فِلِسطين.. خالِقةُ المَعنى وَسَط الخَراب!

عشتُ طفولتي في مخيم الشابورة برفح، ومنذ بداية تشكُّل وعيي، وفي أيام منع التجوال التي اعتاد جيش الاحتلال الإسرائيلي فرضها في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، "انتفاضة الحجارة"، كنت وصديقاتي في المخيم نفسه، نتهامَس في غفلة الكبار - إذ لا مدارس ولا عمل ولا حياة خارج البيوت- نراقِب الطّريق والشارع، وقد رَسَمنا أعلام فلسطين على أوراق دفاترنا بألوان الشّمع التي توفّرت لنا في ذلك الحين، وكتبنا اسم فلسطين أسفل كلّ علم،  نقصّها ونرتّبها، نَصنع العشرات منها، ونخرج في السادسة صباحًا دون أن يشعر بنا أحد؛ كنا ثلاثَ صديقات نستظلّ بجدران بيوت المخيم التي كانت لا تزال على قيد الحياة وقتها، وننتشر يمينًا ويسارًا لنلصق الأعلام أسفل الأبواب الحديدية أو الخشبية! وفي مخيلتنا.. عَلَمٌ لكلّ بيت!

كيف يصنع الاحتلال الإنسان الذي يقاومُه؟

لا أعرف ما الذي كنّا نحاول قوله لأنفسنا وجيراننا، لكنّها كانت مغامرتنا الأولى لنرفَع اسم فلسطين وعَلمها مخترقين حظر التّجوال عن مخيمنا. كنّا نعود من المهمّة السّرية بسرعة وحرص وكأنّنا ندرِك مخاطرها، فإن مرّت دورية الجنود الراجلين في شوارع المخيم كنّا سنقع في مأزق؛ ليس مأزق الجنود المدجّجين بقنابل الغاز والخوذ والعتاد والرشاشات التي تتقدّم أجسادهم فحسب، بل كنّا نخشى من مأزق الأهل والعقاب الذي قد نُعرّضهم له، لكنّ عيوننا وقلوبنا تفتّحت منذ بداية تشكُّل وعينا على اسم فلسطين وألوان علمها.

هكذا وَجَدْنا أنفسنا في أَتون الحقيقة: ابنة المخيم الطفلة التي أدركَت أن المخيم لا يورِّث أبناءَه وبناته بيوت الزينكو والأسبست أو حتى البنايات فقط، بل يورثهم الذاكرة، ذاكرة الوطن المسلوب، وذاكرة الحياة التي ينتمون لها، وذاكرة المستقبل التي تشكّلت منذ نعومة أظافرهم في وطن ينادي أبناءَه ويستحضرهم، فكان شعارنا الدائم لن ننسى! كيف يمكن للإنسان أن ينسى وطنه، أيامه الأولى، طفولته وشبابه وشيبه، هويّته وملامح وجهه التي كبُرت، وكلّ تجاعيد وجهه ويديه إنما هي ما حفره الوطن فيه وبه، فأصبحنا جزءًا منه وأصبح هو كلّنا!

رَضَعت، مِثل كثيرين من أبناء جيلي وبناته، حكايات النزوح والتّهجير، قبل أن أتعلّم القراءة والكتابة، كان أبي وأمي يحملانِ آلام النكبة الأولى في صمتهما بقدر ما يحملانها في حديثهما، أحيانًا كان الصمت أبلَغَ من الكلمات، كنت أقرأ لمعان عيونهما حين أذكر اسم قريتهما أو حين يتحدّثان عنها، أحيانًا تكون دموع الحنين والاشتياق والوجع، وأحيانًا تكون دموع القَهر والظلم والألم الذي يحاولان أن يُخفياه عن أطفالهما!

سؤال أبي الدائم كلّما سنحت له الفرصة، مع محاولة استكشاف ما يَدور في عقلي الصغير:

-       لو قُدّر لك أن نرجع إلى قرية تل الترمس[1] هل تعودين وتعيشين هناك؟

كنت أضحك بسذاجة قائلة:

-       خذني هناك أولًا وسأخبرك!

لم أَكُن أدرك أنّه لم يَعد قادرًا على الذهاب إلى هناك، وقد دُمرت أغلب ملامح القرية، كما دُمرت في الوقت نفسه أكثر من خمسمئة قرية فلسطينية، أُقيمت المستوطنات الإسرائيلية على أنقاضها!

أحيانًا أخرى كانت الذّكريات تنفجر دفعة واحدة، ويَنطلق أبي وأمي في السّرد والبَوح، فتعود أسماء القرى للذاكرة الأولى: البطانة، والمسمية، وقسطينة، وتل الصافي.. تتردّد في صوتهما لغة الحنين والاشتياق والحياة التي سُلبت منهم، والخوف الذي نالهم في قراهم من "عصابات الليل" التي كانت تَحرق الأخضر واليابس ليصحوا على حرقِ حصاد العام بأكمله، ومجازر الرّعب التي دفعتهم للنزوح إلى مناطق اعتقدوا أنها أكثر أمانًا، وكأنّ الزمن لا يُحسب بالسنوات بل بالأيام، هكذا وجَدت نفسي ابنةً للاجئين فلسطينيين واجهوا وحدهم النكبة الأولى، لتولد خطواتي الأولى في مخيم، ويبقى المخيم أصل الحكاية الأولى!

واجهتُ خوف الكبار بدهشة الطفولة!

كنت قد بدأت بكتابة القصص في الرابعة عشرة. كتبت قصّتي الأولى في المدرسة الإعدادية، وهي قصّة رمزية عن عصفور نال منه الجنود وحبسوه كرمزيّة الليل والشجر والأرض والإنسان الفلسطيني، وقد واجهتُ معلمة الفصل التي أشادت بالقصة، لكنّها أخبرتني أن أكتُب قصة أخرى لأنّها لن تعتمدها، فهي لا تريد قصصًا سياسية! شكرتها في روحي وعقلي بعد سنوات طويلة من عدم القدرة على إدراك المَعنى. كيف هي قصّة جيدة وجميلة ومكتملة العناصر لكنّها لن تقبلها في المَسار التعليمي؟ كان يجب أن أُدرك ما يحيط بنا من مواجهة للسردية ومحاربة لها منذ نعومة أظافرنا، شكّل لي التّحدي عنادًا أدبيًا أكبر لأبدأ بكتابة كلّ ما يرويه أبي من حكايات النكبة والتهجير واللجوء وقصص المخيم فباتت هذه قصّتي وقضيتي. كانت فلسطين ولا تزال الأم التي احتضنتنا، وعلى الرغم من معايشتي لعدوانات واعتداءات الاحتلال الإسرائيلي المتكرّرة على غزة كوني ولدت في رفح، فإن فلسطين كانت تعني الصباح والليل، تعني الحلم والحرية، تعني الوجود والمَعنى، تعني أننا هنا وأنّها هنا في قلوبنا وأرواحنا، وكلّ ما عانيناه منذ نعومة أظافرنا لم يكن خيارًا بقدر ما كان طريقنا الوحيد نحو الحرية والوطن!

كيف يمكننا أن نصنَع المَعنى رغم الإبادة والدمار؟!

لم تكن فلسطين شعارًا ولا خريطة مقتولة ومقسَّمة، وليست حدودًا مسلوبة، بل هي نحن ونحن هي، فلسطين هي الضمير الحيّ المتبقي في عالم تتحكّم به القوى الظلامية، وما بعد الإبادة في غزة وتدمير الروح والمدن والإنسان، فإن هنالك هدفًا لا يزال يتشكّل ما بعد الطفولة والشباب والنضج، وهو سؤال يؤلِم بقدر ما يبعث الأمل في حياة بلا حياة: كيف يمكننا أن نصنع مَعنى الحياة وسط الخراب والحزن والفقدان والدمار؟

إنها فلسطين التي تمنحنا أنفاسها لنواصل النجاة، فعدالة قضيتنا، وذاكرة أجدادنا وآبائنا هي ميراثنا، وهي معنى الحياة ومعنى الأمل، ولولا فلسطين في وجداننا وروحنا لكنّا مجرد ذكرى في كتب التاريخ، لكننا بفضلها ندرك أننا شعب يستحق الحرية وسينالها أو ستنالها الأجيال الفلسطينية القادمة.

أدركتُ باكرًا أن الذاكرة ليست شيئًا يروى، بل شيء يورث! وحين بدأتُ أكتب، كانت حاضرة منذ الكتابات المبكرة الأولى، كبرتُ وبقيت ألوان العلَم هي وجهتي، ورغم شرعيّة الأحزاب والفصائل كأداة فعل ومشاركة سياسية لكنّي لم أنتمِ لأيّ منها، فجميعها كنت أعتبرها قد ولدت من رحم المعاناة لأجل أُمّنا فلسطين.

 لم أتمكّن من تجاوز حكايات الطفولة والانتماء للمخيم أصل الحكاية، فقد رضعتُ حكايات النزوح والتهجير التي عاناها أبي وأمي والأجداد، وتلك النكبة القاسية التي ظلّا يعانيان منها، خاصة بعد ترويع الفلسطينيين بمجازر دير ياسين والطنطورة واللد وغيرها من مجازر كان لها بالغ الأثر في انقلاب حياتهما رأسًا على عقب! فقد أُجبروا على الهجرة من قراهم إلى غزة، ومن ثم إلى رفح، لينقذوا ما يمكنهم إنقاذه من حياة مستمرة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

لقد رحل والدايَ وكنّا لا نزال وقتها في مخيم الشابورة، رحلا وقد ترك أبي كلّ الحكايات في رقبتي، بينما تركت أمي أثوابها المطرَّزة بين يديّ، كانت لهما مقبرة أزورهما كلّما نال مني الاشتياق في رفح، اليوم لم أعد أزورهما، فقد دُمرت رفح ودُمرت المقابر ودُمر البيت ودُمر الطريق إليهما، ولم أعد في الوطن!

لكن كلّ ذلك أصبح عضلة أخرى في قلبي، وجناحًا بزغ في روحي لأحمل الوطن أينما باعدتني المسافات، إنّها حكاية شعب وليست حكايتي الفردية، ستجدنا في كلّ زوايا الكوكب، وفي مهجة قلوب الملايين ننبض بالحقّ والعدالة والكرامة والإنسانية.

إن فلسطين وغزة في قلبها هي من يَخلق المَعنى وسط الخراب والرّكام، وروح بحرنا وسماء مدينتنا مهما اتّشحا بالسواد فهُما ملاذنا في الغربة، ومحطّتنا أحياء أو أموات هي فلسطين الروح، وليست فقط فلسطين الجغرافيا، فحب الوطن والانتماء له هو حياة كاملة، ومهما طالت سنوات الاحتلال الإسرائيلي فإن فلسطين ستكون حرّة يومًا ما!

 

أونتاريو- أوتاوا


[1] قرية تل الترمس تقع شمال شرقي مدينة غزة بنحو 38 كم، على الطريق المؤدي إلى المجدل (عسقلان)، كان عدد سكانها عام 1945 نحو 760 نسمة، أما مساحة الأراضي فكانت نحو 11,508 دونمات، احتُلّت وهُجّر أهلها: في تموز/ يوليو 1948 خلال عملية عسكرية نفذها لواء "جفعاتي"، ومن القرى المجاورة لها: المسمية الكبيرة (شمالًا) قسطينة (شمال غرب) البطاني الغربي (غربًا) الجلدية (جنوبًا) بعلين (جنوب شرق) تل الصافي (شرقًا).

هداية صالح شمعون

كاتبة وإعلامية فلسطينية من غزة - رفح.

رأيك يهمنا