"فلسطين المصريّة" تَبدَأ مِنَ البَيت

منذ أوّل رصاصة أُطلقت في فلسطين، كان المواطن المصري حاضرًا. لم تكُن المسألة بالنسبة لمصر يومًا "ملفًا خارجيًا" يُناقش في القاعات المغلَقة، أو قضية من قضايا دوائر الأمن القومي المصري الملحّة، بل كانت قضية حقّ وعدالة وكرامة إنسانية، رفع رايتها الشعب المصري قبل القيادات دفاعًا عن الأرض والهوية والشّرف والمقدّسات الإسلامية والمسيحية والحقوق والتاريخ.

خُضنا سويًا، نحن المصريون والفلسطينيون، حروبًا دفعنا فيها ثمنًا غاليًا لأننا كنّا نؤمن أنّ أمن فلسطين من أمن مصر، ومصر هي فلسطين، ولم تكن للمصاهرة والهجرة المتبادلة بين البلدين وحدهما بُعد مؤثّر، ولا كانت الإدارة المصرية لغزة فقط دافعًا لأمر ما، كما يتصوّر البعض. القصة أعمَق من ذلك بكثير، ولا يمكن وصفها وفق الأمثلة الأخرى من القضايا والحروب الحدودية في أيّ صراعات حول العالم وفي حقب تاريخية مختلفة، وعلى الرغم من التأثير الكبير للبُعد الديني والهوية العربية على نحو يجعل من القضية حالة خاصة، فإن الأمر في تصوّري أعقد من أن يُحصر في هذه المعاني التقليدية.

لكن، حتى في أصعب أيّام الحصار والحصار المضاد والانتفاضات وحروب الإبادة، فتحت مصر أبوابها. استقبلت الجرحى، وعلّمت أبناء فلسطين في مدارسها وجامعاتها، واحتضنت قياداتهم. لم يكن هذا منّة، بل كان واجبًا، مع التأكيد على رفض فكرة التّهجير والوطن البديل، فلا يمكن أن يكون المصريون شركاء في مخططات نهاية فلسطين بأيّ شكل من الأشكال، مهما كانت الضغوط، وأيًا كان الحكام، فالمؤسّسات الوطنية العتيدة والشعب في مواجهة أيّ من هذه المخططات المفضوحة، وهذا نَفَسٌ مصري، برأيي الشخصي، لم ينجح "الإخوان" في الحفاظ عليه خلال حكمهم، فكان الشعب لهم بالمرصاد.

القيادة المصرية: موقف ثابت لا يتغيّر بتغيّر الظروف

لم يَخضع الموقف المصري يومًا لحسابات المصالح الضيّقة في قضية عميقة عمق الجذور في النّفسِ المصرية، بل ظلّ قائمًا على إيمان راسخ: "لا سلام حقيقياً إلا بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة".

هذا ما أكدته جمهورية مصر العربية في كلّ المحافل والحقب. رفضٌ قاطع لمحاولات التهجير، ورفضٌ لتصفية القضية، ورفضٌ لفرض حلول تنتقص من الحقوق. 

في الوقت نفسه، عملٌ دؤوب على المسار السياسي والدبلوماسي والإنساني. قوافل إغاثة تدخل عبر رفح، ووساطات أوقفت حروبًا، ومبادرات طرحتها مصر في الأمم المتحدة.. كلّها تقول شيئًا واحدًا: مصر لا تتخلّى، بل باقية مهما كانت التحديات التي تواجهها داخليًا وإقليميًا في كلّ الملفات ومن كلّ الجهات.

الشعب المصري: الذاكرة التي لا تُمحى

اسأل أيّ بيت مصري عن فلسطين وسيَحكي لك قصة من تضحية ومعاناة حقيقية تؤثّر فيه الآن، وفي كلّ الأجيال، وإلى أبَد الدهر. الجدّ الذي تطوع في 48. والأب الذي تبرّع براتبه لدعم الانتفاضة. والأم التي جمعت البطاطين والدواء لقوافل غزة. والطالب الذي نزَل الميدان حاملًا العلم الفلسطيني، والجندي الذي حارب حالمًا بتحرير سيناء وفلسطين معًا.

هذه ليست شعارات. هذه حياة يومية، فالمصري يتنفّس روح التحرير، ويفيض عشقًا غير مفتعَل لكلّ ما هو فلسطيني، مرتقبًا لحظة تحقيق الحلم. لأنّ المصري يعرف أن القضية الفلسطينية تستهدف الأرض والإنسان والهوية والتاريخ والدين، وحتى براجماتيًا، لم يقف الصهاينة عند حدود فلسطين التاريخية، الأمر الذي يعترف ويتباهى به قادتها، ويحرّض عليه حاخاماتهم طوال الوقت، بحجة استجلاب مسيحهم.

وتَفرض المفارَقة نفسها على أرض الواقع، حين نتذكّر، ونحن لا نَنسى أبدًا، أن تسعين عامًا مرّت على الثورة الفلسطينية الكبرى ضدّ الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية في فلسطين، في 1936، منذ أن حمل الفلاح الفلسطيني عصاه في وجه الانتداب، كان المصري بجواره. ليست القضية الفلسطينية سطرًا في المناهج وكتب السياسة عندنا، بل هي حكاية بيت، ودمعة أُم على شهيد دُفن بعيدًا عن أهله، تشهد على تضحية حقيقية.

في نيسان/ أبريل 1936 اشتعلت "الثورة العربية الكبرى" في فلسطين. ولم تقف مصر موقف المتفرّج. شعبيًا، خرجت مظاهرات القاهرة والإسكندرية تهتف "بالروح بالدم نفديك يا فلسطين". وجمعت النقابات والطلاب تبرّعات بالذهب والمجوهرات. نساءُ مصر خلعن حليّهن وقلن "هذا لأطفال القدس".

أمّا رسميًا، فقد فتحَت مصر أبوابها للاجئين. واستقبلت قيادات الثورة. وكانت الصحف المصرية هي المنبر الأوّل الذي نقل معاناة القرى الفلسطينية للعالم.

هنا بدأت القاعدة: مصر لا تساوِم على الحقّ. ومنها للنكبة، ففي 15 أيار/ مايو 1948 دخل الجيش المصري فلسطين. لم يكن احتلالًا، بل دفاعًا عن حقّ، وفي معركة "الفالوجة" حوصر اللواء المصري 42 يومًا. كان فيه ضباط صغار مثل جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وأنور السادات. أكلوا القمح المسلوق "البليلة غير المحلاة"، وشربوا من الآبار المالحة. ورفضوا الاستسلام. قال أحد الجنود لأهله في رسالة: "نموت هنا ولا نخذل القدس".

وسقطَ نحو 2000 شهيد مصري على أرض فلسطين. ودُفنوا هناك. حتى اليوم تَزور أمهات مصريات قبور أبنائهن في غزة، وهناك من هُم خارجها.

ومع العدوان الثلاثي 1956، كان الدّفاع عن غزة مثل سيناء وبورسعيد تمامًا، رغم أن الهدف كان كسر مصر لأنّها دعمت المقاومة الفلسطينية بخلاف قضيّة تأميم قناة السويس.

وعندما اجتاح الاحتلال غزة، فتحَت مصر معبر رفح لاستقبال الجرحى. وأقامت في العريش أكبر مستشفى ميداني لعلاج أهالي القطاع. وقال شيخ من رفح وقتها: "المصريّ دخل علينا بالبطانية قبل البندقية".

وبعد كارثة 5 حزيران/ يونيو 1967 ويوم الإثنين الأسود، واحتلال سيناء وغزة معًا. كان الشعب المصري رافضًا الهزيمة، وخرج المصريون في "مظاهرات 9 و10 حزيران/ يونيو" وخلال الهزيمة، لا ليطالبوا بعبد الناصر فقط، بل ليطالبوا بتحرير الأرض العربية كلها. وكان الهتاف الأكبر "بالدم بالروح نفديك يا فلسطين".

وخلال حرب الاستنزاف 1969-1970، كانت القناة جبهة، وغزة جبهة ثانية. تسلل الفدائيون المصريون لدعم المقاومة في القطاع. وقدّمت المخابرات المصرية السلاح والتدريب، وكانت غزة واحدة من النقاط التي كبدت الاحتلال الكثير بالتعاون بين المصريين والفلسطينيين.

مع عبور القناة في أكتوبر 73، كنّا ذاهبين لتحرير سيناء وفلسطين، وكان الهدف الأكبر إعادة الاعتبار للقضية، وقال الزعيم المحرر الشهيد السادات في الأمم المتحدة: "لا سلام منفرد. السلام يجب أن يشمل الشعب الفلسطيني".

وبعد الحرب، كانت مصر أوّل من فتحت قنوات مع الفلسطينيين رسميًا، واحتضنت منظمة التحرير في القاهرة، وكان الحلم المصري تحرير القدس مثل تحرير سيناء، لولا قراءات مختلفة وأجندات متقاطعة تورّط فيها البعض، وفي النهاية خدمت المحصلةُ الإسرائيليين، وأحبطت خطة مصر غير المسبوقة منذ بداية الصراع، للتحرير وإقامة الدولة الفلسطينية، وأثر ذلك في العلاقة بين بعض المصريين والفلسطينيين لفترة ما، بشكل لا يمكن التهرّب منه.

مع حقبة الانتفاضات، من الأولى في 1987، وحتى الثانية، تبرعّ المصريون بدمائهم في المستشفيات. وخرج الأزهر بفتوى: "دعم الانتفاضة بالمال والكلمة جهاد". وأرسلت مصر أوّل قافلة طبية لكسر الحصار. ومع الانتفاضة الثانية في 2000، وقف شيخ الأزهر وخطباء مصر في صلوات الجمعة يهتفون لدم محمد الدرة، "هذا دم كلّ العرب". وجمعت مصر 100 مليون جنيه في أسبوع لصالح أسر الشهداء.

مع توالى حروب غزة من 2008 - 2014 - 2021 وحتى حرب إبادة ما بعد أحداث 7 أكتوبر، كانت مصر قيادة وشعبًا في غرفة العمليات. هدنةٌ تلو الأخرى عُقدت في القاهرة. 

في 2014، استقبلت مستشفيات مصر 800 جريح فلسطيني. طبيب مصري في العريش قال: "كنا نعالج ونبكي. هؤلاء أهلنا". وفي كلّ مرة، كان الهلال الأحمر المصري أول من يُدخل المساعدات، وآخر من يَخرج.

 إلى المستقبل، حلمنا الذي لن نتنازل عنه، مصريون قبل الفلسطينيين 

في مقابر الشهداء المصريين في غزة مكتوب: "هنا نام من أجل القدس"، وفي بيوت اللاجئين الفلسطينيين في القاهرة مكتوب: "مصر هي البيت الثاني".

تتعرّض القضية اليوم لأخطر التحدّيات؛ محاولاتُ فرض أمر واقع بالقوة، وتهجيرٌ وضم واستيطان. لكن التاريخ يعلّمنا درسًا واحدًا: الباطل مهما طال لا يدوم. لكن القاعدة الأكثر رسوخًا، لا يضيع حق وراءه مطالب، وهذا المُطالب الذي يُباد بأقذر الحروب الوحشية وأكثرها دموية، في حاجة دائمة لأخوته، ومصر تقدّم أكبر مثال في هذا الأمر بشهادة الجميع.

مصر ماضية في طريقها. طريق السلام العادل الذي يقوم على احترام الإنسان وردّ الحقوق إلى أصحابها. طريق إنهاء الاحتلال، وضمان تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة ذات السيادة الكاملة، وعاصمتها القدس الشريف، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية، لن نكلّ، ولن نملّ، والدّم المصري الذي اختلط بتراب فلسطين في 48 و56 و67 و73 هو العهد. والعهد لا يُنكث.

فالقدس ليست مجرّد مدينة. القدس هي خطّ المواجهة ومفتاح السلام العادل والدائم. ومن أجلها بدأنا النضال.. ومن أجلها سنواصل حتى يرفع العلم الفلسطيني خفاقًا فوق أسوارها.

ليست القضية الفلسطينية قضية جغرافيا وتاريخ. بل هي قضية ضمير وحياة، وما دام في مصر قلب ينبض، وفي الشعب المصري ذاكرة لا تَنسى.. فالحلم قادم. حلم الدولة، وحلم التحرير، وحلم أن نصلي جميعًا في الأقصى وكنسية بيت لحم، أحرارًا، من القاهرة، هنا القدس المحرّرة.

د. إسلام كمال

خبير مصري في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية.

رأيك يهمنا