فلسطين: البوصَلَة والوَقت

يُقال في الربط بين البوصلة والوقت: إن ضبط الاتجاه أهم من الوقت ذاته. تلك هي ربما خلاصة الضبط الإنساني والفطري المتعلّق بفلسطين في الوعي والذاكرة. أن تكون إنسانًا؟ تلك هي الخلاصة في تحديد موقف الإنسان، أيّ إنسان من قضية فلسطين.
لم تكن القضية -منذ بدأت- تتعلّق بالأرض والجغرافيا فقط، ولا بالتاريخ فقط، ولا بالأديان فقط، ولا بالصراع السياسي فقط، بل هي كلّ ذلك وأكثر. في اللغة العربية ارتبط الوعي العربي منذ أكثر من مئة عام بكلمتي "قضية فلسطين"، نعرف فلسطين أو ندّعي أنّنا نعرفها ونحاول أن نعرفها ونذكّر الذات بما نعرف، وتلك أمور حسنة. لكنّ الكلمة الأولى فيها زلزال لغوي نفسي: فهي القضية، وأصل كلمة "قضى"، وهذا الأصل في اللغة العربية يأتي على معانٍ تشمل الإحكام والإتمام والإنجاز، وهي تحمل في عمقها قطع الشكّ باليقين، وانتقال الفكرة إلى الواقع، وإنهاء حالة التّعليق إلى حالة الحسم والانتهاء. تلك معانٍ ليس بالضرورة أن يعرفها بعمق كلّ الناس، لكنّها تنعكس في معانيها وكيفية النظر إلى فلسطين.
الموقف من فلسطين لم يكن يومًا مرتبطًا بالاختيار أو بالقرار، بل بالفطرة السليمة التي تشكّل مصدرَ القرارات والمشاعر والمواقف وتعديلها لدى كلّ إنسان. فكيف تتغيّر المواقف نحو القضايا العادلة عبر التاريخ؟ أولًا ينبغي التذكير بأنه لا تهم الكثرة الغالبة بالنسبة للفطرة السليمة، بل الكثرة المؤثّرة، لذا كانت فلسطين دائمًا مركز اهتمام الكثرة المؤثّرة العابرة للجغرافيا، والدين، والثقافة، واللون. كانت تلك الكثرة المؤثّرة وستبقى أمام خيارين: تبرير الاحتلال وثقافة القَطيع السياسي المروّجة لقبول الاحتلال وأفعاله وتبريرها، أو رفض ثقافة ذلك القَطيع السياسي ومواقفه وكلّ ما يحاول أن يروج له، في مثل هذا المشهد لا توجد منطقة رمادية.
يلعب الزمن دورًا مهمًا في تشكيل الموقف من فلسطين. والوقت مرتبط بالتاريخ والأعمار، سواء كان فترة الطفولة أو الشباب أو المراحل المتقدّمة من العمر. في كلّ هذه المراحل، كان الإنسان ذو الفطرة السليمة منسجمًا وقريبًا من فلسطين الأرض والإنسان والرواية، وكان هذا مصدرًا لألم المحتلّ ومن سانده؛ ذلك أنه كلّما تراءى له أنّه تحكم في الأجيال وتلاعب في إعدادات منظومتها القيمية، فاجأته تلك الأجيال بأنّ فعله وسحره الخادع لم ينجحا.
أراد أن يتسلّل إلى النُظُم التعليمية، ويخلق سرديّة معادية لكلّ ما تمثله فلسطين، فعمل على شيطنة الإسلام والمسلمين، كما عمل على خلق سرديّات حول مواقف المسيحية والمسيحيين في محاولة لتجسيد مقولة "فرّق تسد". كان وراء هذا الاستهداف الخوفُ مما يفعله الدين من تصحيحٍ للفطرة وما ينبني عليها من منظومة قيميّة صحيحة. لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، فقد استمرّ هذا التلاعب والتأثير على وعي الناس وطوَّق تشكيل قناعاتهم ومواقفهم، فذهب إلى وسائل الإعلام التقليدية وغير التقليدية أو وسائل الإعلام الجديد. ومع أن الإعلام يتولى ضبط سياسات وقوانين تضعها الحكومات، لكنّه بقي مصدر رعب للمحتلّ ومن سانده، حيث تشكلت جبهة جديدة للمواجهة هي وسائل الإعلام الجديد على تعدّد أنواعها، فما كان متوقعًا منه أن يشغل الأجيال عن مسائل الهمّ العام وعلى رأسها فلسطين، تحوّل إلى أداة لتشكيل وعي تلك الأجيال بسقف حرية أعلى نسبيًا. لقد كانت محاولات ضبط السرديّة المتعلقّة بفلسطين والتأثير عليها وتوجيهها وإرباك مشهدها، محاولة تجنيد بائسة للتحكّم بما يُبقي على سردية دولة الاحتلال أكثر رواجًا وتأثيرًا على الإنسان، بغض النظر عن الجغرافيا والثقافة والعرق.
خلال نحو ٧٥ عامًا، وضعت دولة الاحتلال كلّ ما تستطيع وأكثر، لتهميش فلسطين وتصفيتها عبر محاولات متعدّدة، لكنها في سياساتها العدوانية كانت تدفع بفلسطين إلى صدر الأحداث، وكأنّها توقظ الأجيال التي ربما لم يتيسر لها أن تعرف كلّ ما يتعلق بتاريخ فلسطين وما تتعرض له من احتلال.
فتضيف جيلًا إلى أجيال، جيل يأتي متأهبًا بأسئلته المندفعة كالسّيل، أسئلة تعيد الحكاية إلى النقطة صفر، فتأتي الرواية ومعها الدمع والألم والأمل، لينتقل الجيل من مربّع الحائر إلى مربع المتسائل، والباحث عن الحقيقة: ما الذي جرى لفلسطين؟ سؤال كان يُراد له أن يختفي ويموت حتى يتحقّق لدولة الاحتلال عنصر الاستمرارية والبقاء.
من أجل ترسيخ واقع الاحتلال، تكالَب العالم القوي بمؤسّساته وقانونه المسمّى "القانون الدولي"، ليجعل الاحتلال هو الحقيقة المقبولة وغيرها حقيقة "قذرة". صدرت قرارات واجتمعت دول وحكومات عَبَر الأعوام الـ ٧٥، لتقدّم ما تسميه حقيقتها وروايتها، وتروّج لفكرة أنّ فلسطين الشعب والتجربة التاريخية الطويلة، لا وجود لها، والكلّ ينبغي أن ينخرط في هذه الجوقة ليجرّد شعبًا من أرضه.
احتلال فلسطين منتجٌ لحقبة الاستعمار والتخريب الذي طال مجتمعات عديدة عبر الجغرافيا الواسعة. نجحت مجتمعات في التخلّص من الاستعمار ووقائعه الاحتلالية إلى حدّ كبير، لكن احتلال فلسطين وحده عبر من قرن إلى قرن إلى قرن. في ذلك الكثير مما يقال، لكن الأبرز أن الوعي بالاحتلال لم يصل إلى ما وصل إليه بعد ٧٥ عامًا، وعي يعبُر من جغرافيا إلى جغرافيا ومن جيل إلى جيل، ليخلق واقعًا جديدًا ومتجددًا في أنّ الحق قد تواجهه قوى الظلم، وقد تدفعه إلى الوراء، لكنّها لم ولن تكون قادرة على هزيمته، من هنا أن تكون فلسطينيًا يعني ألّا تستسلم لسرديّة الاحتلال والظلم، وأن تَرفض -ذلك أضعف الإيمان- لعل يومًا قريبًا سيأتي يتغيّر فيه الحال، ويعود الحقّ إلى أهله، وينتهي ظلم الظالمين.

د. محجوب الزويري
أستاذ في السياسة المعاصرة وتاريخ الشرق الأوسط، مع تركيز خاص على إيران ومنطقة الخليج. أستاذ زائر في برنامج السياسة والعلاقات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا. محرر في الموسوعة العربية الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مؤسس ومحرر لمجلة دراسات الخليج، وسلسلتي كتب: دول الخليج المعاصرة وإعادة تخيّل العلوم الاجتماعية والإنسانية في ومن الشرق الأوسط.
للمزيد: www.mzweiri.net .



