الموقِفُ، ونِصفُ المَوقِفِ، وما هُو أَدنى!

القضية التي طَفَتْ بازدواجيّة المعاييرِ إلى السّطح، وحَمَلت آفات التّناقض إلى واجهة المشهد، وجعلَت من الصّدق خَطرًا، ومن الكذب مَنجاة. 

عبر التاريخ، اختلفت معالم الوحدة، إذ انتقلت من منطق التكافل والإخاء نحو ضبابيّة الموقف، فمَن كان يومًا يَحمل معالم خريطتها حولَ عُنقه، أضحى يَحذف بأثر رجعّي ملامِح هويتها التي حمَلها بقبضتِه. اليوم، أصبحت فلسطين -ولا أقصد حقيقة القضية وما تحمله من حقّ، بل ما يحمله عنها الناس في صدورهم- مسألَةً عالقة في حناجر البعض، ولدى البعض الآخر تُشكّل الألم الذي لا يُمحى، ومنبّه الضمير الذي لا يتوقّف عن الرنين. 

في كلّ حرب تَشهدها فلسطين، تتغيّر مَعالم الطريق وملامِح سالكيها، فهي تُشعل مَواطن الحنَق والذّعر والألم، وتكشف حقيقة زيف الحرية، وتؤكّد أنّ العدالة قصة تاريخية خُلقت من وحي كتّاب آمنوا بها برؤيا شهدوها بعد نومٍ حالك. وعلى الجانب الآخر، فإنّها بالنسبة للبعض مَدعاة للوقوف على مفترق طُرُق ما بين اختيار طريق الضمير أو اختيار طريق التّطبيع. أمّا اعتياد المشهد والخوف معًا فيقودان نحو طريق الحياد الذي يؤدي حتمًا إلى الطريق الثاني. وهنا، نرى هذا المشهد من خلال ما تتناقلُه السرديّة وما يتلوه الإعلام، ويكون السّؤال: أيّ طريق يَسلكون! فالصّمت الإعلامي، وتناقُل جزء من الخَبر وليس كلّه، حيادٌ أم تطبيع؟ 

إنّ نقلَ الخبر وصياغته وطريقة عرضه، أمور تلعب الدور المحوري، الذي يجعل مُعاصر الحقيقة والشاهد عليها إمّا أن يتولّى دور الشخصية البطولية الشُّجاعة التي تنتقد وتصحّح، أو الشخصية التي تهاب المواجهة وتقف صامتة متفرّجة، إلى أن يتجرّأ البعض لتأريخ المشهد والوقوف عليه. 

أمّا فيما نراه من طرح، يأخذ منحيين، الأول توجيهُ القائمين على الصحف لطواقم العمل كي يتّخذوا موقف الحياد المطلَق بمعناه السلبي المتمثّل بنقلِ نصف الحدث، وقولِ نصف الحقيقة، وتجريد مخطوطات التاريخ من فواصلها، وكأنّ الحديث عن القضية لا يُحدث تغييرًا إلا بملامح الجبهة التي يُنقش عليها بلا زوال مثل الوحمة التي تحملها أينما تذهب، والآخر، هو التّحالف مع الصوت العربي بنقل ما يُرى وتلاوة ما يُسمع، وفي كلا المنحيين، تتضارَب سبلُ تأريخ المشهد وتوثيقه، وفقًا للموقف المتَّخَذ.

وبالحديث عن التأريخ، يتبادر إلى ذهني سؤال مفاده: هل يؤرَّخ الحدث بالطريقة ذاتها التي تحكيها الصحف؟ هل ينقل ما تتم أرشفته نحو الهاوية؟ هل يُحكى عن القتلى والجرحى والشهداء بدمائهم وأسمائهم وليس بأَعدادهم؟ لست على ثقة تامة، إذ إن التاريخ كذبة اتّفق المؤرّخون على تصديقها، مثلما تُنقل بعض بنود اتفاقيةٍ، ويُترك ما تبقى لعتمة ما خلف الكواليس. 

لا يتحقّق الخوف من توثيق الحدث الآن، أقصد أنّنا الآن شهود على الحقيقة، لكن ماذا بعد مضي قُرُون، كيف ستروى القضية؟ هل سيحمل أبناؤنا عبء الدفاع ومسؤوليّة التآخي؟ هل ستُروى الحقائق أم ستُمحى مع غبار التاريخ؟ 

بَعثرت حرب أكتوبر الأوراق وأعادت ترتيبها مجددًا، إذ أَشعلت التحالف الشعبي العربي، ومن خلاله رأينا تمسّك الشعوب المجاورة باستخدام أدوات الضغط الاقتصادي آملين بتأثيرها على الموقف السياسي الذي قد يحدّ من التوّسع الإسرائيلي. أشعلت تلك الحرب الموقف الشعبي العربي بصورة غير مسبوقة، عبر التّحالف بصوت واحد مع القضية الفلسطينية، الأمر الذي أربك الكثير من الخطط والمسارات السياسية. لكن، هذا الموقف بات فقط موقفًا وجدانيًا لم ينعكس على الموقف السياسي العربي بالشّكل الذي ينبغي له أن يكون. إلّا أن ما شهدناه من اختلاف الموقف العربي من دولة لأخرى، إمّا بالصمت وإمّا بتقديم المساعدات ومحاولة عقد الهدنات التي باءت بالفشل في تعطيل خطة الإبادة، كان صفعة رمادية جعلت الكثيرين في حالة من الانجماد والتوقّف عن اتخاذ الموقف الواضح. وما بعد الحرب التي لم تتوقّف، ساد التّكميم الإعلامي، وأصبح تداوُل الحدث ليس بأهمية الحديث عن الأخبار الروتينية التي نشهدها دون توقف. لربّما هو التغافل والادعاء بعدم الرؤية، وقد يكون ربّما الخوف من فتح الباب مرّة أخرى. وهنا، وُضِعَت فلسطين في موقف متأرجِح في السياسات العربية، وفي موقف متأصّل يعكس الضمير العربي وموقف الشعوب، دون الوصول إلى موقف جمعي واضح يجمع رؤية الشعوب ورؤية الدول. 

في ظلّ الموقف العربي الذي اتّخذ أشكالًا متعددة، إما برفض التطبيع، أو باستمرار الحديث عنه بحذر أو استخدامه ضمن المفاوضات الرسميّة، انكشف ما وراء الهدنات، وما وراء الأنظمة السياسية. وفي سياق الحديث عن التحالف الشعبي، فإنه يأخذ في بعض الأحيان مجرى إنسانيًا معاكسًا للمفاوضات السياسية. وما يأخذ مجرى التّطبيع، تقابله وقفة إنسانية شعبيّة لا تقبل التطبيع ولا هدنته. بهذا، تكشف الأوراق مدى تَماسك الدول الداخلي، ومدى قوة تأثير قرارها السياسي في الوسط الدولي، فلسطين اليوم ليست فقط صراعًا خارجيًا بقدر ما هي اختبار للدول حول شرعية أنظمتها. 

في تَداخل الصراع الفلسطيني، وهدنات التطبيع، والحوار السياسي والمواقف الشعبية، تُخلق الحدود التي تَقمع اتخاذ موقف واضح، حالة ضبابية لا يَعي بها المواطن العربي مآلات موقفه، ولا تَعي الدول المطبِّعة سوء موقفها الإنساني السياسي، وإن صحّ التعبير، فإن الطريق أصبح وعرًا، حيث كان اتّخاذ موقف واضح أكثر سهولة قبل تدفّق الحدث افتراضيًا، إذ أن كلّ شيء أضحى على السطح، ونُقل مِن خلف الكواليس إلى واجهة المشهد. 

سجى سلّام

ناشطة ومبادِرة شبابية مجتمعية تَعمل في مجال تمكين الشباب وتعزيز المشاركة المدنيّة. باحثة في المجال القانوني، وتحليل السياسات العامة وتطوير. إلى جانب عملها المجتمعي والبحثي، تَعزف على آلة العود الشرقية.

رأيك يهمنا