الوَعيُ المُبَدّل بفلسطين: "البوصَلَة" في "البورصَة"!

"فلسطين البوصَلة".. شعارٌ رنّان كنّا في كلّ مرة يقع فيها على مسامعنا، نطمئنُّ أنّنا وقضيتنا ما زلنا بوصلةً للشعوب وهمًّا للجميع. لكن هذا الاطمئنان اليوم بات يواجه سؤالًا وجوديًا، ليس حولَ فلسطين فحسب، بل حولنا نحن؛ فهل ما زالت فلسطين بوصلةً للمنطقة، أم أنّ المنطقة تتبدّل أولوياتها وتتآكل جغرافيتها السياسية والوجدانية؟

إنّ التماهي اليوم مع "عدو المنطقة الأول" تحت مسمّيات التّطبيع والمصالح، لم يَعد مجرّد قرار سياسي، بل تسلّل أيضًا إلى صناعة السرديّة في إعلامنا؛ ليُحيل القضية من "همٍّ للجميع" إلى "عبءٍ وجب التخلّص منه"، أو "واقعٍ وجب التّسليم به". لقد جرى تبديل المسمّيات السابقة حول "جرم التطبيع" و"العلاقات مع إسرائيل" إلى إضفاء صبغةٍ جديدة تتماشى مع المصالح والمقتضيات المستجدّة، دون أدنى اعتبارٍ للمسمّيات المستخدمة سابقًا عن الكيان ذاته.

حدثَ تراجع في مكانة "القضية المركزية" تحت مبرّر أوّل مفاده أن الشعوب العربية المجاورة عانت ما عانته من أزمات وحروب داخلية خرجت منها منهكة، تحتاج لترميمٍ داخلي بعد سنوات الحرب. ويقف المبرر ذاته أيضًا وراء ذهاب العديد من دول المنطقة نحو التطبيع. برر البعض من أبناء هذه الشعوب الأمر بأنه إغلاقٌ لمتاريس الحروب التي استنزفتهم داخليًا، وأنهم بحاجة للسلام وعلاقات الانفتاح، فكان التطبيع بمثابة مَخرج لهم، دون أيّ اعتبار لحقيقة أنّ الاحتلال ذاته قد خرق كلّ اتفاقات السّلام، وحتى اتفاقيات التّطبيع. ودون أيّ اعتبار، ولا حتى للمستوى الإنساني، والحقيقة أن هذا الاحتلال الذي يُسْعى إلى السّلام معه لم يكن يومًا حمامة سلام يمكنها احترام السلام وصونه، وأنه يرتكب انتهاكات وجرائم باتت روتينًا يوميًا. لقد بدأ البعض حقًا يرى إسرائيل بمثابة شريك سلام حقيقي معه، حتى لو كان شريكًا ملطّخ اليدين بالدماء على مدى سنوات طويلة من (الصراع العربي - الإسرائيلي)، فالمسوّغ واحد: أن الأمور تتبدّل، وأن إسرائيل نفسها تغيّرت وتحتاج لأخذ هدنة سلام، وبناء علاقات كانت في السابق محظورة، وكان يُحاصر من يَسعى لها، بل وكان مجرّد طرح الفكرة عارًا حقيقيًا.

اليوم، في ضوء كلّ التغيرات الحقيقية في المنطقة، أصبح التطبيع فكرة قابلة للنقاش، وحتى للتطبيق، بناء على المصالح الحالية، وبتجاهل تامّ للتاريخ، وكذا للحاضر بما يُضمره فيه الطرف الآخر، الأمر الذي جعلنا نشعر أنّنا دخلنا مرحلة عزلةٍ حقيقية، أو على الأقل بدأنا نحاول إعادة تعريف ذواتنا لمن هم في منطقتنا، فالهمّ الواحد لم يَعُد واحدًا، وما كان عدوًا واحدًا يقتصر على منطقة واحدة، والأمر الذي بدأ يُطرح هو أن وجود إسرائيل أمر واقع يجب القبول به حتى لو لم يعجبنا الأمر، وأنه منذ سابق العهد لم يكن بيد الجميع إنهاء سيطرة إسرائيل أو الحدّ من هيمنتها، فالأمر بات أكثر من مجرّد عدم اكتراث لسمعة إسرائيل الإنسانية السيئة؛ ليس في فلسطين فقط، بل وفي بعض الدول المجاورة لها، التي عقَدَ بعضها معاهدات تطبيع بأشكاله المختلفة، ولم تحقق أيّ فائدة تُذكر من الفوائد التي تطلّع لها قادتها

لم يكن دور الشباب العربي في دعم القضية الفلسطينية ثابتًا عبر الزمن، بل اتسم بحالة مدّ وجزر، متأثرًا بالتحولات السياسية والاجتماعية والإقليمية. ففي مراحل معينة، تجاوز هذا الدور حدود التعاطف ليأخذ شكل الحراك الشعبي، والعمل الطلابي، والمبادرات الإعلامية والحقوقية التي أسهمت في إبقاء القضية حاضرة في الوعي العربي والدولي. وفي مراحل أخرى، انكمش هذا الدور ليقتصر في كثير من الأحيان على التعبير الرمزي، كرفع العلم الفلسطيني في الملاعب أو خلال الفَعاليات العامة، وهي ممارَسات تحمل دلالات وجدانية ووطنية مهمّة، إلا أنها لا تكفي وحدها لإحداث أثر سياسي أو مجتمعي مستدام 

من هنا، يمكن القول إن التحدّي الحقيقي لا يكمن في الحفاظ على رمزية التضامن فحسب، وإنّما في تحويله إلى أشكال مستمرة من الوعي، والتنظيم، والمناصَرة الفاعلة، بما يجعل حضور القضية في وجدان الشباب مقرونًا بحضورها في ميادين الفعل.

حاليًا، في عهد الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ودورهما عمومًا، لم يعد حضور الشباب في القضية الفلسطينية يقتصر على الشارع، بل امتد إلى الفضاء الإلكتروني، حيث أصبحت الكلمة والصورة ومقطع الفيديو أدوات مقاومة للرواية المضلّلة، ووسائلَ لإبقاء القضية حيّة في الوعي العالمي. 

غير أن سرعة الانتشار حملت معها وَهمًا آخر؛ إذ قد يَختزل بعضهم التّضامن في منشور عابر أو وسمٍ يتصدّر لساعات ثم يخبو، وكأنّ القضية تُقاس بحجم التفاعل لا بعُمق الأثر. فالسوشال ميديا، رغم ما تتيحُه من فرص غير مسبوقة، لا تكتمل قيمتها إلا عندما تتحوّل من منصة تعبير إلى مساحة تُلهم الوعي، وتحفّز المبادرة، وتربط الكلمة بالفعل.

إن الإعلام العربي قديمًا كان سلاحًا حقيقيًا في التعريف بقضيتنا وتوطيدها في الوجدان، وتحريم ما كان محظورًا سابقًا، عندما تولى دوره الأخلاقي والمهني تجاه القضية. أمّا اليوم، فإننا نرى كيف تخلّى عن دوره، لا بل بدأ بممارسة "إعادة تعريف" لمصطلحات ومفاهيم جديدة، الأمر الذي ترك أثرًا بالغًا على الأجيال الجديدة، وكيفية رؤيتها لنفسها وللقضية، إما بتغييبٍ تام، أو بتنازعٍ في المسؤولية تجاه القضية. 

لقد ساهم الإعلام العربي في تغيير صورة فلسطين وشعبها سابقًا وحاليًا، ففي بعض الأوقات-في السنوات العشر الأخيرة على سبيل المثال- يتم التحدّث عن فلسطين وأيّ حدث خاص بها بناءً على (سكريبتات) جاهزة تتناول الأحداث بطريقة سطحية لا تمتّ إلى الواقع بصلة وتتماهى مع سياسات مخالفة للحقيقة، فهي تصوغ الحديث حسب رؤية السلطات العليا، لا بناء على دور السلطة الرابعة الحقيقي في نقل الحدث، لذا فإن الإعلام العربي في الوقت الحالي عمومًا ترك أثرًا سلبيًا حقًا متمثلًا في تمييع الحديث عن قضية فلسطين، وبات من الطبيعي بناء على هذا كلّه أن يتم التحدّث عن فلسطين بطريقة التضليل أو التقليل أو التهميش أو حتى التجاهل والتشويش.

إننا اليوم أمام حقيقةٍ لا مفرّ من مواجهتها؛ وهي أننا نعيش في مرحلةٍ انتقاليةٍ قاسية، لم تعُد فيها فلسطين تحظى بـ "الإجماع" الذي عرفناه، بل باتت مادةً للشدّ والجذب في بورصة المصالح الإقليمية. وبدلًا من انتظار بوصلةٍ قديمةٍ تعود لتشير إلى الاتجاه الصحيح، يبدو أن الواقع يفرض علينا اعترافًا مرًّا: أننا كشعوب، وكمجتمعات، ومثقفين، خسرنا جزءًا كبيرًا من أدواتنا في تعريف قضيتنا، وبتنا نرى الاحتلال –بموجب اتفاقيات وتوافقات– جزءًا من مشهدٍ لا يمكن تجاوزه. 

ليس الرهان اليوم على "عودة البوصلة" بمعجزاتٍ غيبية، بل في قدرتنا على التوقّف عن تجميل هذا الواقع، والبدء بطرح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن للأجيال القادمة أن تُعرّف فلسطين، في عالمٍ باتت فيه القوة والمنفعة هما معيار الحقيقة الأوحد؟

سجى عبد الهادي

كاتبة وإعلامية، مختصة في اللغة العربية. تعمل حاليًا في منظمة الأونروا في إسبانيا. يتركز اهتمامها، إلى جانب نشاطها الاجتماعي والشبابي، في تحليل تحوّلات الوعي الجمعي في المشهد العربي، وتقاطعات اللغة بالهوية والسياسة.

رأيك يهمنا