فلسطين: "الرّمزُ" يتجاوَز جغرافيّة القضيّة

في الجدَل الدائر حول السابع من أكتوبر، ما له وما عليه، يساجلُ فلسطينيون، ومن ضمنهم كاتب هذه السطور، بأنّ مكتسبات الفلسطينيين التي ستظهّر على المديين المتوسط والبعيد، تفوق من حيث أهميتها الاستراتيجية، ما حقّقه أعداؤهم على المدى الفوري والمباشر من تقتيل وتدمير طال البشر والشجر والحجر، وأنّ من يضحك أخيرًا في هذا الصراع الممتد لعقود وأجيال، هو من سيضحك كثيرًا، برغم ثقلِ "الفاتورة" التي تعيّن على الفلسطينيين دفعُها من دماء نسائهم ورجالهم وشيوخهم وأطفالهم.
سقوطُ السردية الصهيونية، وانكشاف أكذوبة "واحة الديمقراطية في صحراء الشرق الأوسط القاحلة"، وتهافت الرواية المؤسّسة للخطاب الدعائي الإسرائيلي، القائمة على فكرة "القيم المشترَكة" التي تجمع إسرائيل بالغرب، مقابل نجاح الرواية والصورة الفلسطينيتين، في شقّ طريقهما نحو شرائح تزداد اتساعًا من الرأي العام الإقليمي والدولي، كلّ ذلك سيُدخل هذا الصراع، الممتد في الماضي والمتطاوِل نحو المستقبل، في مرحلة استراتيجية جديدة، ولا سيما حين ينتقل جيل الشباب الأكثر تحررًا من قيود الابتزاز الإسرائيلي، إلى مواقع صنع القَرار وتشكيل الرأي العام في دولهم ومجتمعاتهم.. كلّ من له صلة بالغرب، دارسًا كان أم زائرًا، يستطيع أن يرصد حجم "الانقلابات في المشهد"، وليس في هذه العجالة متّسَع لمزيد من الشرح والتفصيل.
ذلكم ليس تفصيلًا حين يتعلّق الأمر بصراع الفلسطينيين من أجل استرداد حقوقهم الوطنية المشروعة، وتزداد أهميته في نظر من يعتقدون بأن هذا الصراع لن يضع أوزاره في سنوات أو حتى عقود قليلة قادمة، وأنّ فكرة الحلّ النهائي، بدولة أو دولتين، ليست أكثر من خيط دخان وتجارة أوهام.
بعد سنوات ثلاث من الصّمود الباسل في مواجهة حرب الإبادة والتطهير والتهجير، يبثُّ الفلسطينيون للعالم بأَسرِه، صورتين معًا، لا يمكن فهم المشهد بإمعان النظر في واحدة منها دون الأخرى: صورة الكارثة التي حلّت بهم على يد عدو فاشي-عنصري، وصورة البطولة في مواجهة مسلسل الترويع والتجويع والتطويق، وتدمير كلّ سبل الحياة، بالذات في غزة، من دون أن نغفل عمّا يجري في القدس والضفة الغربية.
هما صورتان ملهمتان، تُقرآن معًا.. المهزومون لا يستوقفُهم سوى عدّاد الخسائر، ليس لإنسانية فائضة لديهم، تُميّزهم عن مجادليهم، لكن لتسويق خطابهم الانهزامي وتسويغه.. فيما أصحاب "الجملة الثورية" يربؤون بأنفسهم عن إمعان النظر في صور الكارثة، لا لفُرط في "ثوريتهم"، تُميّزهم عن أخصامهم، بل لخلل إنساني بنيوي، معطوفٍ على سذاجَة وتسطيح معرفي.
لولا البطولة والثبات، لما احترم العالَم الفلسطينيين، ولما تعاظمت القناعة لديه، بأن لا حلّ ممكن بالقفز من فوق الفلسطينيين وحقوقهم وقضيتهم، هذه فرضيّة باتت وراء ظهورنا.. ولولا الكارثة المبثوثة على الهواء مباشرة، لما تكشّف "الوحش المختبئ في زيّ الحَمَل"، ولما انفضحَت الطبيعة الفاشية – العنصرية، لكيان الإبادة والتطهير والتهجير.
بهذا المعنى، تكتسب فلسطين معنًى جديدًا في المخيالَين العربي والعالمي.. يمكن البناء عليه تأسيسًا لحقبة جديدة في كفاح الفلسطينيين، يكتسبون فيها حلفاء جددًا، ويكتشفون أدوات كفاحية جديدة، ربما تكون أكثر جدوى وفاعلية.
عربيًا، وبعد تعثّر قطار التطبيع مع إسرائيل، وانقسام المواقف الرسمية العربية من الكارثة بين مراقب وعاجز ومتواطئ، ومع اتضاح حقيقة أن النّهم الإسرائيلي للهيمنة والتوسّع لا يتوقّف عند الجغرافيا الفلسطينية، ولا حتى على "جغرافيا الطوق"، أخذَت تتولّد قناعات وحقائق جديدة يتعين على الفلسطينيين البناء عليها، أهمها اثنتان:
أولًا؛ بالنسبة لبعض الدول العربية، تنتقل إسرائيل من كونها "حليفًا محتملًا" إلى "تهديد قائم"، ولا سيما بعد عدوانها على الدوحة، ومحاولات توريط دول عدة في حرب ليست حربها على إيران، دَع عنك طوفان الخرائط التوسّعية التي دخلت البازار الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، والتي تقترح ضم أجزاء من العراق والسعودية إلى "المملكة".. هذا ليس تفصيلًا في حسابات السياسة، لكنّه تطور مهم، يبحث عمّن يستثمره من الفلسطينيين.
ثانيًا؛ بالنسبة لبعض الشعوب العربية، وربّما جميعها، بَدت علاقات حكوماتهم وتحالفاتها مع إسرائيل، تحت قيادة يمينها الأكثر تطرفًا، ضربًا من تهديد المصالح الوطنية لدولهم ومجتمعاتهم، وتهديدًا لمستقبلها وأشواقها للحرية والديموقراطية والازدهار.. هذا يُملي، تطوير مقاربة فلسطينية جديدة، تقوم على فكرة أنّ رفضَ التطبيع ليس انتصارًا لشعب شقيق فحسب، مع أنه انتصار واجب، بل دفاع عن الذات والمستقبل والحقوق والكرامة والسيادة والاستقلال.
هي معركة واحدة يخوضها الفلسطيني، إلى جانب شقيقه العربي نصرة لفلسطين وانتصارًا لمستقبل شعوب هذه المنطقة، وهي معركة تختلف أدواتها وتحالفاتها وشعاراتها، من دولة عربية إلى أُخرى، فليس الجميع في سلّة واحدة، وليس من الحكمة وضعُهم كرزمة فيها.
عالميًا: باتت فلسطين، وغزة على نحو خاص، رمزًا وأيقونة لمقاومة الفاشية المتفشيّة في إسرائيل، دولة ومجتمعًا، والفاشية تُطلّ برأسها البشع على العديد من المجتمعات الديمقراطية في العالم.. فلسطين باتت رمزًا لمقاومة الأبارتهيد، والتمييز العنصري آفة تضرب هذه المجتمعات، وتشكّل سياسات بعضٍ من حكوماتها، تجاه "الآخر" في العرق واللون، وبالذات المهاجرين الجدد واللاجئين الأجانب، ولا سيما بعد الصعود اللافت لليمين القومي، الشعبوي، ونجاحه في الحصول على حصة وازنة من الرأي العام.
بات كفاح الفلسطينيين ضد اليمين الأكثر تطرفًا، ونظام الأبارتهيد، جزءًا من حركة كونية، ضدّ التطرف الديني والقومي، وخطاب الكراهية والعداء للأجانب، ضد يمين شعبوي مدجّج بالإيديولوجيا والأسلحة الفتاكة، ما هو "ناعم" منها وما هو "خشن".. كفاح الفلسطينيين من أجل كنس الاحتلال وتقرير المصير، يذكّر البشرية جمعاء بمرحلة "تصفية الاستعمار" التي وإن كانت شكلًا قد أنجزت أهدافها، فإن الاستعمار ما زال جاثمًا على صدور دول وشعوب، تجدُ في كفاح الفلسطينيين قدوة ومحفزًا.
بهذا المعنى، تأخذ فلسطين معنًى جديدًا بوصفها رمزًا لكفاح عالمي، عابر لحدود الدول والقارات، يتجلّى بمظاهر عدة، من ملاعب كرة القدم، إلى ساحات التظاهر والاعتصام، ويتسلّل من الجامعات المرموقة التي تخرج النخب الحاكمة والمتحكمة، إلى فئات وشرائح قد لا تعجبنا أفكارها وأنماط سلوكها، لاختلاف في السياق الحضاري، ولكنها فئات وشرائح داعمة ومؤثرة.
وتجذب هذه الحركة العالمية مؤيدين كثرًا، لم نكن نحسب أن أعدادهم ستتزايد على هذا النحو، وأشير هنا بشكل خاص، إلى جيل من الشباب اليهود، متدينين وعلمانيين، إضافة إلى شرائح من الإنجيليين، أظهروا تعاطفًا مع فلسطين وانتصارًا لكفاح شعبها وصمودها.
تعطي فلسطين الحرب على التطبيع معنًى جديدًا بوصفه بندًا على جدول أعمال التحول الديمقراطي والتنمية واستكمال الاستقلال في بلداننا وشعوبنا، وهي تختصر شعارات وأهداف حركة مقاومة عالمية، مناهضة للفاشية واليمين الشعبوبي والإسلاموفوبيا والعداء للأجانب.. وإذ كان جيل الشباب من فلسطينيي الشتات والمهاجر القريبة والبعيدة، يبدو منخرطًا بكثافة في صياغة هذه التحوّلات، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أين هي المؤسسة الرسمية الفلسطينية من كلّ هذه التحولات، وما هي استراتيجيتها لقطف ثمارها وضمان ديمومتها وحفظ زخمها؟




