غَزّة تُعيدُ تَعريفَ النّزوح

تعدَّدت مفاهيم النزوح وفقًا لمعناه اللغوي والاصطلاحي، لكنّها توحَّدت في كونه التنقّل القَسري من مكان الإقامة الدائم إلى مكانٍ آخر. وفي الحروب، بدأَت التجارب الحيّة تفسِّر أَبعاد هذا المفهوم لتتجاوَز الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، فتشكِّل خليطًا مركبًا ومعقدًا من الظروف الإنسانية المرتبِطة بجغرافية المكان الجديد موقعًا وطقسًا وظروفًا (اجتماعية وصحية وبيئية، و....)، كما ترتبط أيضًا بالمكان المَتروك قسرًا، الذي يُعاد تشكيلُه سياسيًا وأمنيًا وديمغرافيًا بعيدًا عن إرادة أصحاب المكان الأصليّين.

بَعد السابع من أكتوبر، ربّما حان الوقت لتجديد تعريف النزوح وجعلِه أكثر شموليّة، فاليوم، وعلى أَنظار العالَم، وبفَضل الاتصال الحديث وأدواتِه، شاهَدَ العالم بأَسره تجربة النزوح الفلسطينية الأشدّ قسوَة.

كان الفلسطينيون يمارِسون حيواتهم الطبيعيّة كسائر أقرانهم في العالم، فمِنهم مَن كان يستمتِع بإجازته يوم السبت، ومنهم من كان يتحضّر لليوم التالي؛ الطلابُ يحضّرون واجباتهم المدرسيّة والأمهات يتجهّزن للغد، والمُقبلون على الزواج يسعَون لإنهاء تجهيزاتهم، والأسواق تعجّ بالمواطنين كالمعتاد، والمَرضى يتلقّون علاجهم في المشافي والعيادات الطبية، وبينما هم كذلك إِذ بصواريخ وقذائف تَنهال على سماء غزّة، ردًا على الفِعلِ الأمنيّ الصادِر مِن غزة كنوع مِن مقاوَمَة الاحتلال بشكلٍ مختَلِف هذه المرّة.

تَبِع هذه المقذوفات والصواريخ نداءاتٌ عَبر مناشير تُسقطها طائرات الاحتلال ومروحيّاته تدعو الغزّيين لمغادرة الشمال نحو الجنوب، باعتبار الشمال مكان قتال خطر، أُرفقت النداءات بخرائط توجّههم نحو الجنوب كون مناطقه آمنة كما ادّعى الاحتلال.

البيوتُ المُضيفَة

لَم يستَجِب سكان الشمال في بادئ الأمر للمناشير، إلى أَن باغتَهم القصفُ الجنوني الذي استهدف المدنيّين والعمارات، وبدأ الشهداء يتساقَطون بالمئات، ما دَفَع الناس للتوجّه نحو مناطق ربّما تكون آمنة، وهنا بدأَت تتكشّف معالِم النزوح ومآسيه، ومَعنى انعدام المأوى وما ينطَوي عليه من فقدان للآدمية والخصوصيّة ومعاني الإنسانية، حيث تكدّس العشرات في بيوت لا تشبهُهم؛ ليست بيوتهم، عائلاتٌ بأكملها أُجبرت على اللجوء إلى منزل واحد لا يَجمعُها سوى غزّيتها والنزوح، أناسٌ لا يعرفون بعضهم البعض، طباعُهم غير متشابِهة ولا يوميّاتهم واحدة، لكنّهم تقاسموا مرحاضًا واحدًا، ومطبخًا واحدًا، وافترش الرجال غرفةً أو أكثر بينما افترشت النساء مع أطفالهن غرفةً أخرى، لا غذاء يكفي ولا مياه متوفّرة، و لا كهرباء تُنير تلك العتمة المَصحوبة بالمجهول، فالكلّ مجتمعٌ ولا يَعرف ما ينتظرُه، القلَق والتوتّر والشعور بالحرَج هم أَسياد النزوح، فلا يستطيع الرجال التنقّل خِشية انتهاك خصوصيّة النساء، ولا تستطيع النساء التنفّس بخلْع حجابهِنّ مؤقتًا خوفًا من أن يراهنّ الرجال، وأصبح الاستحمام همًّا جديدًا يؤرّق الجميع، فلا مياه متوفّرة، ولا حطبَ كافٍ لتسخين بعض ما تمّ شراؤه من مياه بأثمان باهظة، ولا الشّمعة تَفي بالغرض.

ظروف اجتمعت كلّها معًا وجَعَلت الآدمية أمرًا صعب المَنال، وحُلمًا بعيدًا، ظروف أصبح فيها الإنسان غريبًا عن الإنسانية.

نَحوَ المَرافق العامّة

كما نَزَح العشرات إلى بيوتٍ استقبلَتهم، نَزَح المئات إلى المستشفيات القريبة والمدارس المحيطة ظنًّا منهم أنّها آمنة وخطرُ استهدافها غير قائم، كونهم بالمئات من جِهة، وكون الاستهداف مخالَفَة للقوانين الدولية من جهة أخرى، فاكتظّت المستشفيات وافتُرِشت ممرّاتها ومداخِلها، كما استُبدلت الصفوف المدرسية إلى غرَف يتكدّس فيها الناس عشرات ومئات، إلى أن امتلأَت بالبشر إلى الحدّ الذي لم يعُد بالإمكان استقبال أحد فيها، لا في الساحات التي عجّت بالخيام ولا الممرّات ولا السّلالم.

الانتقال إلى العُصور السابقة

انقَطَع غاز الطّهي، ترافَق ذلك مع قَطع الكهرباء التي كانت أُولى استهدافات الاحتلال، وقَطع المياه، وهنا تحوَّلت حياة السكان إلى جحيم حقيقي، وتكشّفت مَعالم النزوح وطيّاتها، إلى أَن نفَدَت كلّ المواد الغذائية والسّلع الأساسية في بقَع جغرافية صغيرة بمعابِر مُحكمة الإغلاق، وتمّ الانتقال إلى العَصر الحجري؛ الاصطفاف في الطوابير للدّخول إلى المراحيض، والحُفَر الأرضية التي حَفَرها النازحون لقضاء حوائجِهم، الانطلاق في رحلة البحث عن مياه للشرب ومياه للاستخدام، حتى مياه البحر الشديدة في ملوحَتها لم يَعُد الوصول إليها سهلًا، حيث اشتدّت الحرب وأصبحت المَدافع من البحر تَقصف تمامًا كما الجوّ.

الكلُ مكشوفةٌ عَورته، لا خُصوصية...لا آدمية...عُلّقت ملابس النساء والرجال الداخلية على حبالٍ صنعها النازحون في ساحات المَدارس وممراتها، وانقطَعَت فوَط النساء الصحيّة، وأصبح الأمر مكشوفًا للرجال ومفضوحًا حيثُ استَبدَلنَها برقع قماشيّة يقصُصَنها من ملابسهن.

كذلك أمر الرضّع والأطفال الذين فَقدوا أيضًا طفولتهم وأَبسط أَبسط حقوقهم في الحُصول على رضْعات وحفّاضات، حتى عندما تحدّى النازحون ظروفهم والقَهر وقرّروا مواصَلة الحياة، أصبَح الكلّ يَعرف أن هذا الصفّ الذي تمّ تَفريغُه للعرسان الجُدد مشغولٌ الآن ولا يمكن الاقتراب منه.

المَدراس والمَشافي تحت النيران

أمّا الحلقة الأشدّ فظاعةً في النزوح فتتمثّل في تحوُّل المرافِق العامة التي تعجّ بمئات النازحين إلى ساحاتٍ تكدّسَ فيها الشهداء أشلاءً وأجزاءً متناثرة ودماءً مُراقة، حيث المجازر التي لم تَرحم طفلًا ولا شيخًا ولا عاجزًا ولا نازحًا فاقدًا كلَّ ما يملكه، ومن هنا ظَهر مَعلم جَديد للنزوح، وهو افتراش الشوارع وإنشاء الخيام بين الرّدم والشوارع والشواطئ الجنوبية غير الآمنة بحدّ ذاتها.

طَبعًا خَرَجَت معظم المَشافي عن الخدمة، وخَرَج ما تبقّى بشكل جزئي، وافتقر إلى المعدّات الطبية والأجهزة الضرورية لإنقاذ حياة المرضى والخدّج أو حتى لإجراء عمليّات كبيرة، فكثيرًا ما أُجريت عمليات دون تَخدير طبيّ مِثل الولادات القَيصرية وبَتر الأطراف والتّخييط الطبيّ وغيرها.

الجوع والعَدَم

لم يَفقِد الناس بيوتهم وأَمانهم فقط، بل فَقدوا كلّ مقوّمات الحياة بما فيها أرزاقهم ودخولهم، فلَم يعُد هناك أَشغال ووظائف، والموت هو الحالة العامّة والسائدة، فانعَدَم دخْل الأسر، وشحّ كلّ شيء إلى أن انعدَم، وإن وُجد فبأسعار باهظة جدًا ليست في متناوَل العموم، بل مقتصِرة على القادرين وتُجار الحروب، فتحوّل الناس إلى المقايَضَة؛ بمعنى استبدال حاجات يملكونها مع حاجات يحتاجونها مع غيرهم، أيْ أُعطيك جاكيتًا شتويًا مقابل حفنة طحين، أو أُعيرك حذاءً مقابل أن تشحَن هاتفي على البطارية، وانطلَق الناس بحثًا عن لقمة تسدّ الجوع، ولا مانع من تناول عشبة نَبَتت تأكل منها الحمير، إذْ صار طعام الدّواب والناس مشتركًا في بعض المناطق، وراح البعض يَربط على معِدته حجرًا ثقيلًا ظنًا منه أن ذلك يُسكت شعوره بالجوع.

ركَض الناس نحو النقاط الخَطيرة حيث تَرمي الطائرات بعض المساعَدات الإنسانية، ولَم يَعنِهِم كثيرًا الموت قنصًا أو غرقًا، المهمّ الحصول على أيّ شيء يسدّ جوعهم، وتدفَّق المئات نحو جمعيّات توزع كوبونات مساعدات أو طُرود غذائية، جمعيّات مَشبوهَة وذات أَجندات أو مَقاصل موت؛ لم يَعُد هذا أمرًا مهمًا، فالجوع والفقر أشدّ فتكًا.

كلّ ما سَبَق جَعَل للنزوح وجوهًا كثيرة تحتاج إلى دراسات وأبحاث تُعيد تَعريفه، لا أمانَ، لا خصوصيّة، ولا دخلَ، لا مالَ متداولٌ، ولا أمنَ غذائيَّ ولا صحيَّ ولا بيئيَّ ولا اقتصادي.

النزوحُ وفقًا لِما سُرِد آنفًا هو النوم في العراء، العيشُ في الخيام، الفَقر والجوع، المرَض والخوف، هو خلقُ علاقات اجتماعية جديدة تختلف عن العلاقات التي جُبِل أَهل النزوح عليها، هو استغلال تجار الحروب، هو الشحّ في كلّ مقومات الحياة، مع الحاجَة إلى الدواء والعلاج، في ظلّ انتشار الأوبئة والأمراض الجلدّية والباطنيّة وغيرها.

أمّا الأخطَر من كلّ ما سبق، هو الأماكن التي تمّ الخروج منها قسرًا نحو النزوح، فهي مجهولة المصير، سُويّ بعضُها بالأرض على جثثٍ تحلّلت ورحَلت مجهولة ودون وداع، بينما اختفَت مَعالم المناطق التي سكَنها أصحابها على مرّ عقود، واليوم هي أماكن محظورٌ الوصول إليها، لا يَعلم أصحابها إذا تحوّلت إلى ثكنات عسكرية أو تمّ احتلالها بالكامل ومصادرتها كجزء من إعادة احتلال أراضي غزة، ما يُعيد تشكيل ديمغرافية قطاع غزة إلى تكوين جديد.

بمعنى آخر، لا يمكن فَصل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية عند الحديث عن النزوح، فهو الجَمع بينهم جميعًا، يضاف إليهم الأبعاد القانونية والأحوال الإنسانية للنازحين والناجين من الحُروب.


تصوير: المصوّر عبد الرحمن زقوت.

د. ناريمان شقورة

صحافية ومحاضرة جامعية، عملت في مجال تحرير الأخبار وإعداد التقارير الصحافية، وكتابة المقالات، وعملت في مجال العلاقات العامة والإعلام، والعلاقات الدولية، والعمل الأكاديمي، والتدريب.

رأيك يهمنا