"صاجُ الفَلافِل" والاستِدامَة: تَحَدّيات المُؤسّسات الإعلاميّة الفِلِسطينيّة

شاركتُ في العام الماضي في كلٍّ من مؤتمَر «أَريج» في عمّان و«خُبز ونت» في بيروت، وفي جلسَتين جانبيّتين على هامش الملتَقَيين، كانت هناك جلسات مغلَقة ضمّت مؤسّسات إعلامية عربية لمناقشة إشكالية كبيرة، وهي الاستمرار: كيفَ نَستمر؟ وكيف نظلّ واقفين على أَقدامنا؟ وكان لي في كلّ الجلَسات مداخَلة متكرّرة بعنوان: صاج الفَلافِل هو الحَلّ.

في البداية، بدا الطرح كأنّه نَوع من الكوميديا السّوداء، وبَدَت الأفكار كأنها مجنونة، لكنّ الجنون الحقيقي هو أن نظلّ واقفين بأفكار تقليدية؛ لأنّه بَعد أقل من 5 سنوات، إذا ظَلَلنا نفكّر بهذه الطريقة، سنضّطر إلى الإغلاق. لذا يجب أن تكون هناك أفكارٌ جديدة، فمن أَجل أن تَستمر المؤسّسة الإعلامية في العَطاء، يجب أن تكون لديها مَداخيل ذاتية تُبقيها واقِفة على قَدَميها، بعيدًا عن تقلّبات التّمويل ومزاجيّة الممولين السياسية.

نَعيش اليوم في زمن شُحّ التّمويل، والتّغيرات الجَذرية في توجهات المموّلين. شَهِدنا بعد فترة ترامب الأولى إشكاليات كبيرة طالت الإعلام في كلّ العالم، ومَع أواخر عام 2019 عَصَفت جائحة كورونا بالجميع، حيث تُشير تقارير البنك الآسيوي للتنمية (ADB) إلى أن الخسائر الاقتصادية العالمية نتيجة الجائحة تقارب 8.8 تريليون دولار من مَجموع الخسائر في الناتج الاقتصادي العالمي (GDP)، أي ما يُعادل نحو 9.7% من الناتج العالَمي في تلك الفترة. ومَع اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، قلّص الأوروبيون التّمويل لأنّ الحرب استنزَفَت موارِدهم.

عَقِب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وحرب الإبادَة على غزة، حَدَث تَغيير كبير في تَوجيه التّمويل الإعلامي.

ثم أدّت التحوّلات التقنيّة الحديثة، وعلى رأسِها وسائل التّواصل الاجتماعي، وصُعود المؤثّرين، والذّكاء الاصطناعي، إلى تراجع مكانة الإعلام التقليدي عالميًا؛ إذ تشير تقارير معهد "رويترز" إلى أن أكثر من 54% من الجمهور في أميركا، مثلًا، يحصلون على أخبارهم من منصّات التواصل، مع ارتفاع الاعتماد على الأخبار المرئيّة القَصيرة من 52% عام 2020 إلى نحو 65% بحلول عام 2025.

على المستوى الاقتصادي، شَهدت سوق الإعلانات تحولًا واضحًا، حيث تُظهر تقارير (WPP Media) أن إيرادات الإعلانات الموجّهة إلى صنّاع المحتوى والمؤثّرين عَبر المنصّات الرقميّة تَجاوزت إيرادات الإعلام التقليدي لأول مرّة، مع توقّعات بوصول إيرادات اقتصاد صناع المحتوى إلى أكثر من 376 مليار دولار بحلول عام 2030.

وأَظهَرت الدّراسات أنّ مُحتوى الفيديو على منصات التّواصل يَستحوذ على نحو 20% من إجمالي وقت المشاهَدة المرئية، وهو ما كان يهيمن عليه التلفزيون سابقًا. في السّياق نفسه، تراجَعَ اعتماد الجمهور على المنصات الإخبارية التقليدية لصالح المنصات الرقمية المرئية مِثل يوتيوب وتيك توك، بينما تؤكّد دراسات سلوكية أن نحو 70% من المستخدمين يتفاعَلون مع أكثَر من شاشة في الوقت نفسه، ما يعكس تغيرًا جذريًا في أنماط استهلاك المُحتوى، ويُبرز التحدّيات التقنية العميقة التي تواجه الإعلام التقليدي في العصر الرقمي.

الجَميع الآن يُريد الإعلام متى يريد، وكيف يريد، ومِن مَن يريد. كلّ هذه التّحديات تجعلنا، كمؤسّسات إعلامية صغيرة، نفكّر يوميًا: هل نظلّ مستمرين أَم لا؟

كلّ صباح، بَعدَ أَن أُوصل بناتي إلى المَدرسة، أَقعُد في مكتب «لمّة صحافة» وأَبدأ التّفكير في هذه المؤسّسة التي بَدَأَت من فكرة بسيطة: مجموعة على فيسبوك، في عزّ أيام فيسبوك، حين كان مَن لديه أَلف إعجاب يُعدّ أكبر مؤثّر. في عام 2017 حوّلناها إلى شركة غير ربحيّة وسَجّلناها رسميًا، وفي عام 2021 جاءَنا أوّل تمويل. منذ ذلك الحين ونحن نخطّط يوميًا: كيف نظلّ مستمرّين؟ هذا الهاجس اليومي الذي يرافقني يرافِق كلّ مؤسسة إعلامية صغيرة في فلسطين وفي العالم العربي.

تُشير أرقام الإحصاء الفلسطيني إلى أنّ أعلى نسبة خريجين عاطلين عن العَمل في فلسطين هم من تخصّص الصحافة. ففي عام 2019، بَلَغ معدّل البطالة بين الحاصلين على دبلوم متوسّط أو بكالوريوس في تخصّص الصحافة والإعلام نحو 69%، والأَرجَح الآن أنّه أَعلى.

وأنا دائمًا أَقول إنّ هذا التخصّص يجب أن يُشكّل استراتيجية وطنية. تُصدّر البرازيل لاعبي كرة القَدم إلى كلّ العالم، لماذا لا يكون تخصّص الصحافة تخصّصًا مهمًا واستراتيجية وطنية في ظل حاجتنا إلى الإعلام واستراتيجياته وتأثيره في كلّ العالم، ونحن شعب تحت الاحتلال؟ تَشتَهر البرازيل بلاعبي كرة القَدم، ونحن أيضًا لدينا صحافيون مميّزون في كلّ أنحاء العالم. لماذا لا يكون هُناك تَركيز على هذا التخصّص؟ فبدلًا مِن أن تكون أعلى نسب البطالة وسط خريجي الإعلام، نكون مصّدرين للإعلاميين إلى كلّ العالم.

الصحافي الفلسطيني متميّز في كلّ أنحاء العالَم؛ تَجِد معظم المتميّزين على الشاشات وفي مكاتب التّحرير في كُبرى المحطّات الإعلامية، فلسطينيين. فكيف تكون أعلى نسبة عاطلين عن العمل من الإعلاميين؟ كيف نوفّر لهؤلاء الشباب أحلامهم؟ الفكرة هنا ليست مجرّد الاستمرار، بل كيف نحقّق الأحلام. 

وأَصعَب شيء في هذا البلد هو العمل في الإعلام. بعيدًا عن القمع الذي يتعرض له الإعلام الفلسطيني، والدّمار وقَتل الصحافيين الممنهَج في غزة، والاعتداءات المستمرة في الضفة، هناك تحديات أخرى تُرهقنا. الإجراءات الداخلية والقوانين التي تحدّ من عملنا، والمجتمَع الذي لا يدعَمُنا كثيرًا، والقطاع الخاص الذي يتعامَل معنا وكأنّنا شؤون اجتماعية أو عائلات مَستورة، فيمنحُنا الفُتات، بينما يَصرف آلاف الدولارات على «ستوريات» للمؤثّرين. علمًا بأنّ نتائج المؤشّر العربي 2024–2025 أظهَرَت أنّه، ورغم الانتشار الواسع للمؤثّرين، فإن أكثر من 50% من متابعي حساباتهم توقّفوا عن متابَعَة كثير منهم أو بعضهم، ما يُشير إلى أنّ تأثيرهم ليس دائمًا إيجابيًا أو مستدامًا. إضافة إلى ذلك، فإنّ نسبة كبيرة من العرب لا تَثِق بالأخبار والمَعلومات المتداوَلة عبر وسائل التّواصل، إذ أفاد 59% من المُستَطلَعين بأنّهم لا يَثِقون بهذه الأَخبار، بينما يَثِقُ بها 41% فقط.

ليست المشكلة فقط في قلّة التمويل، بل أيضًا في كيفيّة توزيعه. بعضُ المموّلين لا يمنحون المؤسّسات الصغيرة تمويلًا كافيًا لأنّ «تمويلها ليس كبيرًا». لكن كيفَ سيكون تمويلي كبيرًا إذا لَم تمنَحني المال لأَعمل؟ أليس الجهد الكبير الذي نبذله يستحقّ ثمنًا؟ تَجعَل هذه المعضِلة الكثير من المؤسّسات الإعلامية الصغيرة عالقة في حلقة مفرَغة: صَغيرة لأنّها لا تملك تمويلًا، ولا تملك تمويلًا لأنّها صغيرة.

لذلك أَعود دائمًا إلى فكرة صاج الفَلافل. نَحتاج إلى مَصادر دخل ذاتيّة، إلى نَماذج عمل مستَدامة لا تعتمد فقط على رَحمة المموّلين وتقلّبات السياسة الدوليّة. نحتاج إلى تَنويع مَصادر الدّخل، سواء من خلال الخَدَمات الإعلامية، أو التّدريب، أو المنتَجات الرقمية، أو حتى صاج فَلافل حقيقيّ إذا لزم الأمر.

لو عادَ بي الزّمن إلى الوراء، لاختَرت أن أَكون صحافيًا مرّة أخرى. سأعمل في الصحافة، وسأظّل أُحب الصحافة، وسأظّل أشجّع أيّ محبّ لها على دراستها في كلّ الظروف. لأن الصحافة، رغم كلّ التحديات، هي صوتُ من لا صوت له، وهي الشاهد على الحقيقة في زمن يُحاول فيه كثيرون طمسها.

كان من المُمكن أن أَكتب عن تجربتي في "لمّة صحافة"، وكيف تَعمل، و"بالغراف"، وما هي استراتيجيتها، لكنّ هذا الهمّ الجَمعي أهمّ بكثير من أن أتحدّث عن نفسي. ليسَت استدامة المؤسسات الإعلامية الفلسطينية رفاهيّة، بل ضرورة وطنية. ومِن أجل هذه الاستدامة، نَحتاج إلى تفكير جديد، إلى صاج فَلافل خاصٍ بِنا، إلى نماذج عمَل تَحفظ كرامتنا واستقلاليتنا، وتَضمَن استمرارَنا في تحقيق أَحلامنا وأحلام الشباب الذين يُريدون تغيير العالَم بكلماتهم.

محمود حريبات

صحافي فلسطيني وخبير في الإعلام الرقمي، يَعمل على توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الإعلام. شريك مؤسّس ومدير تنفيذي لمؤسَّسة «لمة صحافة» ومقدّم بودكاست "مع حريبات".

رأيك يهمنا