فِلِسطين... الاستِثناء الأردُني

في بُيوت أردنية كثيرة، لا تزال صورة قبّة الصخرة معلّقة على الجِدار، حتى بَعد أن بَهَت لون إطارها الخشبيّ. لم تُعلَّق بوَصفها زينة، ولا تذكارًا من رِحلة، بل لأنّها كانت دائمًا أكثر من صورة؛ كانت إعلانًا صامتًا عن علاقَة لم تصنَعها السياسة، ولا استطاعَت السياسة أن تُنهيها.

ليست فلسطين بحاجَة إلى من يُثبت حضورها في الوجدان الأردني؛ فهذا حضور سَبَق السياسة، وسَبَق الحدود، وسَبَق حتى ولادة الدّولة الأردنية الحديثة. وما يستحق التأمّل ليس قوّة هذه العلاقة، بل طبيعتها. فبينما تعامَلت دولٌ مع فلسطين بوصفها قضيةً قومية أو ملفًا سياسيًا، أصبحَت في الأردن جزءًا من تعريف الدولة والمجتمع معًا.

حين يُسأل العربي: ماذا تَعني لك فلسطين؟ تتعدّد الإجابات بتعدّد التجارب. أمّا في الأردن، فيبدو السؤال ناقصًا. لأنّ فلسطين، بالنسبة للأردنيين، لم تكن يومًا قضيةً يُعلنون تضامنَهم معها، بل جزءًا من الحكاية التي تشكّلت بها الدولة، ونَشأ عليها المجتمع، وحَمَلت أعباءَها أجيال متعاقبة.

لا تبدأ هذه الحكاية من السّياسة، بل من الذّاكرة. ففي بيوت أردنيّة كثيرة، لم تكن القدس خَبرًا في نشرة أخبار، بل صورةً على الجِدار، وحكايةً يرويها الجدّ عن اللطرون أو باب الواد أو أَسوار القدس، واسمًا يتردّد في الدعاء كما يتردّد في الأحاديث اليومية. دَخَلت فلسطين إلى البيت الأردني عبر القرآن الكريم قبل أن تَدخل عبر نشرات الأخبار؛ مِن آيات الإسراء، ومِن قداسة المسجد الأقصى، ثم عَبر سيرة الجنود والشهداء، حتى غَدَت جزءًا من التّربية قبل أن تكون جزءًا من الثقافة السياسيّة.

في الأردن، تبدأ فلسطين من العقيدة، وتَعبر الذّاكرة، وتَستقرّ في الهويّة، قبل أن تُصبح قضية دولة. فالقدس ليست مجرّد مدينة مقدّسة، بل أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، والمدينة التي تتقاطَع فيها العقيدة مع التاريخ. لهذا لم يكن غريبًا أن تنشأ أجيال كاملة وهي تَرى في القدس جزءًا من تكوينها الروحيّ والأخلاقي، لا مجرّد مدينة تَنتظر تسوية سياسية.

لم تَبدأ هذه العلاقة مع حروب القرن العشرين. فمنذ عشرينيات القرن الماضي، ارتبط الهاشميّون بالقدس ارتباطًا عمليًا وتاريخيًا، حين بويِع الشريف الحسين بن علي عام 1924 لرعاية المقدَّسات الإسلامية، وأَسهَم في إعمار المسجد الأقصى وقبّة الصخرة. ومنذ ذلك التاريخ، لم تَنقطع هذه المسؤوليّة، بل تعاقَبَت عليها القيادة الهاشميّة، حتى أصبحت الوصاية على المقدّسات الإسلامية والمسيحية عنوانًا لاستمرار التزام تاريخي، لا مجرّد دَور سياسي.

وحين اندلعَت حرب عام 1948، لم يكُن الجيش العربي يُدافع عن مدينة فحسب، بل عن مَعنى. وقد كان القوة العربية التي حافظَت على القدس الشرقية والضفة الغربية حتى عام 1967، وقدّم على أسوار القدس وفي اللطرون وباب الواد شهداء امتزجَت أسماؤهم بالذّاكرة الوطنية الأردنية. ولم تكن تلك المعارك مجرّد صفحات في التاريخ العسكري، بل لحظة تأسيسية رسَّخَت في الوعي الأردني أنّ القدس ليست جبهة بعيدة، وإنّما جزء من مجال الدولة الحيويّ، ومن ضمير المجتمع.

مِن هُنا، لا تبدو الثّوابت الأردنية تجاه فلسطين مجرّد خَيارات دبلوماسية قابِلة للتبدّل. فرفضُ التّهجير، والتمسّك بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، والدّفاع عن القدس ومقدّساتها، ليست مواقف فَرَضتها الظروف، وإنّما تعبير عن إدراك راسخ بأنّ أمن الأردن لا يَنفصل عن أمن فلسطين، وأنّ العدالة ليست قيمة أخلاقية مجرّدة، بل هي شرط للاستقرار في هذه المنطقة.

لهذا، لم يكُن حضور فلسطين في الأردن رهينًا بتغيّر الحكومات، ولا خاضعًا لتبدّل المِزاج السياسي. بقيَت فلسطين حاضرة في المَجال العام، وخطاب الدولة، ووجدان المجتمَع، لأنّ ما يَجمع الأردنيين بفلسطين أَعمَق من موقف سياسي، وأَبقى من ظرف إقليمي. فالجغرافيا صَنَعت الجوار، لكنّ التاريخ صنع الشّراكة، والعقيدة منَحَتها معناها، والتّضحيات حفظتها في الذّاكرة.

وربّما لهذا تَبدو العلاقة الأردنية الفلسطينية مختلِفة عن كثير من العَلاقات العربية. فهي ليست علاقة تَضامن فحسب، ولا علاقة مَصالح فقط، بل علاقة تشكّلت فيها الدّولة على إيقاع التّاريخ، والتقَت فيها المصلحة بالواجب، وامتزَج فيها الانتماء الوطني بالالتزام القومي والإنساني. لهذا لم يَنظُر الأردن إلى فلسطين يومًا باعتبارها عبئًا، ولا ورقةً مساومة، بل جزءًا من رؤيته لنفسه ولمستقبَل المنطقة.

في زمن يُعاد فيه تَرتيب الأولويّات، ويُسأل كلّ بلد عن موقعِه من فلسطين، يَبقى الجَواب الأردني مختلفًا. لا لأنّه أكثرَ عاطفة، ولا لأنّه أعلى صوتًا، بل لأنّه تشكّل عبر قرنٍ كامل من العقيدة، والذّاكرة، والدولة. لهذا، لم يكن الدّفاع عن الحقّ الفلسطيني، بالنسبة للأردن، خروجًا عن مصلَحَته الوطنية، بل أحد أَصدق تعبيراتها.

غَير أن خصوصيّة الحالة الأردنية لم تُختبر في الماضي وحدَه، بل في السنوات التي أَعادت رسمَ خرائط الإقليم. فمنذ الربيع العربي، وما تبعَه من حروب أهلية، وصُعود أولويات الأمن والاقتصاد، واتّساع مسارات التّطبيع، بدا وكأن فلسطين تتراجَع في أجندات بعض الأنظمة، بينما بقيَت حاضرة في وجدان الشعوب. في الأردن، لم تتحوّل هذه المفارقَة إلى انقسام بين الدولة والمجتمع، بل بقيَت فلسطين من المساحات النّادرة التي التقَت فيها الإرادة الرسمّية مع المِزاج الشعبي. فالدولة رأت في قيام الدولة الفلسطينية ورفض التّهجير مصلحةً وطنية عليا، ورأى المجتمع في فلسطين قضيّة عدالة وهويّة ووفاء للتاريخ. وربّما لهذا بقيت فلسطين، في الأردن، نقطةَ التقاء أكثر منها نقطَة خلاف.

ولعلّ هذا ما يَمنح التّجربة الأردنية أهميّتها في المستقبَل أيضًا. فإذا كانت التحالفات تتبدّل، والأولويّات الاقتصادية تتقدّم، والسياسات الإقليمية تُعاد صياغتها، فإن فلسطين ستبقى معيارًا لاختبار استقرار الإقليم وعَدالة نظامه السياسي. ولن يكون السّؤال في السنوات المقبِلة: هل بقيَت فلسطين قضية العرب؟ بل: أيّ شرق أوسط يمكن أن يستقرّ إذا بقيت القضية الفلسطينية بلا حلّ عادل؟ فالقضية لم تَعُد تَختبر الفلسطينيين وحدَهُم، بل تَختبر قدرة المنطقة كلّها على بناء مستقبَل يقوم على الحقوق لا على موازين القوة وحدَها.

عمر كلّاب

كاتب ومحلل سياسي أردني.

رأيك يهمنا