عَنْ شَتات بِن نُزوح أُحَدِّثُكُم

عَن شَتات بِنْ نُزوح أُحدّثُكم؛ جاءَنا محَملًا في مَراكِب قادِمَة من أوروبا، حاملًا سوطَ الجلّاد، كاشفًا عن مَشروعِ إحلال غايتُه محْو السكّان الأصليّين، وأدواتُه القتلِ والتّهجير والاحتلال.
هُو كان دائمًا شَتاتَ بِن نُزوح، ذلك الكائنُ الذي أراد محو واقتلاع جذورنا في بلادنا، لا يُشبِه أبي، ولا إخوتي، ولا أبناء عمومَتي في دير البلح، ولا أصدقاءَنا من نابلس، والخليل، وكفر قرع، وحيفا، وقضاء رام الله، لا يُشبِه عيسى ولا موسى ولا محمد عليهم السّلام، لا يُشبِه أيًّا منّا.
أُحدّثُكُم عن شَتات بِن نُزوح الذي لا يُطيق رؤيةَ أَشجارِ الزيتون ضاربةً في الأرض، ولَدَيه حساسيّة من كلّ ما تُخرِجُه منها، لا يُطيق المسخَّن، ولا الخبّيزة، ولا الزّعتر والزّيت، ويَكرَهُ شَقائق النُّعمان كُرهًا أَعمى.
تُصيبُني الدّهشَة أَمامَ العالَم حينَ ينظُرون للنّزوح كأنّه وَليد اليوم، أو كأنّ الشعب الفلسطيني لم يعرِفه إلّا بَعد السابع من أكتوبر. فنُزوحُ اليوم هو الأبُ الشرعيّ لشَتاتِ الأَمس، شَتاتِ اليوم وشَتاتِ الغد.
فلا يوجد فلسطينيّ واحد منذ عام ١٩٤٨ على وجهِ البَسيطة لَم يذُق مرارةَ الشّتات و"يَطَفَحَها".
فنَحنُ كُتب علينا الارتحال/ النّزوح/ الشّتات/ التّهجير/ النّفي/ يومَ وَعَدَ مَن لا يَملِكُ مَن لا يَستحِّق.
نَحن نحمِل حقيبة سفَر وننزَح إلى شَتات الغُربة بحثًا عن جواز سَفَر يُتيحُ لَنا العَيش والحركَة كآدميين، وإلّا سنُعامل معامَلَة الهنود في عهد الاحتلال البريطاني للهند، منبوذين، غيرَ مرئيّين.
ننزَح مِن بيوتنا بلا مَتاع لنُشاهد المحتلّ يَدخُل البيت أمام أعيُننا ويأخذُه بما فيه مِن مَتاع وذكريات وأرواح سكنَته لأجيال، لنذهَب إلى شَتاتِ مستقبلٍ بلا صورٍ قَديمة لأجدادنا وأهلينا نورّثها لأحفادِنا ليعلَموا أنّا كنّا هُنا على هذه الأرض. بلا ثَوب فلسطيني توارَثَته العائلة لأجيال، بلا أَواني طَبخٍ تَفوح منها روائح الأرض.
يأخذون كلّ شيء، ونحنُ نظلّ نُحارِب الذّاكرة كَي لا تَنسى.. لكن نَعيش في رُعب أن نَموت يومًا ما وتَموت ذاكرتُنا مَعَنا.
نُحاوِل أن نخلِق وطَنًا في أيّ مَكان نُشتَّت إليه، فلا نشتَري زيتَ الزيتون من محلّات البَقالة، بل ننتظرُه ليأتي من البلاد، أو نشتري زيتونًا وندّقه على الطريقة الفلسطينية ونخزّنه ليكون مونَة هذا العام إلى أن نتحصّل على أحدٍ قادم من البلاد، ونعلّق صورة خريطة فلسطين على جِدار بَهو المنزل مهما كَبُر أو صَغُر. وتظلّ جَدّاتنا تَحكي بالفلّاحي كنوعٍ من التعلّق بتراب البلاد. أو كما قال الدكتور فيصل درّاج في كتابه "الشتات الفلسطيني: الهوية وحراك الثقافة": "الشتات ليس مجرّد توزيع جغرافي للأجساد في أمكنةٍ غريبة، بل هو سدّ الفراغ الذي خلّفه الاقتلاع؛ فبقدر ما كان النزوح قسريًا وممزِقًا للنسيج الاجتماعي، صار الشتات جهدًا ثقافيًا دؤوبًا لإعادَة بناء 'الوطن-المعنى' في الذّاكرة، ليصبح البَديل الرمزيّ عن 'الوطن-الجغرافيا' المفقود".
نَحمِل القليل مِن متاعِنا (مرتبة سرير، بعض الأغطية، قوارير بلاستيكية لحَمل الماء، بضع ملابس، إبريق شاي، ركوة قهوة، شاحن هاتف متنقل) على عربة يجرّها حِمار في نُزوح قاتل إلى خيمة لا تَقي حرّ الصيف، ولا بَرد الشتاء، ولا جَحيم القصف، في صورَة حَديثة مطوّرة عام ٢٠٢٦ عن نكبة ١٩٤٨.
غسان كنفاني كتب عن النزوح والشتات، إبراهيم نصر الله كتب عن النزوح والشتات، رضوى عاشور كتبت عن النزوح والشتات، محمود درويش، إبراهيم طوقان، إدوارد سعيد، سوزان أبو الهوى، جبرا إبراهيم جبرا، سميح القاسم، فدوى طوقان، إميل حبيبي، مروان برغوثي، تميم برغوثي، يسري الغول، فائقة الصوص؛ لا نستطيع كفلسطينيين أن نخطّ كلمة، أو نسطّر بيت شعر دونَ أن نرسم صورة النّزوح إلى الشّتات.
تُغيّر الشعوب رموز أوطانها حسب الثّورات والحُكام، لكن نحن نُضيف لرموزنا رموزًا جديدة لأنّ حكايتنا وواقعنا واحدٌ في ماضيه وحاضره ومستقبله.
يُحسب لنا أنّا أَضَفنا إلى قاموس العالَم كلمة انتفاضة، ويُحسَبُ على العالَم نفسه وَشْمَ أَرواحنا وأجسادنا بكلمة نُزوح.
يا أيّها العالَم: أدام الله علينا نِعمة القوّة والصّبر إلى أن يأتي ذلك اليوم. يومَ نَعتَلي الجِبال ونَنظُر إليكم تبكون ما آلت إليه أيديكم من دمار.
للتوضيح:
النزوح في اللغة العربية: هو مصدر الفعل "نَزَحَ"، ويعني الانتقال، الابتعاد، أو الرّحيل من مكان الإقامة الأصلي إلى مكان آخر، وغالبًا ما يُستخدم في السّياق القَسري.
الشّتات في اللغة العربية يَعني التفرُّق، التشتّت، والتّباعد، وهو مصدر للفعل "شَتَّ". يُشير المصطلح إلى انفصال المجموعات عن أوطانهِم الأصليّة وتوزُّعهم في أماكن مختلِفَة.
العلاقة بينهما: يأتي النّزوح أولاً كَفِعلٍ وحَدَث، بينما يتبَعُه الشّتات كحالةٍ ونتيجة.

هند أبو سليم
من مواليد غزة عام 1979، حاصلة على درجة البكالوريوس في العلوم الاجتماعية من جامعة UNOMAHA في الولايات المتحدة. كتبت مقالًا أسبوعيًا في صحيفة "اليوم السابع المصرية" مدَّة أربعة أعوام. أصدَرَت أوّل كتبها المَقاليّة عام 2021 بعنوان "في حياتي دولفين"، وتنتظر نَشرَ كتابها الثاني "حقيبة إسعافات أوليّة" (العنوان مؤقَّت).



