كأنّها قِطعَةٌ منّا فلسطين وسيكولوجيّة العَجزِ العَرَبي

تقدّم هذه المقالة قراءة نفسية تأملية في معنى فلسطين لدى كثير من العرب، وفي المشاعر التي يولّدها الانتماء إلى قضية نحبّها بينما نعجز عن حمايتها. وهي لا تدّعي تفسير مشاعر الجميع، ولا تختزل قضية سياسية وتاريخية معقَّدة في بعدها النفسي، بل تحاول الاقتراب من تجربة إنسانية تنشأ عند التقاء الحُبّ بالعجز، والانتماء بالفقد.
ثمّة نوع من الألم يشبه أن تَسمع ابنك يناديك من غرفة مغلقة، بينما تقف عاجزًا خلف الباب.
تسمع صوته، وتتخيّل خوفه، وتعرف أنه ينتظر منك أن تصل إليه. تمدّ يدك، تبحث عن منفذ، وتستدعي كلّ ما تعرفه عن الحماية، لكن الباب يبقى مغلقًا. في تلك اللحظة، لا يؤلمك ما يحدث له وحده، بل يؤلمك أيضًا سقوط شيء في داخلك: صورتك عن نفسك بوصفك الشخص الذي كان ينبغي أن يحمي، ولم يستطع.
لعلّ فلسطين تحتل موضعًا قريبًا من ذلك في وجدان كثير من العرب: موضع الشيء القريب إلى حدّ القرابة، والبعيد إلى حدّ العجز. نشعر أنها منّا، لكن أيدينا لا تبلغها؛ نحملها في اللغة والذاكرة والوجدان، بينما نقف أمام ما يصيبها بقدرةٍ محدودة لا تتناسب مع حجم الانتماء.
وهنا تحديدًا يبدأ الألم النفسي: عندما يكون الحُبّ أكبر من القدرة
فلسطين، بالنسبة إلى كثيرين، ليست أرضًا تقع خارج حدودهم، ولا قضيّة يتضامنون معها من مسافة آمنة. إنّها معنًى تكوّن في داخلهم قبل أن يستطيعوا تعريفه. عرفوها في حكايات الأجداد، وصور البيوت القديمة، والمفاتيح التي بقيت بعد أن غابت الأبواب، وأسماء القرى التي توارثتها الذاكرة بعدما مُحيت من الخرائط. عرفوها في الأغاني، ووجوه الأمهات، وصورة طفل يقف أمام ركام بيت كان حتى الأمس عالَمه كلّه.
فالإنسان لا ينتمي فقط إلى الأماكن التي عاش فيها، بل قد ينتمي أيضًا إلى الأماكن التي حملَت جزءًا من معناه. والهوية ليست سجلًا لما رأيناه بأعيننا وحدها؛ إنها أيضًا ما ورثناه من الذاكرة، ودخل لغتنا ووعينا، وتعلّمنا أن نراه امتدادًا لكرامتنا وحكايتنا الجماعية. لهذا قد يَشعر الإنسان أن مدينة لم يزُرها أقرب إليه من مدن عبر شوارعها عشرات المرات. ليست الجغرافيا وحدها ما يحدّد المسافة بيننا وبين الأشياء، بل المعنى الذي اكتسبته في عالَمنا الداخلي. وحين يصبح المكان جزءًا من الذات، لا يعود الاعتداء عليه حدثًا يقع خارجنا تمامًا، بل يصبح إصابة تطال شيئًا في داخلنا. وربما لهذا تؤلم فلسطين كثيرًا من العرب كما لو أنّها قطعة منهم.
لكنّ هذا القرب النفسي يصطدم، مرّة بعد أخرى، بتجربة العجز. والعجز ليس مجرّد غياب القدرة على الفعل؛ إنه خبرة تهزّ علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم. فحين يرى المرء ظلمًا واضحًا ولا يستطيع منعه، لا يسأل فقط: لماذا يحدث هذا؟ بل يبدأ، ولو بصمت، في سؤال نفسه: أين أنا مما يحدُث؟ ماذا فعلت؟ وهل ما أفعله كافٍ؟
هنا تَظهر إحدى السّمات الأشدّ قسوة في سيكولوجية المقهور: أنّ القهر لا يكتفي بإيلام الإنسان، بل يضعُه في صراع مع نفسه. يغضب، لكنّه لا يجد مسارًا يبلغ من خلاله مصدر غضبه. يريد أن يفعل شيئًا، لكنّه يشعر بأن أفعاله أصغر من الكارثة. يتابِع الأخبار لأنه يخشى أن يكون إغلاق الشاشة نوعًا من التخلّي، ثم يهرب منها لأنّ النفس لم تعُد تحتمل المزيد. يحاول مواصلة حياته، لكنّه يشعر بالخجل من قدرته على مواصلتها؛ وكأنّ الطعام في فمه، أو الضحكة التي أفلتت منه، أو النوم الذي غلبه، خيانة لأولئك الذين حُرموا أبسط شروط الحياة.
إنّها حالة نفسية متناقضة: أن تشعر بأنّ عليك أن تبقى شاهدًا، بينما يهدّدك ما تشهدُه بالانهيار.
ومع استمرار العجز، قد تلجأ النفس إلى الإنكار، أو التبلّد، أو التجنّب، أو السخرية السوداء، أو الغضب المتواصل. وقد يرتدّ الغضب إلى الداخل في صورة لوم للذات، أو يتّجه نحو أشخاص قريبين لا يمثّلون السبب الحقيقي للألم. ولا يعني التبلّد دائمًا أن الإنسان لم يعُد يكترث؛ فقد يكون آخرَ ما تملكُه النفس كي لا تغرق، حين تتكرّر المشاهد المفجعة بما يفوق قدرتها على الاستيعاب.
لكنّ المقهور قد يخاف حتى من تبلّده. يخشى أن يكون قد اعتاد، وأن يكون ما هزّه بالأمس قد أصبح خبرًا عابرًا اليوم. فيعود إلى المشاهدة ليتأكّد أن قلبه ما زال حيًا؛ فيتألّم، ثم يبتعد، ثم يشعر بالذنب لابتعاده. وهكذا يتحرّك بين واجب الشهادة والحاجة إلى النجاة النفسية.
ولعل الشعور بالذنب هو أحد أثقل ما يولّده هذا العجز.
يشبه الأمر ما قد يعيشه أب أو أم بعد خسارة أحد أبنائهما. يعيدان تفحّص الماضي بحثًا عن لحظة كان يمكن فيها منع الفاجعة: ماذا لو انتبهت أكثر؟ ماذا لو كنت هناك؟ ليس لأنّهما كانا قادرين بالضرورة على تغيير ما حدث، بل لأنّ النفس تفضّل أحيانًا أن تتّهم نفسها على أن تواجه حقيقة أشد إيلامًا: أن بعض الخَسارات تقعُ رغم الحب، وأنّ الإنسان قد يحبّ بكل ما يملك، ومع ذلك يعجَز عن الحماية.
فالذنب، على قسوته، يمنح وهمًا خفيًا بالسيطرة. إذا أقنع الإنسان نفسه بأنّه قصّر، استطاع أن يتخيل أنّه كان قادرًا على منع الفقد. أمّا الاعتراف بالعجز، فيضعه أمام حدود قدرته، وأمام حقيقة أن العالَم قد يسلبه ما يحب من دون أن يمنحه فرصة لإنقاذه.
قد يظهر شيء من ذلك في علاقة العربي بفلسطين. يواصل يومه بينما هناك من فَقدوا أيامهم. يجلس إلى مائدة فيما يصل الجوع إلى أجساد الأطفال. يضع أبناءه في أسرّتهم، ثم يرى آباء يحملون أبناءهم للمرة الأخيرة. يحتفل أو يضحك، ثم يشعر بأنّ حياته الطبيعية أصبحت نوعًا من الانفصال عمّن يتألمون.
إنّه ليس مُذنبًا بالضرورة فيما حدث، لكنّه قد يشعر بما يشبه ذنْب العاجز أو ذنْب الناجي: لماذا أنا آمن بينما هم خائفون؟ وبأيّ حقّ أواصل حياتي فيما تتوقف حياة آخرين؟
لكن الوفاء لا يُقاس بمقدار ما ندمّر أنفسنا من أجل من نحب. فالذنب، إذا بقي بلا فهمٍ، قد يتحوّل إلى إنهاك وعقاب للذات، بدل أن يصبح التزامًا أو فعلًا. ولا يحتاج المنكوبون إلى أن نضيف انهيارنا إلى انهيارهم، بل إلى أن نحافظ على قدرتنا على الشهادة والفَهم والفِعل؛ أن نحزن دون أن يغلِق الحزن حياتنا، وأن نغضب دون أن يلتهم الغضب إنسانيتنا.
لهذا يحاول الإنسان أن يفعل شيئًا، مهما بدا صغيرًا: يكتب، أو يتبرّع، أو يتكلم، أو يواسي، أو يروي حكاية، أو يرفض أن يتحوّل الضحايا إلى أرقام. قد لا تغيّر هذه الأفعال وحدها مسار العالَم، لكنّها تحميه من أن يتحوّل عجزه إلى استسلام داخلي. إنها طريقته في القول: قد لا أملك أن أحمي كلّ ما أحب، لكنني أرفض أن أتصرّف كأنه لا يعنيني.
فلسطين، بالنسبة إلى كثير من العرب، ليست شأنًا بعيدًا يتابعونه، بل قطعة من ذاكرتهم الجماعية ومن تصورهم للعدل والكرامة. لهذا لا يكون ألمها مستعارًا، ولا يحتاج إلى أن تبرّره صلة الدم أو قرب المكان. بعض الأشياء تصبح جزءاً منّا لأنّها ساهمت في تشكيل معنى (نحن).
وحين تعجز اليد عن الوصول إلى ما يحبُّ القلب، يبقى أمام الإنسان سؤال واحد: ماذا سيفعل بهذا العجز؟ قد يحوّله إلى إنكار، أو كراهية، أو عقاب دائم للذات؛ وقد يحوّله إلى وعي أكثر عمقًا ومسؤوليّة أكثر ثباتًا، وإلى قدرة على أن يبقى إنسانًا في عالم يدفعه كلّ يوم إلى الاعتياد.
فالعالَم لا يصبح أكثر قسوة عندما يكثر فيه الألم فقط، بل عندما يصبح الألم مألوفًا إلى درجة لا يعود يحرّك فينا شيئًا. وربما يكون أقلّ ما نستطيع حمايته، حين نعجز عن حماية ما نحبّ، هو ألّا نسمح للقهر بأن ينتزع منّا معنى هذا الحبّ.

عبد الله حاتم ريّان
أخصائي نفسي تربوي. حاصل على درجة الماجستير في علم النفس التربوي والنمائي. يشغل منصب مدير وحدة علاجية للأطفال على طيف التوحد، ومؤسس عيادة نوى للتشخيص والإرشاد والعلاج النفسي.



