القضية الفلسطينية إقليميًا ودوليًا: هل سَوف تَستَدعي التّدَخّل وليس الوَساطَة فقط؟

تشير آخر التقديرات الرّائجة في إسرائيل، سواء لدى المحللين السياسيين أو لدى الخبراء في الشؤون الفلسطينية في معاهد أبحاثٍ شتّى، إلى أنه عندما تنتهي الحرب مع إيران، من المتوقَّع أن تعود القضية الفلسطينية إلى مركز الأجندة الإقليمية والدولية، لكن هذه المرّة، قد تتبدّى في سياق مختلف عما ظَهَرت ضمنه في السابق: ليس باعتبارها حلبةَ وَساطة مستمرّة، بل كقضية باتت تَستدعي التدخّل. 

في مثل هذا الوضع، كما يؤكّد أحد هؤلاء الخبراء، قد لا يَعود المجتمع الدولي، ولا الدول العربية التي تسعى إسرائيل للتطبيع معها، وربما حتى الولايات المتحدة، مستعدّين لقبول إدارة صراع دائم، بل يمكن أن يتّجهوا إلى استخدام وسائل ضغط، وربما فرضٍ تسوية. 

وبالنسبة إلى إسرائيل، فإنّ ذلك سوف يَعني فقدان القُدرة على صوغ شروط تسوية الصراع.

في موازاة ذلك، تتصاعَد الانتقادات الدولية لإسرائيل بسبب فقدان الثقة بجديّة نيّاتها إزاء حلّ الصراع مع الفلسطينيين. ففي الولايات المتحدة ودول غربية مركزية، تتبنّى قطاعات واسعة من الرأي العام الرواية الفلسطينية بشأن أسباب استمرار الصراع، كما أنّ الاعتداءات العديدة والعنيفة على أرواح الفلسطينيين وأملاكهم في الضفة الغربية من الجيش والمستوطِنين تصبّ الزيت على النار المُشتعلة ضد إسرائيل. وتؤدّي الاعتداءات المذكورة إلى تعزيز فرضية تزداد رسوخًا في الغرب، ومؤدّاها أن إسرائيل تعمل على ضم الضفة الغربية المحتلة، وأنّ "خطة الحسم" التي طرحها الوزير بتسلئيل سموتريتش تُطبَّق عمليًا من طرَف معظم وزراء الحكومة. 

وتَشي الصيرورة الحالية لهذه المستجدّات بنهوض رأيٍ عام عالمي جديد نتيجة موجَة تضامن مع فلسطين تصدّرتها الجامعات الكبرى، وحركات احتجاجية ضخمة في أوروبا والولايات المتحدة. تأدّى عن هذا الحراك أيضًا كسر الاحتكار الإعلامي التقليدي والتّأسيس لوعي مغاير، خصوصًا بين الأجيال الشابة التي باتت ترى في فلسطين رمزًا عالميًا للتحرّر ومناهضة الاستعمار.   

إذا ما انتقلنا إلى العالم العربي، فالرأي السائد هناك أنّ إسرائيل تسعى لإعادة رسم حدودها استنادًا إلى فكرة "أرض إسرائيل الكاملة". وكلّما تعمّق هذا الاتجاه، فمن شأنه أن يشكّل أساسًا لمنح شرعية شعبية وسياسية على الساحتين العربية والدولية لاتخاذ خطوات أكثر تشدّدًا تجاه إسرائيل. 

عند هذا الحدّ ينبغي أن نتوقّف عند أبرز التحوّلات التي طرأت أو استجدّت على موقف العالَم العربي تجاه فلسطين بشكل عام، وبالإمكان إيجازها في النقاط التالية:

  • (*) أولًا، قبل "طوفان الأقصى" كانت القضية الفلسطينية تواجه تهميشًا غير مسبوق، بالتّوازي مع مسارٍ متسارع نحو التطبيع الإقليمي، كما انعكس في "اتفاقيات أبراهام"، من دون حلّ عادل لهذه القضية. وقد ساد اعتقاد لدى بعض الأطراف الإقليمية والدولية بأن السلام والاستقرار في الشرق الأوسط يمكن تحقيقهما عبر صفقات تطبيع اقتصادي وسياسي من خلال تجاوز القضية الفلسطينية. وقد أعاد "الطوفان" وتداعياته فرض قضية فلسطين باعتبارها حائلًا رئيسًا دون أيّ استقرار حقيقي في الشرق الأوسط، وتم تأكيد أنه لا يمكن تجاوز حقوق الشعب الفلسطيني في أيّ تسويات أو ترتيبات إقليمية أو دولية من جهة، ومن جهة أخرى جرى تثبيت معادلة أن فلسطين هي مفتاح الحرب والسلام ولا يمكن القفز فوقها.   

  • (*) ثانيًا، بالعطف على البند السابق، نشير إلى أنّ هناك تعزيزًا لشرعية خيار المقاومة، وإعادة تقييم لمسارات التّسوية، لا على الصعيد الفلسطيني فحسب، إنما أيضًا على مستوى الشعوب والنخب العربيّة. 

  • (*) ثالثًا، نشهد منذ "الطوفان" إحياء مطّردًا للحاضنة الشعبية العربية، وبروز جيل جديد من التضامن مع فلسطين، حتى أصبح من غير المبالغة القول إن فلسطين أَمسَت تمثّل مرة أخرى قضية العرب المركزية، وصمام أمان للهوية والوجدان الشعبي العربي. وقد تجسّد ذلك في التظاهرات الحاشدة، وحملات المقاطعة الاقتصادية، والتّحشيد الثقافي والإلكتروني. كما أننا نشهد ولادة وعي جديد يرى في التضامن مع فلسطين واجبًا قوميًا وكذلك أخلاقيًا وإنسانيًا.

  • (*) رابعًا، في سياق متّصل مع البند السابق تعزّزت في العالم العربي، وبالأساس بين قطاعات معتبَرة من شعوبه، القناعة بأنّ ثمة ازدواجية معايير لدى المنظومة الدولية والقوى الغربية التي لطالما تغنّت بحقوق الإنسان والديمقراطية. وثمّة عجز طاغٍ على المؤسسات الدولية (مثل مجلس الأمن) وتواطؤ قوى كبرى. تعمّق هذه القناعة رغبة الشارع العربي في التخلّص من التّبعية للغرب، وتجعل من فلسطين رمزًا للتحرّر من الاستعمار ومكافحة التمييز والفوقية الغربية. وقد نقلت الحرب القضية الفلسطينية إلى أروقة المحاكم الدولية (محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية)، حيث رُفعت دعاوى الإبادة الجماعية وصَدَرت مذكرات اعتقال بحقّ قادة إسرائيليين. يمثّل هذا المسار القضائي سابقة تاريخية تضع شرعية إسرائيل وداعميها الدوليين تحت مجهر القانون الدولي.

  • (*) خامسًا، أصبحت الحكومات العربية مضطرة إلى وضع القضية الفلسطينية في صُلب خطاباتها وسياساتها الخارجية تحت ضغط شعبي كاسح. فلم يَعد ممكنًا لأيّ قوة إقليمية تجاهل الغليان الشعبي المُطالب بوقف العدوان وحماية الحقوق المشروعة. وهذا يجعل من فلسطين عنصرًا حاسمًا في رسم التوازنات الداخلية للعديد من الدول العربية.

  • (*) سادسًا، ما زالت خريطة التحالفات عرضة للتغيّر نظرًا إلى أن الحرب فرضت معادلات ميدانية جديدة، وحرّكت ما يُعرف بـ"جبهات الإسناد" إقليميًا (في لبنان، واليمن، والعراق)، وهذا يجعل من إسرائيل وموقفها من فلسطين محورًا مباشرًا للأمن القومي لعدة دول في المنطقة.

وبالعودة إلى ما بدأنا به بشأن احتمال عودة القضية الفلسطينية إلى مركز الأجندة الإقليمية والدولية، واحتمال أن تتبدّى في سياق مختلف عن ما ظهَرت ضمنه في السابق كقضية باتت تستدعي التدخّل، نكتفي بأن ننوّه بما يأتي: 

تعتقد جهات إسرائيلية عدة أنه بعد الحرب على إيران، من غير المؤكَّد أن يتمكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مواصلة تجاهُل الدعوات التي تزداد داخل الرأي العام الأميركي، وكذلك في الدول العربية التي ازدادت التزامًا إزاء القضية الفلسطينية بعد الحرب، وأيضًا في الدول الأوروبية التي يحتاج إليها لتنفيذ خططه في قطاع غزة، المطالبة باتخاذ موقف أكثر صرامةً تجاه إسرائيل. وهو ما يمكن أن يعزّز القناعة داخل النظام الدولي بضرورة الدفع نحو حلٍّ للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، حتى لو تعارض ذلك مع تطلّعات الطرفين.

ما نتوقّعه هو أن تحاول إسرائيل، حتى الانتخابات العامة المقبلة على الأقل (التي ستجري يوم 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026)، الحفاظ على استمرار الجمود السياسي، انطلاقًا من قناعَة تعزّزت بعد "الطوفان" تفيد أنه بالإمكان تحقيق الأمن، عبر السيطرة على الشعب الفلسطيني لفترة طويلة، وضرورة معارضة أيّ عملية سياسية تتضمّن تنازلات جغرافية، وربما يضع كلّ هذا إسرائيل أمام تصاعُد الانتقادات الدولية وتحميلها مسؤولية استمرار الصراع. أمّا على المستوى الأمني فمن المتوقّع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وتصاعد العنف وتوسيع الاستيطان بشكل كبير في الضفة الغربية.

أنطوان شلحت

كاتب صحافي ومحلل سياسي فلسطيني.

رأيك يهمنا