"هذا أَوصِلوه إلى فِلسطين" تَأمّلات في عَلاقة فِلسطين بالوُجدان العربي وتَحوّلاتِه

"هذا أَوصِلوه إلى فلسطين".
ليست هذه عبارة قرأتُها في كتاب، ولا اقتبستُها من خِطاب سياسي، بل قالها لي رجل لبناني بَسيط قبل سنوات، وما زالت تَسكُنني حتى اليوم.
كنتُ آنذاك أُرافق وفدًا يضم ثلاثين طفلًا من أبناء الأسرى الفلسطينيين في زيارة إلى لبنان، وبينما كانت الحافِلة التي تقلّنا تَجوب شوارع مدينة صور، سأَل أحدُ المارّة عن هويّة الأطفال، وحين عَلم أنهم أبناء أسرى فلسطينيين، لم يكتفِ بالمشاهَدة، بل لحِق بنا حتى الفندق الذي نُقيم فيه، طَلَب أن يقابِل المسؤول عن الوفد، دلّوه عليّ، أَخرَج من جيبه مبلغًا متواضعًا، وبدا واضحًا أنّ الرجل لا يملك الكثير، ثم وَضَعَه في يدي وقال: “هذا أَوصلوه إلى فلسطين.”
حاولتُ أن أُعيد إليه المبلغ، وقلت له: اعتبِره قد وصل، حاوَل أن يُعيده إلى يدي مرّة أخرى، لكنّني تمسّكت بموقفي حتى قَبِله أخيرًا، لَم أَصل يومها إلى فلسطين وأنا أحمل مالَه، لكنّني عُدت أحمل شيئًا أثمن بكثير؛ جملةً بقيت ترافقني كلّما فكّرت في معنى فلسطين بالنسبة للعرب.
منذ ذلك اليوم، كلّما سمعت سؤالًا من قَبيل: ماذا تَعني فلسطين للعالم العربي؟ أجدُ نفسي أعود إلى ذلك الرجل، لأنّه ببساطة، لم يكن يتحدّث عن دولة يَعرفها عن قرب، ولا عن قضية تخصّ شعبًا آخر، بل كان يتصرّف كما لو أن شيئًا من ذاته يَسكن هناك، في فلسطين.
وهنا، ربّما تبدأ الإجابة…
فلسطين لم تكن يومًا، في الوعي العربي، مجرّد قضية تَضامن، كانت جزءًا من تَعريف العربي لنفسه، لم تكن أرضًا محتلة فقط، بل فكرة تختَبر مَعنى الحرية والكرامة والعدل. لذلك، لم يكن حضورها في الوجدان العربي قائمًا على حسابات السياسة، بل على شعور أعمَق من السياسة نفسها، لهذا السبب، لم يكن مستغرَبًا أن تُبذَل، على مدى سنوات طويلة، محاولات حثيثة لإعادَة تَشكيل صورة فلسطين في العقل العربي، لم تَكن المعركة على الأرض وحدَها، بل على الوعي أيضًا، فالأرض يمكن أن تُحتل بالقوة، أمّا الوعي فلا يُحتل إلا إذا اقتنع صاحبه بأن الضحيّة أصبحت هي المشكلة.
شَهدِت المنطقة تحوّلات سياسية كبرى، وتبدّلت التحالفات، وتغيّرت الأولويات، ورافق ذلك خطابٌ إعلامي ورقمي حاول أن يُعيد تَعريف الفلسطيني، لا بوصفه صاحب حقّ، بل باعتباره عبئًا أو سببًا دائمًا للأزمات.
مَع مرور الوقت، بدأت بعض الأصوات تردّد هذه الصورة، حتى بدا كأنّ المَطلوب من الفلسطيني أن يبرّر وجودَه، وأن يُدافِع عن حّقه في أن يكون ضحيّة.
لكن ما بدا نجاحًا في الخطاب، لم يكن بالضرورة نجاحًا في الوجدان، ثم جاءت حرب الإبادة على غزة، فأعادَت ترتيب المشهد كلّه، لم تعُد فلسطين إلى صَدارة الأخبار فقط، بل عادَت إلى ضمير العالَم، خرجت الملايين في العواصم المختلفة، وارتفعت الأصوات في الجامعات والشوارع، لا لأنّ الفلسطينيين أصبحوا أقدَرَ على شرح قضيّتهم، بل لأنّ حجم المأساة أعادَ تعريفها أمام العالَم بوصفها قضية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون قضية سياسية، وكان لهذا المَشهد أثرُه داخل العالم العربي أيضًا.
وَجَدت بعض الأصوات التي كانت قد انساَقت، خلال السنوات السابقة، وراء خطاب النّفور من الفلسطيني نفسها أمام مراجَعة صعبة، كيف يمكن للعالَم، بكلّ هذا البُعد الجغرافي والثقافي، أن يَرى في فلسطين قضيّة حرّية، بينما يصرّ بَعض من تجمعهم بالفلسطيني اللغة والتاريخ والهوية على النظر إليها بعين مختلفة.
لم يكن هذا التحوّل وليد حرب الإبادة وحدها، فقد سبقته إشارات كانت تؤكّد أن فلسطين لَم تغادِر وجدان الشعوب العربية، حتى وإن غابت أحيانًا عن بعض الخطابات الرسميّة، ولعل ما شهدناه خلال كأس العالَم كان أحد أبرز تلك الإشارات؛ إذ لم يكن حضور العلَم الفلسطيني في المدرّجات مجرّد مشهد عابر، بل تعبيرًا تلقائيًا عن وعي جَمعي ظلّ يرى في فلسطين جزءًا من هويته، كما لفَتَت مواقف عدد من الرياضيين العرب الأنظار، من بينهم المدير الفني للمنتخَب المصري، الذي لم يتردّد في التّعبير عن دعمه القضيةَ الفلسطينية رغم ما تعرّض له من انتقادات، في مشهد أكّد أن الانحياز لفلسطين لم يكن موقفًا سياسيًا بقدر ما كان موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا.
هنا يَظهَر الفَرق بين التّعاطف والانتماء.
قد يتعاطَف الإنسان مع قضية لأنّه يرى فيها ظلمًا، لكن الانتماء شيء آخَر، الانتماء هو أن يَشعر أن خسارة تلك القضية تُنقص شيئًا منه هو أيضًا، وهذا ما مثّلته فلسطين في الوعي العربي لعقود طويلة، لم تكن قضيةّ خارجية، بل كانت جزءًا من الإجابة عن سؤال: من نحن؟
لذلك، فإن السؤال الذي يَشغلني اليوم لم يعُد: ماذا تَعني فلسطين للعرب؟ بل: ماذا تَكشِف فلسطين عن العرب؟
فكلّما تبدّلت المواقف تجاهها، لم تكن فلسطين هي التي تَنكَشف، بل نحن الذين تَنكَشف قدرتُنا على التمسّك بقيم العدالة عندما تُصبح مُكلِفة، وقُدرتنا على التّمييز بين السياسة والأخلاق، والمصالِح العابرة والمَعاني التي تَصنَع هويّة الأمم. قد تتغيّر التحالفات، وتتبدّل الخرائط، وتَختلف الحسابات، لكن هناك حقائق لا تَعيش في البيانات الرسميّة، بل في ضمير الناس.
لهذا أَعود، كلّما فكرت في فلسطين، إلى ذلك الرجل الذي لم أَعرف اسمه، ولم ألتقه مرّة أخرى.
رفضتُ أن آخذ ماله، لكنّه تَرَك بين يديّ ما هو أثمَن من المال، تَرَك سؤالًا ظلّ يُرافقني حتى اليوم: كيف استطاعَت فلسطين أن تَجعل رجلًا بسيطًا، لا يَملك الكثير، يَشعر أنّ عليه واجبًا تجاهها؟
ربما لأنّ فلسطين، في النهاية، ليست مجرّد أرض يدافِع عنها الفلسطينيون، ولا مجرّد قضية يتعاطَف معها العرب، بل مرآة يرى كلّ منّا فيها نفسه.
لهذا، ربما لا تَكشف فلسطين عن نفسها بقَدر ما تَكشف عنّا نحن.

أنس الأسطة
ناشط وباحث في الشأن العام، رئيس مجلس إدارة مؤسسة قامات لتوثيق النضال الفلسطيني، ورئيس تحالف المؤسسات الشبابية الفلسطينية.



