثوليكية منذ المجمع الڤاتيكاني الثاني في ستينات القرن الماضي مع هذا الطّرح، من باب التّسامح الديني، ما فَتَح المَجال أَمام تعميمه في مُعظَم المجتمع الأميركي. لكن أَلّا تكون نشأَة هذه التوجّهات مفتعلَة لا ينفي أبدًا الزّخَم الفائق لتوسيعها وتوطيدها من جانب مؤيّدي إسرائيل. فالواقِع أَضحى صُعودًا يهوديًا اجتماعيًا اقتصاديًا سياسيًا يعزّز الرؤية الدينية المتوافقَة مع الصهيونية ويتعزّز بها.

يبدو جليًا أنّ الزّخَم الفائق للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي اليهودي، قد تدرج ليبلغ حدّ الإفراط في تغليب وجهة النظر الإسرائيلية والهموم اليهودية ضمن الثقافة والمجتمع في الولايات المتحدة، وإن كان ذلك عائدًا وإن جزئيًا إلى خشية يهودية صادقة من تكرار تجارب إقصاء واضطهاد. وكانت ترجمة ذلك اندفاعًا طاغيًا إلى المتابَعة والمراقبة والاقتصاص، المعنوي والمالي ثم القضائي، من أدنى التّجاوزات للحساسيّات اليهودية، وصولًا إلى أن يُعلَّق العمل، عرفًا أو تشريعًا، بالعديد من الحقوق البديهية للمواطنين والمقيمين في الولايات المتحدة. 

الحقّ في التعبير عن الرّأي من أوَّليّات الهوية الذاتية الأميركية، لكنه مقيَّد ومعطّل بشأن إسرائيل تحت ذريعة التصدي لمعاداة السامية. ساهمت رميثة أوزترك، طالبة دكتوراه في إحدى الجامعات الأميركية الكبيرة، بكتابة مقال رأي مع زملاء لها يُطالِبون جامعَتَهم بعدم الاستثمار في اقتصاد الحرب الإسرائيلي، فكانت النتيجة أنْ جرى اعتقالها بشكل مُهين واحتجازها في سجن في ولاية بعيدة، والسّعي إلى ترحيلها. في حين أنّ الترحيل لم يتمّ بفعل العمَل الدؤوب لناشطين حقوقيّين لصالحها، فإن الحادثة بحدّ ذاتها تكشف عن مدى القيود التي بلغت مستوى خطيرًا من الجسارة والحدّة.

وإذا كانت دورَة التَّعازز بين المتغيّرات في المرحَلة السابقة لصالح مضاعَفة ارتفاع النفوذ اليهودي والإسرائيلي في الولايات المتحدة، فإن المرحلة الحاليّة تَشهد دورَة تَعازز في الاتجاه المعاكِس بين المَزيد من تَشديد القيود والضُّغوط لمحاصَرة أيّ معارَضة لإسرائيل مِن جهة وارتفاع نبرة الامتعاض في مختلَف الأوساط مِن التّأثير البالِغ للمَصلحة الإسرائيلية داخل الولايات المتّحدة، بل ولتماهي العَديد من اليهود الأميركيين معها.

ما أَتاحَته دورة التَّعازز الجديدة هذه لا يَقتصر على مساءَلة موضوع غزة وفلسطين وحَسب، بل العودة إلى قَرن كامل من الصعود اليهودي في الولايات المتحدة بِعَين نقديّة، ما بين المُنصِفَة والمُجحِفَة. فبعد أن كان تَصوير اليهود في المُتداوَل الثقافي الأميركي يجنَح إلى أنّهم أَخيار وملائكة وأَبرياء معصومون من أيّ مَلامة، تَشهَد المرحلة الحالية توجهًا قد يَأتي مُفرطًا في الاتّجاه المعاكِس، وصولًا إلى شيطَنَة اليهود وتَبرير طَردِهم من مجتمعات مختلِفة عَبر التاريخ، بل على الشكّ والطَّعن بكل ما يَطالهم في بعض الأَوساط صَراحة، وفي أُخرى مُوارَبَة.

هل كانَ صُعود اليهود في القرن الماضي نتيجةَ جهود صادِقة، أم هل جاء بِفِعل عصبيّة ماكِرة استولَت على حُقوق الأغيار وأفسَدَت لهم إمكانيّات النجاح؟ بَعضُ السعي إلى النَّظر في هذه الأمور يَعمَد إلى الإِفراط في الإساءَة، لكن هَل ما فَسَد بعضُه يَبطُل كلّه؟ تَسعى متابَعات ودراسات أُخرى إلى الموازَنَة بين علميّة الطَّرح والتحليل والكشف عمّا تَعتبرُه استيلاء متعمدًا على مواقع النُّخبة، لكنها لا تَزال خارج إطار المَقبول في الفَضاء العام. بل إنّ القراءات الأكثر حدّةً وطعنًا تحصُل على مجالٍ أوسَع للبروز. ومَعَ شيطَنَة اليهود، تُمسي هذه المفارَقَة في المَنع والإتاحة بحدّ ذاتها دليلًا آخر، وإن تعسفًا، على فِعل تعمِيَة متعمَّد من جانب مؤيدي إسرائيل.

هُنا تَكمُن مشكِلَة الأوساط الدّاعمة للصهيونية، فالولايات المتحدة تَشهَد منعطَفًا في كيفيّة التّعاطي مع المكِّون اليهودي الأَصيل فيها، والتّأثير الإسرائيلي الطارئ عليها. المَقتَلة في غزة كانت جِسرَ العُبور مِن الحَرَج والهَمس إلى الريبَة والمجاهَرة بها. والمَسعى المؤيّد لإسرائيل في إِصراره على العَودة إلى ما فات، مِن تَحريم النّقد وتَدفيع الأثمان لِمَن يُقدِم عليه، يُضاعِف سَلبيّات هذا التوجُّه الملتَبِس.

هي لحظَة مراجَعة أميركية، مَطلوبَة دون شكّ، شَرط ألّا تَخرُج عن الاعتدال وتَبقى مُقترِنة بالحقّ لا الأَهواء. وكلّما اجتهد مؤيّدو إسرائيل في تَطبيق المَنطق الإسرائيلي القائل إن "ما لا يتحقّق بالقوّة يتحقّق بالمَزيد من القوّة"، كلّما جاءَت المراجَعَة أكثَر حدّة وأكثَر اعتباطيّة.

تَستفيق الولايات المتحدة اليوم على أنّها بحاجة إلى مراجَعة مَقام المكوّن اليهوديّ فيها، ليس مِن باب الحِماية التي تتطلّب تَكبيل الآخرين وتَكميم أفواهِهم، كَما يُريد مؤيدو إسرائيل، إنّما في إطار مصارَحة ومصالَحة مَع الذّات حول المَخاوِف الصادقة والمبالَغات التي تُحقّق استفادات مُجحِفة بحقوق الآخرين. ليس الأَمر بالعمليّة السّهلة، وإمكانيّة استدراج البعض، فلسطينيين وعربًا ويساريين ومسلمين إلى الوُقوع في أفخاخ المبالَغات المُقابلة لإبطال الفِعل البَنّاء قائمة، بل متوقَّعة. ومسؤوليّة التّنبه وإقصار المساهَمَة على ما فيه تَغليب الحقّ لا الأَهواء هو التحدّي المقابل، ليس لهذه الأطراف وحسب، بل لكلّ الصادقين بغضّ النّظَر عن الخلفيّة.

د. حسن منيمة

المحاضر في مركز الشرق الأوسط للدراسات - واشنطن.

رأيك يهمنا