من الشّعبويّة إلى الوَعي الخَوارِزمي: ثَغرَةٌ لكَسْر الهَيمَنَة السَّردِيَّة

![]() |
|---|
لم نَعُد نعيش في زمن يُقنع فيه الخطابُ الأَقوى الناسَ، بل في زمَن يُعاد فيه تشكيل وعيهم قبل أن يبدأ النّقاش أصلًا.
ما نراه يوميًا على شاشاتنا ليس انعكاسًا بريئًا للواقع، بل نتيجة اختيارات خفيّة: ما الذي يُدفع به إلى الواجهة، وما الذي يُدفَن، وأيّ لغة تُصبح مألوفة، وأيّ فكرة تُصنَّف فجأة كمتطرّفة أو غير قابلة للنقاش.
في هذا المشهد، لم تَعُد الشعبوية مجرّد خطاب سياسي، بل تحوّلت إلى صيغة إعلامية: سهلَة، وسَريعة، وقابلة للتّكرار، وتَعمل بانسِجام تامّ مع مَنطق المنصّات والخوارزميات.
لكن في السنتين الأخيرتين، بدأَ هذا النموذج يفقد شيئًا من سِحره. ليس لأنّ الوعي انتَصَر، بل لأنّ الواقع صار أثقَل من أن يُختزل. ومع هذا التصدّع، ظَهَر سؤال جديد لم يكن مطروحًا من قَبل بهذه الحِدّة:
هل يمكن كَسْر الهيمنة السردية فعلًا في عَصر تُدار فيه الانتباهات خوارزميًّا؟
لماذا لم يتمدّد هذا الوعي؟
![]() |
|---|
السؤال ليسَ لماذا استيقظ الناس؟ بل لماذا بقي هذا الاستيقاظ جزئيًا؟
يَعود جزء من الإجابة إلى طبيعة الإعلام نفسه. المنصّات لا تكافئ التفكير البطيء، ولا تمنَح مساحة للأسئلة المركّبة. هي تفضّل الرسائل القصيرة، والانفعالات السريعة، والمواقف القاطِعة. لذلك، حتى حين يبدأ فقدان الخطاب الشعبويّ مصداقيَّتَه، لا يكون البديل جاهزًا للوصول إلى الجميع.
هناك فجوة واضحة بين من يملكون الوعي النقديّ، ومن يملِكون أدوات التّأثير. فَهِم كثيرون أن السرديّات السائدة مضلِّلة أو ناقصة، لكنّهم لم يمتلكوا اللغة، أو الوسيط، أو القدرة على تَحويل هذا الفهم إلى تأثير عام.
الذّكاء الاصطناعي: أَداة غَير مُحايدة… لكنّها فَتَحَت ثَغرة
![]() |
|---|
في هذا السّياق، ظهر الذكاء الاصطناعي كعامل جديد في معادلة الإعلام والتأثير. وهو عامل لا يمكن التعامل معه بسذاجة أو تفاؤل أعمى.
ليست هذه الأدَوات مُحايدة. هي نتاج شركات كبرى، وبيئات بيانات غير متكافئة، وانحيازات مضمَرة. لكنّها، في الوقت نفسه، كسَرَت احتكارًا تاريخيًا للأدوات.
لأول مرة، أصبح بإمكان أفراد ومجموعات لم تكن تمتلك منصّات، أو ميزانيات، أو مؤسسات إعلامية، أن تُنتِج محتوى، وتحلّل خطابًا، وتخاطب جمهورًا يتجاوز حدودها الجغرافية.
لم يُلغِ الذكاء الاصطناعي موازين القوة، لكنه أحدث فيها خللًا. فتَحَ ثغرة صغيرة في جدار الهيمنة السرديّة، يمكن توسيعها أو إغلاقها، حسب وعي مَن يستخدمها.
من الإعلام إلى التّأثير: تحوّل القَواعد
لم يَعُد الإعلام اليوم مجرّد نَقْل للحدَث، بل ساحة لإدارة الانتباه. من ينجح ليس فَقط من يمتلك المعلومة، بل من يَعرف كيف يُقدّمها، ومتى، وبأيّ لغة، ولِمَن.
هنا تتغيّر قواعد التأثير. لم يَعُد الصّوت الأقوى هو بالضرورة صَوت المؤسسة الأكبر، بل أحيانًا صوت فرد قادر على توظيف الأدوات بذكاء، وصياغة سردّية متماسِكَة، ومخاطبة جمهور متنوّع بلغات مختلفة.
لا يعني هذا التحوّل أن الهيمَنَة انتهت، لكنّه يعني أنّها لم تعُد مُطْلقة. بات بالإمكان مواجهة روايات مضادة، وتفكيك خطاب مضلِّل، أو إبراز هوية كانت تُقصى أو تُشوَّه، بوسائل لم تكن متاحة سابقًا.
صِناعة القيادات في المَشهد الجديد
في هذا المناخ، يتغيّر أيضًا معنى القيادة. لم تعُد القيادة محصورة في الزعيم التقليدي أو المتحدّث الرسمي، بل بدأت تظهر أنماط جديدة من الفاعلين الإعلاميين والسردييّن.
القيادة اليوم قد تكون القدرة على:
فهم آليات الخطاب السائد.
تفكيك السرديّات المهيمنة دون الوقوع في الشعبوية المضادّة.
استخدام الأدوات الرقميّة لبناء وعي، لا لحصد تفاعل فقط.
هذه ليست قيادة شعبوية، ولا نخبوية مغلَقَة، بل قيادة معرفية-إعلامية، تقف في منطقة وسطى صعبة، لكنّها ضرورية.
فلسطين كَنَموذج مُضاعَف
في الحالة الفلسطينية، تتضاعف أهمية هذا التحوّل. شعب يعيش تحت ظُلم بنيوي، وسرديته محاصَرة تاريخيًا، يجد نفسه اليوم أَمام أدوات قادرة — ولو جزئيًا — على كَسر احتكار الرواية.
الذكاء الاصطناعي، رغم انحيازاته، أتاح إمكانيّات جديدة:
مخاطبة جمهور عالميّ بلغته.
تفكيك روايات مضلِّلة بسرعة أكبر.
إبراز الهوية والتاريخ خارج الفَلاتر التقليدية للإعلام الدولي.
هذا لا يعني أن المعركة متكافئة، لكنّه يعني أنها لم تَعُد محسومة سلفًا.
خاتمة: ما بَعد الصَّدمَة
نحن لا نعيش لحظة تحرّر إعلامي، ولا انهيارًا للهيمنة السرديّة، بل نعيش مرحلةً أخطر: مرحلة اهتزاز المَعنى.
في هذا الفراغ، يمكن للشعبويّة أن تُعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة، أكثر ذكاءً وأقلّ فَجاجة، ويمكن في الوقت نفسه أن يتوسّع وعي نقدي حقيقيّ — إن امتلك أدواته ولغته وشجاعته.
ليس الذكاء الاصطناعي حَكمًا في هذه المعركة، بل ساحة لها. قد يُستخدم لإعادة تَدوير التضليل، وقد يُستخدم لفَضحه. قد يَخدِم الأقوى، لكنّه للمرة الأولى يُتيح للضعيف أن يتكلّم بلغة يفهمها العالم.
السؤال العميق الذي يَبقى بعد هذا النصّ ليس تقنيًا ولا أخلاقيًا فقط، بل وجوديّ:
هل نمتلك ما يكفي من الوعي لنستخدم هذه الأدوات دون أن يُعاد تشكيلنا على صورتها؟
لأنّ أَخطَر أشكال الهيمنة، ليست تلك التي تُسكتك، بل تلك التي تجعَلُك تتحدّث بلُغتها… وأنت تظنّ أنك حرّ.

تامر منصور
مختص في الذكاء الاصطناعي والإنتاج الرَقمي، أسعى لفهم كيف يمكن للتكنولوجيا أن تغيّر حياتنا، وأبحث عن إجابات لمستقبل لم يأتِ بعد، محاولًا مساعدة الأطفال والمجتمعات على استكشافه بذكاء ليكونوا صُنّاعًا له، لا مجرّد مستهلكين.







