تَصويت الدروز للكنيست السّادس والعشرين

عادة ما يصوّت الدروز في إسرائيل من منطلقٍ براغماتي، مع وجود نواة صغيرة فقط، تصوّت أيديولوجيًا أو حسب دوافع الهوية. يَنظر الدروز، بصفتهم أقليّة صغيرة داخل أقليّة، إلى البراغماتية على أنها ضرورة وجودية تقريبًا للحفاظ على مصالح المجموعة.
خلال انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين، انخفضت نسبة مشاركة الدروز إلى 49٪، مقارنة بنحو 70٪ في انتخابات الكنيست الثالثة والعشرين، التي تم فيها إدراج عدد من مرشحيهم في قوائم أحزاب مختلفة.
يشكل عدد الناخبين بين الدروز نحو 90,000 صوت. يجب أن نضيف الناخبين في هضبة الجولان، نحو 6,000 صوت، معظمهم لا يصوتون، لذا لن أشير إليهم هنا. في وقت كتابة هذا النص، لا أملك سجل الناخبين، لكن من حساب أوّلي، يتبيّن نسبة الناخبين الدروز تمثّل فقط 1.31٪، وهي نسبة هامشية من حيث قدرتهم على التأثير، وبالتأكيد مقارنة بمعدل تمثيلهم العالي نسبيًا من حيث الكمية، على مرّ السنين.
يصوت الدروز عمومًا لمعظم الأحزاب، في حين أن نسبة مشاركتهم في الأحزاب العربية منخفضة، وتتركز هذه النسبة في التصويت لـ "الجبهة". يحصل "التجمع" على نسبة متدنية من الأصوات، بينما نادرًا ما تفوز "الموحدة" بأيّ دعم، بطبيعة الحال. في الانتخابات الأخيرة صوّت 5٪ فقط من الدروز لصالح "الجبهة".
أعتقد أنه من الأهمية بمكان التنويه بحزب "العربية للتغيير" وعضو الكنيست د. أحمد الطيبي الذي يحظى بتقدير كبير في أوساط الطائفة لما يقدّمه من مساعدات في كل مجال، واستعداده لتقديم المساعدة في أيّ توجه إليه (أنا شخصيًا تواصلت معه بأمور عدة تتعلق بالطائفة وقدّم العون فورًا، وهذا ما ذَكَرته أيضًا شخصيات درزية عدة، بمن فيهم رؤساء سلطات محلية). لكن كون "العربية للتغيير" لم تخض الانتخابات بمفردها يصعب فحص مدى الدعم لها.
في انتخابات الكنيست الأخيرة، حصلت الأحزاب اليمينية على نصف أصوات الدروز، مقارنة بانتخابات الكنيست الرابع والعشرين، حيث حصل اليمين على أكثر من ثلثي أصواتهم، بسبب وضع مرشحيهم في مواقع واقعية أو شبه واقعية في القوائم الانتخابية للأحزاب. وهكذا، حصل حزب "إسرائيل بيتينو" على 13٪، الذي وضع مرشحًا، هو عضو الكنيست حمد عمار، في موقع واقعي منذ الكنيست السابع عشر. وحصل الليكود على 11٪ لأنه وضع مرشحًا في موقع غير واقعي في قائمته، لكن هذا المرشح دخل الكنيست على أساس النظام النرويجي. ينطبق الأمر نفسه على عضو الكنيست أكرم حسون من قائمة جدعون ساعر. أما بالنسبة للانتخابات القادمة، فهذان العضوان مدرجان في مواقع غير واقعية، مما يخفض فرص التصويت لحزب الليكود.
قبل الانتخابات القادمة: الاتجاهات، أنماط المشاركة، واتجاهات التمثيل
شكل قانون القومية خيبة أمل كبيرة للدروز، الذين كانوا يعتقدون أن الخدمة العسكرية ستجلب لهم المساواة المدنية. وقد عُبّر عن هذا الإحباط في المظاهرات والمقالات والنشاط المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك، استمر انخفاض معدل المشاركة السياسية في انتخابات الكنيست منذ 2018 حتى الانتخابات الأخيرة.
مع ذلك، تسببت أحداث السويداء الصيف الماضي في تحوّلات عدة بين الدروز: زيادة كبيرة في نسبة الحاصلين على الجنسية في هضبة الجولان (تبلغ الآن 44٪ من إجمالي السكان)، بالإضافة إلى تحوّل نحو اليمين ودعم الليكود، في ضوء أن نتنياهو ووزير الدفاع كاتس دعما الدروز في سوريا ضد الإسلاميين المتطرفين بطريقة صارمة ورادعة.
في الوقت نفسه، بدأ الدروز يناقشون بشكل أعمق جوهر التمثيل البرلماني وطبيعته. إذ أدرك جيل جديد من الشباب المتعلمين أن وجود عضو درزي في الكنيست لم يكن كافيًا، وأن قدرته على التأثير لم تكن كافية ولا مؤثّرة.
لقد دفعت حقيقة أن أعضاء الكنيست الدروز، بمن فيهم أعضاء الائتلاف، لم يتمكنوا من حلحلة أيّ قضية كبيرة تقريبًا، العديد من الشباب للتساؤل عن جوهر التمثيل وفائدته، فهم لم يحصلوا على أيّ إنجاز، ولا وضعوا أيّ مخطط لمسطحات القرى، ولا حتى وصل بيوت بالكهرباء، أو تحسين الوضع الاقتصادي.
وقد تفاقم هذا الاتجاه بسبب سيرورة ممثلي الدروز المنتخبين في الكنيست، مثل حمد عمار، الذي انتخب للكنيست منذ 17 عامًا ولم يتمكّن من الترويج لمبادرة مهمة للمجتمع، وكذلك أعضاء الكنيست من الليكود، مثل فطين ملا وعفيف عبد، اللذين لا يمتلكان المهارات اللازمة لمعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية المهمة. بل على العكس، فهُما، وكذلك آخرون مثل أكرم حسون، صوتوا كثيرًا ضد المواقف الدرزية الأساسية في قضايا مختلفة.
نتيجة لهذا التطوّر، تم تأسيس حزب درزي جديد باسم "بريت أخيم"، برئاسة ضابط درزي من المغار، هو وجدي سرحان. سعى هذا الحزب إلى تغيير قواعد لعبة الأحزاب القائمة، التي تنتخب بنفسها مرشح الدروز، الذي -حسب ممثلي الحزب الجديد- غير فعّال ولا يعالج فعليًا القضايا الأساسية التي تهمّ المجتمع، وطالب بتغيير المعادلة بحيث يختار الدروز أنفسهم ممثلهم (رئيس هذه القائمة بالطبع). على الرغم من أن رئيس القائمة قام بتحضير واسع النطاق، فإن فعالية إشهار تأسيس الحزب، وهي الحدث الوحيد المهم الذي قام به مؤسّسوه، كانت مليئة بالإخفاقات الأساسية التي لا تدل على فهم المجال السياسي وتعقيداته. على أيّ حال، فُرص مثل هذا الحزب معدومة، نظرًا لاتجاهات تصويت الدروز، وغياب البنية التحتية التنظيمية والأيديولوجية الأساسية. تُرك هذا الحزب جانبًا من قبل الأحزاب التي كان من الممكن أن تتبناه وهذا نذير بانهياره المستقبلي، إلى جانب حقيقة أن الحزب لم يتمكن من تسويق نفسه بين الدروز أو بين الأحزاب، بما في ذلك أحزاب جديدة وذات طابع عسكري مثل "ياشار" (أيزنكوت).
في الوضع الحالي، يبدو أن نسبة المشاركة بين الدروز ستزداد، حيث يدور النقاش حول الحاجة إلى النفوذ والتعبئة لمساعدة إخواننا في سوريا. لذلك، من المرجّح أن يحصل الليكود على حصة محدودة من الأصوات، بفضل موقف نتنياهو وكاتس. حزب آخر سيحصل على نسبة صغيرة أو حتى صفرية من الأصوات هو قائمة "الديمقراطيون"، حيث تنافس عدد من المرشحين الدروز نيابة عن ميرتس وحزب العمل السابق، ولم يصل أيّ منهم إلى مركز متقدّم (أُدرج علي صلالحة من ميرتس في المركز الثامن عشر غير المضمون، ووصل آخرون إلى أماكن نائية جدًا بدون دعم يذكر، وحصلوا على عدد أصوات هامشي في الانتخابات التمهيدية).
الحزب المرشّح للحصول على نسبة كبيرة من الأصوات بين الدروز هو حزب "ياشار" برئاسة غادي آيزنكوت. أولًا، لأن العديد من الدروز خدموا تحت قيادته ويعرفونه من إطار الخدمة العسكرية ويقدرونه. ثانيًا، وضع اللواء كميل أبو ركن في موضع متقدّم وواقعي، وهو ما يلفت انتباه الدروز مرتين: الأولى أن أبو ركن في مكان مضمون ويتوقع أيضًا أن يلعب دورًا مهمًا نيابة عن الحزب، والثانية أنه يمكنه بوصفه لواءً العمل من داخل النظام العسكري لدعم الدروز في سوريا، وهي القضية الرئيسة التي تشغل الدروز الآن. هذا الأسبوع، أقيم سباق لـ "أولاد الدروز" التقليدي تخليدًا لذكرى شهداء الدروز، شارك فيه أيزنكوت نفسه مرتديًا قميصًا عليه علم الدروز. التقط العديد من المشاركين الصور معه، وكان واضحًا أنهم يكنون له إعجابًا ومودة كبيرة، وأنه كسب قلوبهم.
بالإضافة إلى ذلك، هناك ناشط درزي، هو رئيس مجلس عسفيا السابق، بهيج منصور، انضم إلى قائمة "معا" (بينيت-لبيد)، لكنه ليس في موضع واقعي، وعلى أي حال فإن الحزب لا يسلط الضوء عليه على الإطلاق. لذلك، من المرجح أن يحصل على عدد محدود من الأصوات، استنادًا لدعم العائلات في قريته. وكذا سيحصل أكرم حسون على أصوات محدودة، خاصة أبناء عائلته والعائلات التابعة لها من دالية الكرمل، وبعض الأصوات في القرى التي ساعد فيها بتعيين دروز في وزارة الخارجية، بمن فيهم سفير من بيت جن.
وأخيرًا، من منظور الدروز، يجب اعتبار هذه الحملة الانتخابية حملة لدعم الدروز في سوريا، الذين يعانون من الترهيب والإبادة بشكل ممنهج، وما زالوا يعانون من حصار نظام الشرع واضطهاده، ويفوق القلق على مصيرهم القضايا المحلية مثل الاندماج وتحسين الوضع الاقتصادي، وحتى مسألة التخطيط والبناء التي كانت لسنوات شغلهم الشاغل، ناهيك عن قانون القومية الذي لم يعد مركبًا في اعتباراتهم.
الآن، في سياق الانتخابات القريبة، أصبحت القضايا الوجودية التي تقض مضاجع الدروز، خاصة قضية الدروز في سوريا، والتغيرات في الجولان، الدوافع الرئيسة في أنماط تصويتهم.




