في الحركة السياسيّة: أسئلة تفتحُها الانتخابات ولا تُجيب عنها

يتوخّى هذا النص قراءة أوليّة لما هو حاصل في المعركة الانتخابية الحالية للكنيست الإسرائيلي وانعكاسها على الفعل السياسي للأحزاب العربية، بالإضافة إلى تحديات تكشفها الانتخابات ولا تجيب عنها، وقد يكون لنتائج الانتخابات بعض من التعاطي معها. أما الأسئلة التي دون إجابة مفادها الحاجة إلى حوار واسع، فالحركة السياسية لا تستطيع ذلك بمفردها، والدليل هو حالة الاستعصاء القائمة نتيجة تقييد أيّ تحرك يتيح المواءمة بين قراءة الحالة والسلوك السياسي، على الرغم من مرور ثلاث سنوات على واقع تتحكم فيه الذهنية الإباديّة التصفوية للوجود الفلسطيني أينما كان. كما أن النخب الثقافية والأكاديمية لم تقدم تصورًا شاملًا متكاملًا لمسار عملي مغاير لما كان قبل تشرين الأول 2023. قُدّمت اجتهادات جدّية ومُثرية ومُلهمة، لكنها لا تكتمل إلا إذا ترافقت مع الحركة السياسية وكانت تشاركية مع الاجتهادات والحراكات المعنيّة. كما يتوّقف النص عند بعض التحولات في طبيعة الحركة السياسية العربية.
من حيث المبدأ، لا توجد أسئلة مؤجلة، بمفهوم أنه لا موعد للأسئلة أو موعد للصمت عن الأسئلة أو السعي للإجابة عنها. لكنها ستتضح أكثر بعد الانتخابات، حيث من المتوقع نشوء واقعٍ سياسي مختلف مهما كانت النتائج. كما تأتي الأسئلة أيضًا من متابعة مسار محوره الاصطفاف الذي سيخوض الانتخابات من خلال كتلتين متوافقتين على إسقاط الحكومة الإسرائيلية الحالية ومختلفتين على ما بعد الانتخابات. وأين الهمّ الفلسطيني العام في المعركة الانتخابية؟ ولماذا يتراجع منسوبه أمام ما يمكن أن نطلق عليه انكماش الأفق السياسي العام، لصالح الهمّ المعيشي والبقاء؟ وهذا التشخيص ليس تهمة أو انتقادًا، إنما هو واقع في جوهره قسريّ، لكنه يتحوّل حين يستديم إلى سلوك أقرب إلى الطوعي، وإلى سقف سياسي.
ربما تدرك الحركة السياسية نظريًا ما هو أفق تطلعاتها، إلّا أنها لم تتمكن من بلورة برنامج حقيقي لبلوغ هذه التطلّعات أو حتى كيفية التحرّك باتجاهها. هذا لا ينفي أننا بصدد واقع قهري غير مسبوق، وفي خضمّ الخطر الوجودي تصبح الأولوية للبقاء سكانيًا وكيانيًا، وفي حالات عديدة يتطلب البقاءُ المساومة الحديّة على الثوابت والأخلاق والعدالة، بوصفها الأساس المؤسّس للثوابت الجماعية والتي تبلورها المسيرة الجماعية المتواصلة. وهنا يبرز السؤال: أي مساومة؟ وكيف من الممكن جعلها محدودة من حيث التداعيات، ومؤقتة من حيث الزمن؟ وهل الأمر ممكن أصلًا، وهل يخضع لاعتبارات الحركة السياسية؟ إنها ليست مسألة نظرية بل تتجلّى برلمانيًا في أبحاث لجنة الانتخابات المركزية التي تلعب دور محكمة سياسية ميدانية عنصرية، أو خارج البرلمان حين تلجأ القيادات السياسية إلى المحكمة الإسرائيلية ضدّ منظومة الملاحقات السياسية القاهرة.
هناك فارق بين تحديد الهدف الانتخابي بإسقاط الحكومة الحالية ومركباتها -وهذا أساسي وضروري وحتى مفصلي- وبين ألّا يتم ذكر فلسطين ولا قضيّتها ولا الاحتلال والاستيطان والإبادة. وعندها يُطرح سؤال آخر، هو: ما الفرق بين طرح "المشتركة" و"الموحدة" في هذا الصدد؟ وهل يتم تفريغ التعدّدية من السياسة؟ أو ما الفرق بين الطرح المذكور والتوجّه العنصري الوصائي لخطاب "بماذا يخدم النواب العرب جمهورهم، ولماذا ينشغلون بفلسطين"؟
هنا يأتي التمايز في الموقفين، بحيث لاءمت "القائمة الموحدة" نفسها لهذا الاعتبار باعتماد البراغماتية بما فيه الإيغال فيها نحو التنازل عن أحد أهم أركان رواية فلسطين – النكبة – وصيغتها بصدد الدولة اليهودية، بينما رفضته "المشتركة" واعتمدت ثوابتها رغم تراجع ما في وضوح برنامجها، وهذا ما يتّضح عينيًا في المطويّة الانتخابية الأولى تحت عنوان "بأيدينا نغيّر"، وهي مطويّة مهمة وأساسية لكنها للأسف مبتورة. مسألة البرنامج السياسي جوهرية، وهي تعبير عن قناعة بالمسؤولية السياسية والأخلاقية الدائمة تجاه واقعنا بوصفنا مواطنين في إسرائيل، وكامل الشعب الفلسطيني وقضية فلسطين. محليًا كشف الجدل الانتخابي عن أن البراغماتية السياسية أبعد من حدود العمل البرلماني، بل هي على جدول أعمال اللجنة القُطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، كما طُرحت على جدول أعمال لجنة المتابعة العليا بصدد ما يمكن تسميته الخدمة المدنية البديلة؛ أي أن الموقف منها يتجاوز مفهوم الثوابت الوطنية.
في بنية الحركة السياسية
من متابعة الأمور، هناك ملامح تغيير في وجه الحركة السياسية العربية في مناحٍ عدة؛ يتجلّى الأمر في المفهوم الاعتباري "الحزب القائد"، والتوجُّه الدَّمْجيّ، وسقف المعارضة، ومفهوم الشراكة العربية اليهودية.
تطرح الحملة الانتخابية الحالية للكنيست الإسرائيلي العديد من الأسئلة حول طبيعة الحركة السياسية بأحزابها وحركاتها، وحول الهوية الاجتماعية، وكذلك حول الرتابة التي سادَت لعقود في وجود الحزب القائد، والتحول حاليًا إلى ثلاثة معسكرات. حيث القائمة المشتركة بمركباتها الثلاثة والدور الأكبر للجبهة، ومقابلها القائمة العربية الموحدة بحزب واحد بات تيارًا له قاعدة تأييد واسعة وثابتة، وحراك المقاطعة الذي له جذور تاريخية وطنية من دون تحوّله إلى مشروع سياسي قائم بذاته خارج سياق انتخابات الكنيست، وهو مسألة تستوجب النقاش حول أفقه في ظلّ الأخطار الوجودية القائمة، على مستوى الجماهير والشعب والقضية.
الأولويات أمام الخطر الوجودي
أحد مظاهر الانتخابات الحالية التي يُجمَع عليها أنها تأتي في ظرف من الخطر الوجودي، الذي لا يهدد المواقف والصوت السياسي فحسب بل فعلًا يهدد الوجود السكاني والكياني الفلسطيني وبشكل مباشر. بناءً عليه: أين البرنامج السياسي للتعاطي مع هذا الخطر؟ وهل ينحصر الرد في التراجع عن بلورة مشروع سياسي متكامل ولا يتعدى سقفه قضايا الجماهير العربية في الداخل؟
في حين يقف المجتمع الفلسطيني أمام بُعد آخر للتحدي الوجودي – بمفهوم تفكيك المجتمع وتقويضه داخليًا – ألا وهو منظومة الجريمة ووظيفتها في سياسات الدولة، فعليًا يرى الناس أن الأولوية هي لمواجهة منظومة الجريمة بكل تداعياتها الفتاكة وحصريًا تجاه جيل الشباب ومستقبلهم وأحلامهم، وسؤال الهجرة في التفتيش عن الخلاص الفردي.
لو كانت "لجنة المتابعة" في وضع معقول لكانت ستحمل هذا الهمّ، لكنّ هشاشتها البنيوية والأدائية تعود وتلقي المهام على عاتق التمثيل البرلماني غير القادر بنيويًا على تحمل مسؤولية تنظيم المجتمع أو حتى قيادته.
المعضلة هنا هي أنه في حال تحميل جدول أعمال العمل البرلماني قضايا لا يملك القدرة على متابعتها فعليًا، فإنها تعني أنّ الحالة ستدوم وتتأزم أكثر. ناهيك عن أن هيئاتنا لا تتجدد، ومغلقة أمام اجتهادات شعبية معينة، هذا في لجنة المتابعة، وهو ينطبق أيضًا على الاصطفاف السياسي البرلماني الذي لا يحتمل دخول أي حزب جديد كما حصل مع حزب "لكلنا مكان" الذي تتطابق مواقفه مع سقف الكتلتين الحاليتين.
الشراكة العربية اليهودية – أربع صيغ
تاريخيًا كان الحزب الشيوعي، ومن ثم الجبهة، الإطار الذي يعرّف هويته بأنها عربية يهودية مُدمجة ويحرص عقائديًا واستراتيجيًا على التمثيل اليهودي في قائمته الانتخابية والأكبر من وزن التأييد الشعبي اليهودي. في سنوات الثمانين ظهرت القائمة التقدمية للسلام على أساسٍ تحالفيّ لا دَمجيّ بين الحركة التقدمية وحركة "الترنتيفا" لكنها لم تبق طويلًا. حاليًا فإن التطور اللافت هو أنه لم يَعُد هناك نمط واحد للشراكة العربية اليهودية بل أربعة أنماط: الحزب الشيوعي والجبهة النمط التاريخي، نمط التجمع القائم على انضمام يهود إلى حزب عربي فلسطيني دون اعتباره يهوديًا فلسطينيًا، والقائمة الموحدة عبر شراكة تحالفية عربية يهودية من التيار المركزي الصهيوني سعيًا للشراكة في الائتلاف الحاكم. فيما النمط الرابع تمثّل في حزب "لكلنا مكان" العربي اليهودي برئاسة مشتركة لامرأة عربية ويهودي.
لا تبدو هذه الأنماط ظواهر عابرة، بل من المتوقع أن تتعزز وحصريًا في سياق ترسخ المنظومة الفاشية في إسرائيل وتحولها إلى تيار متسيّد، ومن المتوقع أن تطرح العديد من الأسئلة بصدد سقف العمل السياسي وهويته ومفهوم التوجه الدمجي أو الانفصالي، وأثر ذلك على الخطاب السياسي، وهل هذا التوجّه وظيفي للحماية أم هوياتي عميق، وأثره اللاحق على المواقف من تطبيع فكرة الاندماج وحدودها، وفي المقابل من تعزيز مكانة الجماهير العربية الفلسطينية وتقويتها، وما الثمن.
مرجعية مجتمعية، هل هذا ممكن؟
استحوذت على الحملة الانتخابية مسألة التحرش التي عصفت بالحزب الشيوعي والجبهة؛ وتحوّلت إلى صدارة النقاش المجتمعي والسياسي على السواء. وقد طرحت أفكار ومقترحات حول كيفية التعاطي معها وحصريًا في سؤال من يحدد الحقيقة أو ينظر فيها. إن مسألة المرجعية الاجتماعية تختلف جوهريًا عن المرجعية السياسية. المرجعية السياسية توحّد الصوت والموقف أو تحدد سقفًا مشتركًا للتطلعات وتَجمع أوساط المجتمع كافة دون استثناء جهوي أو مكاني أو هوياتي، فيما المرجعية الاجتماعية تبدو غير ممكنة لأنها تقوم بنيويًا على الشروخ الاجتماعية وليس على وحدتها. رغم أن الفكرة تبدو قابلة للتطبيق ومنطقية فإنها بعيدة عن ذلك. وهو سؤال مفتوح ويبدو أنه سيبقى مفتوحًا.

أمير مخول
الباحث في مركز تقدّم للسياسات.



