فلسطين.. مِن قَضيّة العَرَب إلى قَضيّة البَشريّة جَمعاء

ستَخرُج أيّ متابعة لمسارات المواقف العربية من القضية الفلسطينية على امتداد العقود الماضية بحصيلةٍ صادمةٍ من المَشاهد المتناقضة والمتنافرة، وهو ما ينطبق على الحكومات ومُكوّنات النظم الرسمية العربية في كلّ بلد، كما على مؤسسات العمل المشتَرك، والشعوب والنُخب السياسية والثقافية ومجالات تعبيرها في الثقافة والفنون والإعلام وحركة الشارع. 

فبعد عقود من سيطرة الشعارات التعبويّة الرنّانة حولَ مركزية القضية الفلسطينية في قرارات القمم العربية، والبيانات المشترَكة بين الدول، والخطاب الرسميّ ووسائل الإعلام ومؤسّسات التعليم، كما في الأغاني والأناشيد، والتّعبيرات الشعبية العفوية، وصولًا إلى مظاهر التضامن والدعم والتطوّع في صفوف الثورة الفلسطينية، سادت حالة من الانكفاء والتراجع، انشغلت خلالها الدول القُطرية العربية بقضاياها الخاصة، إلى درجَة الانقلاب على القضية الفلسطينية وأصحابها تحت شعار "فلسطين ليست قضيّتي"، وأنّ الشعوب العربية "تعبت من الحروب التي أهدَرت مواردها وأرواح شبابها"، وهي شعارات جرى ترويجها من الدّوائر الحاكمة في مرحلة عقد اتفاقيات السلام الإبراهيمي، وهي ذاتها التي يَجري ترويجها الآن على المستوى الشعبيّ في سوريا ولبنان لتبرير الاندفاع نحو التّطبيع. 

لعلّ الصورة الأكثر تعبيرًا عن هذا التناقض تتمثّل في الفارق بين المظاهرات المليونية للتّضامن مع فلسطين التي هزّت شوارع عواصم العالم العربي ومدنه خلال الانتفاضتين الأولى والثانية وعبر عديد المحطات المفصلية التي شهدتها القضية الفلسطينية، وبين حالة المَوات والرّكود واللامبالاة التي سيطرت على المدن والعواصم العربية عينها خلال حرب الإبادة التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني ولا يزال. وتكفي الإشارة إلى أنّ مئات آلاف الطلاب تحرّكوا تضامنًا مع فلسطين ورفضًا لسياسات الاحتلال الإسرائيلي في مئات الجامعات الأوروبية والأميركية، بينما لم نسمع عن عُشرَ هذا القدر من التضامن في أيّ جامعة عربية. ولكن مهلًا! تكفي حادثة رمزية واحدة كتلك الحركة التي قام بها مدرّب المنتخب المصري حسام حسن برفع علم فلسطين – ومثلها حركة اللاعب الإسباني ذي الأصول المغربية لامين يامال- عقب انتصار فريقه لتوقظ ماردًا لم يمُت ولم يخمد أبدًا، ولكنّه ربما كان بحاجة لمحفّز خارجي.

يمكن أن نَختصر الموضوع فنردّد العبارة المريحة وهي أنّ مواقف الأنظمة مغايرة لمواقف الشعوب، فالأنظمة تتصرّف وفق مصالح حكّامها وحساباتهم الضيقة، بينما تحتكم الشعوب لمشاعرها وعواطفها، لكنّ الواقع أعقد من هذه المعادلة التبسيطية، فهو واقع متحرّك يتأثّر بعديد عوامل الشدّ والجَذب.

هي إذن حالة من المدّ والجزر في المواقف الرسمية والشعبية تغذّيها مصالح وقوى متنفذة، وحسابات إقليمية ودولية. ويمكن لنا أن نعدّد بعض الأسباب الموضوعية التي تؤثّر في مواقف الشعوب والأنظمة العربية من قضية فلسطين، فمن بين العوامل السلبية المثبِطة لفعاليات التضامن مع فلسطين:

  • فشل تجارب الأنظمة القومية والوطنية العربية في مجالات التنمية والحرّيات العامة والاستقلال الحقيقي عن الاستعمار، وانحدار عديد الدول العربية إلى مصاف الدول الفاشلة، وانزلاقها إلى حروب أهلية دمّرت مقدّراتها وعطّلت فعالياتها وتأثيرها الإقليمي.

  • غَلَبة الهموم المعيشية المباشرة كمطاردة لقمة العيش والأمن الشخصي، على اهتمامات المواطن العربي، وتهميش اهتماماته القومية والأممية.

  • تفشّي مظاهر القمع والاستبداد، ومصادرة الحريات العامة بما فيها حرية التعبير والتظاهر الأمر الذي يحدّ من قدرة الفعاليات الشعبية على التعبير عن رأيها ومواقفها.

  • مشكلات الأداء الفلسطيني والانقسام، والنّموذج السلطوي البائس الذي قدّمه الفلسطينيون، والذي لا يختلف كثيرًا عن نماذج الأنظمة العربية في مجالات الاستبداد والفساد والحكم الفردي.

لكن في المقابل لعبت عوامل عديدة لصالح إبقاء جذوة القضية الفلسطينية حيّة ومتوقّدة وحاضرة في وعي عشرات ملايين العرب، ومن بينها:

  • الطبيعة الخاصة للقضية الفلسطينية بوصفها قضية عادلة ومرتبطة بحقوق ملايين البشر، إلى جانب العوامل الدينية والثقافية التي تُبقي لفلسطين مكانة خاصة في وعي مئات ملايين البشر على امتداد العالم.

  • استمرار النضال الفلسطيني من دون توقّف، وتقديم نماذج بطولية فردية وجماعية في الصمود والإصرار على مواصلة الكفاح مهما بلغت الكُلف والتّضحيات.

  • استشراء النزعات العدوانية والأطماع التوسّعية الإسرائيلية لتشمل عددًا من البلاد العربية المحيطة بفلسطين المحتلة. فإفصاح عدد من قادة إسرائيل عن أحلامهم التوسّعية بـ"أرض إسرائيل الكبرى" ليس مجرّد هلوسات لفئات هامشية من المتطرفين، بل هو برنامج عمل لقوى سياسية إسرائيلية تشارك في الحكومة، الأمر المقترن بدرجة غير مسبوقة من التوحّش الإسرائيلي، واقتراف كلّ أشكال جرائم الحرب وجريمة الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.

  • التعاطف العالمي الواسع وغير المسبوق مع الفلسطينيين، وتحوُّل "فلسطين" إلى رمز لقضايا الحرية والعدالة لدى قطاعات متزايدة من القوى المجتمعية والأجيال الشابة في معظم دول العالم وقاراته، وبخاصة في الولايات المتحدة ودول الغرب عمومًا.

  • تأثيرات وسائل الإعلام الجديد، والتحوّلات الهائلة في مجالات المعرفة والمعلومات، والتي بموجبها بات الإنسان الفرد متحرّرًا إلى حدّ كبير من سطوة وسائل الإعلام التقليدية ومالكيها. 

تملك القضية الفلسطينية مقوّمات تجعلها قادرة على استقطاب شتى أشكال الدّعم والإسناد، لكن هذا الدعم لن يكون تلقائيًا وثابتًا، فهو يخضع لتقلبات الحالة السياسية في فلسطين وفي كلّ بلد متضامن على حدة. وقد ثبت أن الاتكاء على المشاعر الوطنية والقومية والدينية وحدها لن يضمن استمرار هذا الدعم وتحوّله إلى عامل مؤثّر في موازين الصراع. لذلك لا بدّ من إعادة تأسيس العلاقة بين فلسطين والعالم – بما فيه العالم العربي والإسلامي- على قواعد إنسانية، أبرزُها مبادئ وقيم الحرية والعدالة وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وتطوير الخطاب الفلسطيني وأدوات الاتصال بين الشعب الفلسطيني وأدوات دبلوماسيته الرسمية والشعبية من جهة، وبين مختلف القوى العالمية المؤثرة، بما يشمل الحكومات والأحزاب والنقابات والحركات الاجتماعية، على نحو يمكّن من استدامة فعاليات التّضامن وتثميرها بدل كونها هبّات موسميّة متقطّعة.

نهاد أبو غوش

كاتب فلسطيني من القدس.

رأيك يهمنا