عَن "الرّوتين الوَهميّ" في زَمَن الَحرب حينَ يَتَصَدّع الواقِع… ماذا يَبقى مِنَ المَدرَسَة؟

في زَمَن الحرب، لا يتغيّر إيقاع الحياة فقط، بل تتصدّع أيضًا قدرتنا الداخلية على التنظيم والتخطيط واتّخاذ القرارات بشَكل متماسِك. نجِد أنفسنا، بوعي أو بدونه، نعيش داخل واقع تُفرض فيه قرارات لا نَملك التأثير عليها، تُدار غالبًا بدوافع سياسيّة واقتصاديّة، لكنها تُقدَّم بلغة الأمان والاستقرار والحصانة. في هذا الواقع المضّطرب، تحاول المنظومة التربويّة الاستمرار، وكأنّ دورها يُمكن أَن يَبقى ثابتًا رغم تغيّر كلّ شيء حولها. تَبذُل السلطات الرسميّة جهودًا لخلق نوع من الروتين التعليميّ، حتى لَو كان عن بُعد، انطلاقًا من إدراك أهميّة اللقاء التربويّ الذي يَحمل قيمًا تتجاوَز نَقل المعرفة؛ إذ يمنح شعورًا نسبيًا بالانتماء والتّماسك، ويخفّف من الشُّعور بالوحدة والعزلة، ويَخلق إطارًا يحافظ على خيط من الاستمرارية. لكنّ هذا الروتين، حين يَنفصل عن التجربة الحيّة بكلّ تعقيداتها، قد يتحوّل إلى غطاء هشّ، يوفّر شكلًا من النّظام دون أن يلامِس فعليًا ما يعيشه الأفراد من قَلَق وتَعَب وضياع.
في هذا السّياق، لا تأتي الأصوات من الحَقل كأمثلة هامشيّة، بل كمرآة تَعكس تَعقيد الواقع. تقول إحدى المعلّمات: "نشعر أحيانًا أنّنا أصبحنا جليسات أطفال كي يتمكّن الأَهل من الذهاب إلى العمل…”، بينما تُعبّر أُخرى عن قَلَق مختلف: “أنا أصرّ على الاستمرار في تدريس الموادّ حتى لا تتراكم لاحقًا علينا وعلى الطلاب، لكنّني منهَكَة من تكييف الدروس للتعليم عبر الزوم…”. بين هذين الصّوتين، لا يوجد تناقُض بقَدر ما يوجد تَعبير صادِق عن ضائقة واحدة تتّخذ أشكالًا مختلفة؛ ضائقة تتراوَح بين الشّعور بفقدان المَعنى، والتمسّك به بشكل مُرهِق.
ضائقة مشتركة وفجوات تتّسع
عِند تأمّل تفاصيل الحياة اليوميّة داخل المدرسة، تتكشَّف فجوة بين ما يُراد تحقيقه وما يحدث فعليًا. يَعيش المعلمون والمدراء الحدث بكامل ثِقَلِه؛ إرهاق، قَلَق، ومسؤوليات متداخلة، مع ذلك يُطلب منهم، وبحقّ، أن يكونوا مصدر استقرار لطلّابهم. حين يَقول هؤلاء التربويّين إنّ “لدينا حَصانة” أو “قد اعتَدنا على حالات الطوارئ"، فإنّهم يبثّون شعورًا ظاهريًا بالسيطرة، لكنّ خطابَهم هذا قد يُخفي، دون قصد، حقيقة أنّهم يعمَلون تحت ضغط، وأنّ الاستمرار لا يعني بالضرورة توازنًا داخليًا. يعيش الأهل بدورهم توتّرات اقتصاديّة وعائلية، (خاصة الذين اضطرّوا إلى التوقّف عن العمَل أو تركه)، تتراوَح بين الخوف مِن خسارات أولادهم في العمليّة التعلّميّة، وعجزهم عن متابَعَتها، ممّا ينعَكِس على العلاقة مع المدرسة ويحوّلها أحيانًا إلى مَساحة من الّلوم والاتهامات بَدَل الشّراكة والتعاون.
أمّا الطلاب، فتَظهَر لديهم استجابات متفاوتة: انسحابٌ تَدريجي، حُضور شكليّ، أو انقطاع كامل. هُنا تَبرز فجوة إضافيّة أكثر حدّة في المدارس العربية، خاصة في مناطق مِثل النقب، حيث تُشير التّقديرات إلى أنّ نحو ربع الطلاب لا يستطيعون الاندماج في التعلّم عن بُعد، بسبب نقْص الموارد التكنولوجية وضَعف البُنية التحتيّة للشّبكات.
في مِثل هذه الحالات، لا يَعود الحَديث عن فجوة تعليميّة فحسب، بل يتعدّاها إلى خَطَر حقيقيّ من فقدان الانتماء، وازدياد الضائقة. لذلك، يُصبِح من الضروريّ إعادة التفكير في طُرُق التواصُل مع هؤلاء الطلاب، لا بهدف ملاحقَتهم تعليميًّا أو تحميلهم مسؤوليّة الغِياب، بل لإيصال رسالة واضحة: أنتُم مرئيوّن، وما زلتُم جزءًا من هذا الإطار التربويّ، والعلاقة بيننا لا تنقطع حتى حين يتعذّر التعلّم.
أسئلة لا مفرّ منها:
أيّ روتين نَخلق؟
في قَلب هذه الصورة، هناك أسئلة لا يمكن تجاوُزُها. حين نقول إنّ "الأُمور تَسير" لأنّ جزءًا من الطلاب ما زال حاضرًا، فهل نَصِف واقعًا أم نخفّف من وطأته؟ هل يمكن لمنظومة تَعمل مع نصف طلابها، أو أكثر بقليل، أن تدّعي أنّها تحافِظ على روتين، أَم أنّنا نُعيد تعريف الروتين بطريقة تَسمح لنا بالاستمرار دون مواجهة ما نَفقده؟ وماذا يعني أن يصبح غياب مجموعة من الطلاب أمرًا يمكن التكيّف معه؟ هل نَقبل ونتعامل بطبيعيّة مع الفجوات بين المدارس العربيّة واليهوديّة في الدولة، وبين الفئات المختلفة في المدارس العربيّة (وأقصد بها الفئات المهمشّة/المتمكِّنة، وفي مناطق جغرافيّة مختلفة) دون أن نَشعُر؟ وربما الأعمق من ذلك: هل نتمسّك بصورة الاستمراريّة "الطبيعيّة" لأنّ الطلاب بحاجة إليها، أم لأنّنا نحن بحاجة إلى الإحساس بأنّ الأمور ما زالت تحت السيطرة؟ وهل يمكن أصلًا القبول بروتين يبدو طبيعيًّا، في واقع لا يحمل أيّ ملامح للطبيعيّة؟
كيف نستمرّ في واقع غير طبيعيّ؟ ولماذا؟
أَمام هذا الواقع، لا يَكمن التحدّي في الاختيار بين الاستمرار أو التوقّف، بل في كيفيّة الاستمرار بصدق. فالتخلّي الكامل عن الإطار التربويّ قد يزيد الفوضى، لكنّ التمسّك بروتين جامد يتجاهل الواقع لا يقلّ خطورة. ما نحتاجه هو مرونة واعية تنطلق من فهْم عميق لاحتياجات الطلاب والمعلمين، خاصّة في بُعدَيْها- العاطفيّ والنفسيّ. العلاقة التربويّة هنا تصبح مركزيّة، لا تنحصر في نَقل المعرفة، بل تتعدّاها لتكون مساحة للإصغاء والتعاطُف، والخروج عن العاديّ والمألوف، في محاولة لفهم ما يمرّ به الطالب كإنسان.
نحن جميعًا دخلنا هذا الواقع معًا، لكننّا لا نعيشه بالطريقة نفسها. ما يبدو تماسُكًا عند البعض قد يكون واجهة تخفي جُهدًا داخليًّا كبيرًا، وما يبدو انسحابًا وعدم اكتراث عند البعض قد يكون محاولة لحماية الذات. لذلك، فإنّ التفاوت في ردود الفعل ليس خللًا، بل تعبير عن إنسانيتنا الرازحِة تحت الضغوط. وفي زمن تَميل فيه ردود فعلنا إلى التطرّف، بين اندفاع نحو الإنجاز وتجاهل الواقع وانسحاب كامل، تصبح مهمّتنا التربويّة هي البحث عن هذا الحيّز الوسيط: أن نَعمل دون أن نشعر أنّ الإرهاق يُثقِلُنا، وأن نتوقّف حين يَلزم دون أن نفقِد المعنى.
ختامًا، ربّما لا نحتاج إلى إجابات جاهزة بقدر ما نحتاج إلى التوقّف أَمام بعض الأسئلة. هل ما نَخلقه اليوم من "روتين" يدلّ فعلًا على وجود حَصانة نفسيّة عندنا، أم أنّه محاولة للتّعامل مع الحاجة إلى الشعور بها؟ كيف تخدم عملية التعلّم عن بُعد طلابنا في واقع كهذا، وإلى أيّ مدًى نَفحص نجاعَتَها بصدق لا من منطلَق الطمأَنَة؟ ماذا نَكسب حين نستمرّ، وماذا نَفقد دون أن ننتَبه؟ وهل نحافظ على المعنى، أَم نكتفي بصورة عنه؟
قد تكمُن المسؤولية الأعمق في ألّا نُسلِّم بواقع غير طبيعيّ، وألّا نقنع أنفسنا بأنّ ما نعيشه يمكن أن يُختزل في روتين عاديّ. لا أكتب هذا من أجل التّشكيك أو الإحباط، بل من أجل أن نبقى يقِظين لما يَحدث لنا وفينا فعلًا، وأن نحافظ على إنسانيتنا داخل منظومة تحاول، رغم كلّ شيء، أن تستمرّ دون أن تَفقد معناها.

د. إيزابيل سمعان رمضان
باحثة ومحاضرة في كلّية أورانيم للتربية ومركّزة مشاريع تربويّة ومرشدة طواقم تربويّة.



