فِلِسطين ومخطَّط "أَرضٍ بِلا شَعب"

لَم تَرتُقْ ردة فعل الفلسطينيّين بالضّربات الصاروخية الإيرانيّة على الكيان الإسرائيلي ذلكَ الفَتقَ في النّسيج الوطني، الذي اتّضح اتّساعُه الآخذ بالازدياد منذ السابع من أكتوبر عام 2023. إذ لَم تشهَد الساحة الفلسطينية الداخلية فَقرًا سياسيًا بهذا القَدر، لاسيّما على المُستوى الشعبي. ربّما هذا تطوُّر طبيعيّ في بنية العَلاقة بين القيادات والشعب، نظرًا لانعدام حاجَة الأُولى لإثبات صلاحيّتها طالما أنّ استمرار وُجودها لا يتطلّب انتخابًا دوريًا. وبالتالي لا يوجد صَدى لأصوات النّقد التي عَجزت -على كثرَتها- عَن تشكيل معارضة ذات منهجيّة فاعلة قَبل فَوات الأَوان.

لكنْ، هل فعلًا فاتَ أَوانُ إِحداث تَغيير في الشّأن الفلسطيني الداخلي مِن شَأنه خَلق أرضية وطنية واضحة المَعالم ليَستندَ عليها شعبنا في سِجاله المستمرّ من أجل التصدّي لمخطّطات الاحتلال المعلَنَة؟ ولِمَن يمكن تَوجيه هذا السّؤال في الوقت الذي اختارَت فيه النُخب السياسية والثقافية الفلسطينية اتخاذ دَور المحلّل السياسي، والمتنبئ بنوايا الاحتلال، ومُحاوَلة رَصد تغييرات مَوازين القوى الإقليمية والعالمية؟ ففي ظلّ الغياب الحزبي، وانكفاء النُخَب في زاوية التأمّل ورَصد الأَحداث، وَجَد المُواطن الفلسطيني نفسَه يَعيش في عَراء تامّ من أيّ ضَمانات دوليّة لحمايته مِن التّنفيذ العمَلي لمخططات حكومة اليمين الإسرائيلي المتمثّلة بالتهجير في غزة، وضمّ أراضي الضفة الغربية.

نَحن في الواقع أَمام تَقويضِ دَور السلطة الفلسطينية في الضفة الغربيّة، وقد تخلّت السلطة بدَورها عن مسؤوليّاتها المباشِرة وغَير المباشِرة، بدءًا من حِماية السيادة على المدُن الرئيسة، إلى حِماية حُقوق ملكية الأراضي الفلسطينية -حيث أَقدَمَت منذ أكثر من عام على إيقاف أَعمال دائرة الطابو وتَثبيت ملكية أراضي المواطنين بشَكل نهائيّ دون تقديم تَفسير يُذكَر- انتهاء بالعَجز السياسيّ في الشّأن الغزيّ، وانعدام القُدرة على فَرض مبادَرَة تَسوية تَضمن الوُجود الفلسطيني الرسميّ في غزة، ورأْب الصّدع الفلسطيني الذي خلقه الانقسام. إضافة إلى تَجميد مَلف القدس، وتَجميد الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة، والتّراخي في التحرّك بشكاوى قانونية عربيًا ودوليًا، أو على الأقلّ محاولة طَمأنة المواطن الفلسطينيّ عَبر خِطاب مباشِر تَشرَح فيه خطواتها الوقائيّة، إن وُجِدت.

إنّ هذا الواقع لا يُنتِج في الفَضاء الفلسطيني العام سِوى الأَسئلة حَول هذه العُزلة التي فُرضت داخليًا على القضية الفلسطينية، في الوقت الذي نالَت فيه فُرصة البروز عالميًا، وتمكّنت السرديّة الفلسطينية مِن تحقيق نَجاح هائل أدّى إلى إِحداث تَغييرات مهمّة في الرأي العام العالمي.

وبِما أنّ المشهديّة البانوراميّة للعالم تتعرّض لتغييرات سياسيّة ومفاهيمية في ظلّ توقّعات وشيكة بانقلابات في الموازين المؤثّرة على الإقليم والعالم نتيجة الحَرب الإيرانية الإسراأمريكية، في وَسَط كلّ هذه التّغييرات يَبقى السؤال الوجودي الذي يؤرّق الشعب الفلسطيني حول الإمكانية المتاحة للقضية الفلسطينية بإيجاد مكانها الصحيح؟ وهل يوجَد أُفق للعودَة إلى أُسس خُطة التّحرير وتقرير المصير؟ أَم أنّ دورها، أيّ القضية الفلسطينية، في هذه المرحلة سَوف لن يتعدّى كونَها المنعَطَف الحادّ الذي حوّل المَشهد إلى مَشهد ما قَبل السابع من أكتوبر ومَشهد ما بعده؟

لكنْ، عندَ إدراك دَور فلسطين المفصليّ، الذي نَشَأ مُنذ وقوعِها تحت الاحتلال الإسرائيلي، ونظرًا للتّجاذبات السياسيّة والتّسويات المصالحيّة والتحالفات العسكرية التي تَناوبَت عليها كلّ من إسرائيل وأمريكا لتَشكيل محيط آمن للكيان المحتل منذ إقامته في المنطقة، علينا أَن نستقرئ المرحَلة القادمة، التي لن تنعم فيها المنطقة كلّها بالهدوء إلّا إذا توفَّرت شروط حقيقيّة لفرض السلام والاستقرار، لكنّ تلك الشُّروط مرهونة بمنح الاستقلال السياسي والاقتصادي للشعب الفلسطيني، وتوفُّر حلول أَمنية دائمة في الإقليم، هذه شروطٌ يَستَحيل توفّرها في ظلّ تعنّت الاحتلال الإسرائيلي وتَساوُق سياساته "الطائشة" مع طُموحات يمينِهِ المتطرّف بإقامة دولة إسرائيل الكبرى. إلّا إذا عَقَدنا الرهان على أن تكبّد إسرائيل خَسائر هائلة جرّاء حربها على إيران، قد سيؤدّي إلى تأجيل تنفيذها بعضَ مخططاتها. 

أمّا لمن يعوّل على تغييرات سياسيّة في الشّأن الفلسطيني جَراء الحرب الإيرانية الإسرائيلية فهذا أَمر بَعيد المَنال، لأنّ هذه الحَرب لم تقُم بسبب الانتهاكات الإسرائيلية بحقّ الشعب والأرض الفلسطينيين، وإن كانت قد تبدو للبعض حربًا شافيةً لصدور المظلومين، فإنّ القضيّة الفلسطينية لَن يكون لها أيّ وجود على الطاولة في حال جَلَس الطّرفان للتفاوض. أَمّا إذا استمرّت هذه الحرب مدةً طويلة وتحوّلت إلى حَرب استنزاف تزامنًا مع الوَضع الاقتصادي والأمني الراهنين في مناطق الضفة، والوضع الكارثي في قطاع غزة، فسيكون لزامًا على الفلسطينيين فَرض رؤية مستجدّة وجامعة ليتسنّى لهم تَوفير سُبل الثّبات على الأرض.

هذا ما يُعيدُنا دومًا نحن الشعب الفلسطيني إلى مُربّع مهشّم الزوايا، مُفتقرين إلى خطّة واضحة وموحّدة. ونبقى في زاوية انتظار نتائج التطوّرات الخارجية، ورَصد الاصطفافات العربية، وتَعظيم انشقاقاتنا الداخلية على حجم تلك الاصطفافات.

ريتا طه

كاتبة فلسطينية.

رأيك يهمنا