رِسالَةٌ إلى العَرَب... والتّاريخُ شاهِد

من: فلسطينيٍّ، يُحب الكتابة،
إلى: عربٍ.. دون "ال" التّعريف،
التاريخ: أرشيفٌ لا ينتهي

إني أكتبُ إليكم لا بمدادِ الغضبِ وحده، ولا بحبرِ العتابِ وحده، ولكن بمدادِ مَن حملَ اسمًا أثقلَ من الجبال، وسارَ في الأرضِ وهو يعلمُ أن بعضَ الكلماتِ لا تُقالُ لتُسمعَ في لحظَتها، بل لتَبقى شاهدةً حين تتبدّلُ الوجوهُ، وتُطوى الصّحائف.

يا قوم...

ما كتبتُ إليكم لأنّني أجهلُ قَدْركم، ولا لأنّني أنكرُ ما كان من أمجادِكم، لكن لأن المحبةَ التي لا تُصارحُ أهلَها تصبحُ مجاملة، والقرابة التي لا تَحفظُ حقَّ القريبِ تتحولُ إلى اسمٍ بلا معنى. وإن أعظمَ الخساراتِ ليست أن يسقطَ بيتٌ من حجَر، بل أن يسقطَ المعنى من القلوب، وأن يصبحَ صاحبُ الحقِّ غريبًا بين من يفترضُ أنهم أهلُه.

فإن كنتم قد نسيتم صوتَ الأرض، فاسمعوا صوتَ التاريخ. وإن أَثقلتكم حساباتُ اليوم، فتذكّروا أن الأيامَ لا تَحفظُ للناسِ مناصبَهم ولا قُصورَهم، بل تحفظُ مواقفَهم حين يأتي وقتُ الاختبار.

وما أنا بطالبِ فضلٍ على أَحد، ولا سائلِ منّةٍ من أحد؛ إنما أضعُ بين أيديكم شهادةَ من عاشَ الجرحَ وحملَ الاسمَ ودفعَ ثمنَ الحكاية.

فإن أصغيتُم، فذاك عهدُ الأهلِ بالأَهل. وإن أعرضتُم، فسيبقى التاريخُ واقفًا، لا ليحكمَ على الأشخاص، بل ليحفظَ الكلماتِ التي قيلت حين كان الصمتُ أَسهل.

يا أهلَ الدار..

أنا الفلسطيني... الولادةَ والنشأةَ والمنشأ.

أنا العربي... ثم انقطع حبلُ أفكاري.

لنُحاول من جديد:

أنا الفلسطيني... الهوى والإرث والوِرث.

أنا العَرَ... ثم انقطع منطقُ أهوائي.

حسنًا، لنحاول مرةً أخيرة:

أنا الفلسطيني، ابنُ الوسَط؛ والدُ الكرمل التي خُلقت قبل حدود لبنان بقليل، وأبٌ للورَ رأت الحياة على ضفاف طبريا، عند الطريق شمالًا، قبالة أم قيسٍ الهاشمية والجولان السورية، ومربٍّ ليارا التي أصرّت أن تأتي إلى الدنيا مع أول ضوءٍ للفجر قبالة سواحلنا الشمالية!

أنا الحفيدُ الأكبر للتاجر الأَكبر، والابنُ البكرُ للمرأة الأَعظم... صاحبةِ الرأي السياسي الأصدق، والابنُ البارُّ لذاك الرجل صاحب الخلق الأَمثل.

أنا العنقاء...

أخرجُ من عباءة الموت جنوبًا، أطيرُ نحو سيناء، فيُقطع جناحي الأول، فأعرجُ -مجازًا- نحو شرق ذلك النهر، ليُجتثَّ الجناح الثاني، فأمشي موجوعًا نحو بلاد الفينيق، ليطلقوا عليَّ رصاصَة الرحمة، على هيئة اتفاقٍ إطاريّ...

أيّها العرب...

لتبقَ كلماتي هذه كخنجرٍ في صدْر التاريخ قبل أن تكون في صُدوركم.

قَتَلتم العنقاء، فلا حولَ لكم ولا قوة، وتركتموها، فلا ولدَ لكم ولا فُتوّةَ! أخزاكم الله يوم أَحياكم، ويوم أَنبتكم، ويوم أَماتكم... فما رأَت نفسي قبحًا، ولا عيناي لؤمًا، كالذي أَرى.

وإن كلماتي هذه ليست انتقاصًا من شخوصكم، ولا قلةَ ذوقٍ أو تهذيبٍ من طرفنا، لكنها محاولةٌ لاستعمال أكثر مفردات لغة الضاد أدبًا في وصف ما حدث.

ما كنتُ أطلبُ منكم سيفًا، ولا جيشًا، ولا خيلًا تُثيرُ غبارَ الصحراءِ حتى تبلغَ البحر.

كنتُ أطلبُ منكم ألا تُطفئوا آخرَ قنديلٍ في بيتٍ تتوارثُه الريحُ والأنبياء.

كنتُ أطلبُ أن يبقى الاسمُ اسمًا، فلا يُساوَمُ عليه، وأن تَبقى البوصلةُ بوصلةً، فلا تُعدّلُ إبرتها كلما تبدّلَ اتجاهُ القصور.

يا أهل الملّة...

ما أقسى أن يصبحَ الفلسطينيُّ مطالَبًا كلَّ صباحٍ أن يثبتَ أنه الضحية، وكلَّ مساءٍ أن يثبتَ أنه لا يزالُ أخاكم.

ما أقسى أن يتحولَ الدمُّ إلى مادةٍ للنقاش، واللحمُ إلى وجهةِ نظر، والخرابُ إلى اختلافٍ في التأويل.

لسنا ملائكةً، ولسنا أنبياء، ولسنا فوقَ النقد؛ لكننا أيضًا لسنا فائضَ جغرافيا، ولا خطًا في كتابِ التاريخ، ولا عبئًا على أمةٍ باعَت واشترَت فينا، ثم نسيَت أين وضعَت ثمننا.

أَتعلمون؟

ما زلتُ أؤمنُ أن في هذه الأمةِ بقيةً من ماءٍ يكفي لإحياء غصنِ زيتون، وبقيةً من نارٍ تكفي لإشعال قنديل، وبقيةً من حياءٍ تكفي لأن يخجلَ الصامتُ من صمته، والمتفرّجُ من مقعده، والمبرّرُ من حُجته.

لذلك لا أكتبُ إليكم وصيةَ مودّع، بل رسالةَ ابنٍ ما زالَ يصرُّ على أن يناديكم بأهله... أهله الذين قارب أن يَكرهَهم، رغم أن الصّدى وحده هو الذي يجيب.

فلسطينُ ليست سؤالًا عن حدودٍ رُسمت، ولا عن خرائطَ مُزّقت، ولا عن اتفاقاتٍ كُتبت ثم بليَ حبرُها.

فلسطينُ سؤالٌ عن الإنسان حين يُجرّدُ من كلِّ شيء، ثم يرفضُ أن يتجرّدَ من نفسه.

أنا الفلسطينيّ...

ولن يَستَطيعوا أن يَقطَعوا هذه الجملة.

أحمد ياسين

ناشط شبابي من مدينة رام الله، حاصل على شهادة الماجستير في تنمية المجتمعات الدولية، بتركيزٍ على تأثير الحركات الاستعمارية على المجتمعات وطرق تنميتها. يعتبر أحمد أحد الممثلين عن الشباب الفلسطيني في المحافل المحلية والدولية، وقد تحدّث عن فلسطين والقضية في مجلس الأمن، ومقر الاتحاد الأوروبي، وغيرها من المنصات الدولية والمحلية. يترأس أحمد مجلس إدارة مؤسسة الرؤيا الفلسطينية في القدس، وينشط مع مؤسسات الأمم المتحدة للمشاركة في تعزيز دور المرأة العربية والفلسطينية وتمكين مشاركتها.

رأيك يهمنا