هندَسَة النّزوح: تَشريحُ الإِبادَة الاجتِماعيّة في القُدس

على الرغم من كلّ العَقَبات ما زال المقدسيّون عامة، والأُسرة المقدسيّة خاصة، صامدين يتحدّون المنظومة الإسرائيلية التي تهدف لزعزعة وجودِهم عَبر تضييق الخِناق الممنهَج. إنّهم يواجِهون «منظومَة تطفيش» تتقاطَع فيها مختلف الإجراءات؛ بدءًا من الضرائب البلدية الباهظة، وصولًا إلى استهداف «حقّ الإقامة» وعرقلة لمّ الشمل. كما تكتمل هذه التروس بفرض «حصار مكانيّ وبصريّ» شامل يهدف إلى فرض سيادَة تهويدية على مشهَد المدينة، لتغيير هويّتها وعرقلة حريّة العبادة والوصول إلى المساجد والكنائس؛ ما يجعل البقاء الفلسطيني في القدس معركة يوميّة لحماية المكان وصون قدسيته من الّتغييب.

لا تقتصر الخطورة الحقيقية لهذه المنظومة على أَبعادها المادية والرمزية المباشِرة، بل تكمُن في قُدرتها الفائقة على التغلغُل في نسيج الحياة اليومية وجَعل شروط البقاء أكثر هشاشة. فقد سعى الاحتلال إلى إعادة تَدوير المنظومات الاجتماعية القائمة — كَفَهمِ «العيب والشّرف» وخطاب «الحِماية» — وتحويلها من سياقها الاجتماعي الطبيعي إلى أدوات ضّبط وسيطرة؛ حيث يُوظَّف مفهوم «العيب والشّرف» في إطار ترهيب المرأة والرجل من مغبّة الانخراط في أيّ عمل وطني، عَبر «استعمال الإسقاط الأخلاقي كسلاح». يُستدعى هذا السلاح الجبار، الذي استُخدم بصورة مكثفة منذ الانتفاضة الأولى لإقصاء النساء عن العمَل الوطني الجَماعي وتهميشهنّ، اليوم لترهيب أفراد الأسرَة ودفعِهم نحو الانصياع وممارسَة «رقابة ذاتية» صارمة؛ بحيث ينكفئ الأَذى والظُّلم داخل جدرانِ البيت، بدلًا من أن يتفجّر كفعلِ مقاوَمة جَماعيّة في الحيّز العام.

لا تكتَفي السلطة الاستعمارية بالقانون والسلاح، بل تَسعى لضبط الوعي الفلسطيني بحيث يمتصّ أَذاه ذاتيًا ويحتوي غَضَبه داخل مجتمَعه، مما يبدّد إمكانية تحوّل الوجَع الفرديّ إلى فعل نضالي منظَّم. 

وما الاعتداءات والقُيود المفرِطة التي طالَت الوصول إلى الأماكن المقدَّسة في الآونة الأخيرة إلّا تجلٍ صارخ لهذه المنظومة الكلية؛ فهي منظومة تمتدّ خيوطُها من ملفات الإقامة ورخَص البناء لتصل إلى عتَبات الكنيسة والمسجد، رابطةً بين شروط السّكن وكرامة الصلاة، ومحولةً كلّ تفصيل في حياة المقدسي إلى ساحة صراع مستمرّ من أجل البقاء".

هَدَفُ منظومة السيطرة في القدس هو تحويل الوجود الفلسطيني من حقٍ ثابت لا يَقبل التأويل إلى «إقامة هشّة» مَشروطَة، حيث يغدو الاستمرار في المدينة امتيازًا يتطلّب إثباتًا يوميًا بدلًا من كونه حقيقةً وجوديّة أصيلة. 

فمن خلال سياسَة «مركز الحياة»، يُجبَر المقدسيون على خوض معركة إثباتٍ مستمرة تؤكّد أنّ القدس هي مركز وجودهم الفعليّ؛ حتى أمسى أيّ انتقال اضطراري للسكن خارج الحدود البلدية، أو أيّ تغيير في نمط السكن، مدخلًا محتملًا لخطَر سحب الإقامة. وهكذا، لم يَعُد البقاء في القدس حقًا ثابتًا، بل تحوّل إلى عبءٍ إجرائي يستلزم اليقظة الدائمة؛ في وقت تُجعل فيه الحياة في المدينة أكثر كُلفة، والسكن فيها أكثر تعقيدًا، ليصبح الاستقرار بحدّ ذاته حالة مهدَّدة ومؤقّتة.

 يَمتدّ هذا التّهديد إلى داخل بُنية الأُسرة نفسها، حيث تكشف سياسات منع لمّ الشّمل أنّ الزواج في القدس لا يبقى شأنًا شخصيًا أو خاصًا، بل يتحوّل إلى علاقة تُدار قسرًا ضمن منظومة قانونيّة تحدّد ما إذا كان الزوجان يستطيعان العيش معًا، وأين، وتحت أي شروط. وبالنسبة إلى النساء الفلسطينيات الخاضعات لقانون منعِ لمّ الشمل، لا ينفصل الوجود القانوني عن استمرار الزواج؛ فالإقامة، والوُصول إلى العلاج، وحريّة الحرَكَة، والقدرة على البقاء مع الأطفال، قد تصبح كلّها رهينَة علاقة غير آمنة. لذلك، لا يعود الطلاق قرارًا شخصيًا محايدًا، بل فعلًا مثقلًا بعواقب قانونية ومادية واجتماعية قد تمتدّ من فقدان الإقامة والتمزّق الأسريّ وخطر الإبعاد.

غير أنّ العنف هنا لا يَصدر عن القانون وحدَه؛ ففي أحياء مقدسيّة مثل بيت حنينا، وشعفاط، ومخيم شعفاط، وجبل المكبّر، وسلوان، والعيسوية، قد لا تواجِه النساء التهديد القانوني المباشر ذاته بفقدان الإقامة تحت قانون لمّ الشّمل، لكن التبليغ عن العنف الأسريّ يبقى مقيدًا على نحو لا يقلّ قسوةً. فالشرطة الإسرائيلية ليست بالنسبة إلى الفلسطينيين في القدس جهةً حماية، بل ذراعًا من أذرع السيطرة والقمع؛ ولا تُثير الاستعانة بها أيّ إحساس بالطمأنينة، كونها الآلية نفسها التي تقتُل وتَضرب وتدمّر وتَعتقل. وقد ظهر ذلك جليًا في إحدى الحالات التي وثّقتُها خلال بحثي، حين تعرّضت امرأة لعنف أُسريّ فاتصلت بأخيها، الذي توجّه إلى منزلها واعتدى على الزوج، ثم أَعادها مع أطفالها إلى بيت العائلة؛ وهكذا جرى احتواء العُنف داخل الأسرة دون تبليغ ودون أن يظهر في أيّ سجلٍ رسميّ.

وما يُختزل أحيانًا بوصفه «تفضيلًا ثقافيًا» للوساطة الأبويّة، هو في جوهَره استجابة قسريّة لواقع استعماري لا يوفّر حماية يمكن الوثوق بها. إذ لا ينبُع امتناع المرأة الفلسطينية عن اللجوء للشرطة الإسرائيلية من خشية نظرة المجتمع فحسب، بل من إدراكها للمفارَقَة المَريرة في طلَب الحِماية من «المحتل»؛ فالشرطة التي يُفترض بها توفير الأمن هي ذاتها الأداة التي تَقتل، وتَضرب، وتَعتقل، وتَهدم البيوت. إن غياب الطمأنينة هنا ليس شعورًا عابرًا، بل هو نتيجة طبيعية للمواجهة مع منظومة لا يُمكن أن تكون ملاذًا لضحيّة وهي تمارس دور الجلاد في الحيّز العام. وهكذا، تُدفع المرأة نحو مأزقٍ تقاطعيّ حاد: بين عنفٍ داخل البيت، ومنظومة أمنيّة خارجَه لا تُثير سوى الخوف، حيث يُصبح اللجوء إليها فعلَ خيانة للذات.

تحت الاحتلال الإسرائيلي، يتحوّل القانون من أداة لتنظيم الحياة إلى «كمين» محكَم للصيد؛ فخلف الأرقام الصمّاء والنّسب الضئيلة التي لا تتجاوز 13% من مساحة القدس المخصّصة للبناء —وهي مساحة مشغولة أصلًا في معظمها— يختبئ أثرٌ إنساني مدمِر يُحوّل «تأمين السكن» إلى مخاطَرة قانونية مفتوحة. فمع استحالة تلبية الحاجة الطبيعية للتوسّع السكاني ضمن هذا الحيّز المخنوق، يغدو الحصول على ترخيص بناء مسارًا باهظ الكُلفة ومعقدًا، ينتهي في معظم الحالات بالرفض العبثيّ. ثم يَأتي تَعديل «كمينيتس» ليُشدّد هذا الخناق أكثر؛ لا عَبر معالجَة التّمييز البنيويّ في التّخطيط، بل عبرَ تسريع أدوات العقاب وتشديد الملاحَقة، بما يحوّل محاولةَ الفلسطيني حماية سقف عائلته إلى معركة خاسرة سلفًا أمام ماكينة الإنفاذ الإسرائيلية.

ولا ينفصِل هذا الواقع عن البنية الاستعمارية التي ورِثتها إسرائيل عن الانتداب البريطاني؛ إذ تتبنى المنطق ذاته الذي يتعامَل مع الفلسطيني بوصفه «جسمًا» يجب ضبطُه ومراقبته، لا مجتمعًا ذا حقّ أصيل في الأرض والسكن. في هذا السياق، لا تَظهر أزمة السكن كأزمةٍ عابرة، بل كأداة ضغط ممنهَجة تدفَع المقدسيين نحو خيارات أحلاها مرّ: إمّا العيش في اكتظاظ خانق يُنهك الروح والجسد، أو الانتقال إلى أحياء مقدسيّة تقع خلف جدار الفصل العنصريّ، ما يضعهم في فخ إثبات «مركز الحياة» للحفاظ على هويتهم، ويُبقيهم في حالة هشاشَة قانونية دائمة.

يَظهَر هذا المنطقُ بأوضح صوَرِه في سياسة هدم المنازل، التي لا تُمارَس بوصفها إجراءً إداريًا محايدًا، بل كذراع تنفيذية لمنظومة التّخطيط التمييزية برمّتها. وإلى جانب الهَدم بذريعة «البناء غير المرخّص»، تُواصل إسرائيل توظيف أدوات عقابيّة تَعود لأنظمة الطوارئ البريطانية، وعلى رأسها سياسة هدمِ المنازل كعقاب جماعيّ. وهكذا، لا يُهدم البيت كبناء مادي فحسب، بل يُعاقَب الفلسطيني جماعيًا على إصراره على البقاء، ما يَطال الإحساس بالأمان واستمرارية العائلة، محوّلًا البيت من فضاء حماية إلى موقع تهديد دائم.

 ولعل ذروةَ الإذلال تكمن في إجبار العائلات على «الهدم الذاتيّ» تفاديًا للكُلَف الباهظة، حيث لا تكتفي السياسات بانتزاع المسكَن، بل تَدفَع الفلسطيني للمشاركة القسريّة في تدمير شروط بقائه وهويّته. 

يمثّل هذا كلّه انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، الذي يَحظُر تدمير الممتلكات الخاصة أو فرضَ العقوبات الجَماعيّة، ويرفض استخدام الهدم كأداة لإدارة السكان وإعادَة هندسة وجودهم في المدينة.

لا تَكتَمل هذه المنظومَة من دون القوّة المفرِطة التي تَنقُل التّنكيل من ملفّات الإقامة والسكن إلى الجَسَد الفلسطيني نفسه، ولا سيما في الحيّز العام. فبينما يَدفع الرجال الثمنَ الأكثر مباشرة عبر الاستهداف الميداني—عند الحواجز، وفي الاقتحامات، وأثناء الصلاة—يؤثّر هذا العنف بشكل عميق على النساء اللواتي يَجِدن أنفسهنّ في مواجهة قلقٍ وجوديّ دائم على الأبناء والأزواج، في واقعٍ صار فيه مجرّد الخروج إلى الشارع محفوفًا باحتمالات الاعتقال أو الإذلال أو القتل. وهكذا، لا تَعود القوة المُفرِطة مجرّد أداة لقمع الاحتجاج، بل وسيلة لإعادَة تشكيل الحياة الاجتماعية برمّتها عَبر «تأديب الحضور» في الشارع وتقييد الحركة؛ ليتحوّل الخوف من ردّ فعلٍ طبيعي إلى آلية حُكم يوميّة تهدف لردع التجمّع وتفتيت النسيج الجماعي، وإشعار الفلسطيني—رجلًا كان أم امرأة— أنّ ثمن وجوده وصلاته في مدينته قد يكون الجَسَد أو الحياة نفسها.

ولعلّ أكثر ما يكشِف اتّساع هذه المنظومة أنّها لا تتوقّف عند حدود البيت أو الشارع، بل تمتدّ لتخترق الفضاء المقدّس نفسه؛ فما شَهِدَته القدس مؤخرًا في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة يبيّن أنّ التقييد يُدار حتى في أكثر اللحظات الروحيّة كثافة. ففي 11 نيسان/أبريل، خلال «سبت النور»، فُرضَت قيود مشدَّدة على وصول المسيحيين الفلسطينيين إلى كنيسة القيامة، تزامنًا مع اعتداءاتٍ ومنعٍ لرفع الأعلام، ما يكشف أنّ استهداف الفضاء الدينيّ ليس تفصيلًا منفصلًا، بل هو جزء من البنية ذاتها التي تَجعل السكن والحياة في المدينة صراعًا مستمرًا. فبينما استطاع الفلسطينيون سابقًا تحويل أبواب الأقصى إلى مساحات صلاة واعتصام ورفض جماعيّ، بَلَغ مستوى التنكيل اليوم حدًا يَجعل حتى الدفاع عن المكان المقدس فعلًا محفوفًا بالخطر؛ لتكتمل بذلك حلقة المنظومة التي تسعى لضبط الفلسطيني في بيته، وشارعه، ومقدّساته، وتفكيك قُدرته على الحضور الجَماعي والمقاومة.

في نهاية المطاف، تتجلّى هذه السياسات بوصفها منظومةً كُلّية تهدف إلى التّدمير الممنهَج للإنسان المقدسيّ وتقويض شروط وجوده. إنّها عملية «تفكيك للحضور الجماعي» مُصمَّمة بدقة لتفتيت النسيج الاجتماعي؛ حيث يُحاصر الرجل في فضاء الشارع بالَخوف والتنكيل، وتُحاصر المرأة في فضاء البيت بمآزق تقاطُعيّة تَجعل من البحث عن الأمان مجازفة وجودية. وبذلك، تتحوّل الأسرة من حاضنةِ صمود إلى ساحة مكشوفة لممارسة الرقابة والضبط، في محاولة استعمارية لتبديد الوجَع المشترَك وتحويله إلى انكسارات فرديّة صامتة. مع ذلك، يظلّ البقاء الفلسطيني في القدس —رغم كلّ محاولات التفكيك— هو الردّ الحاسم الذي يُثبت أنّ الحَقّ الأصيل لا يمكن أن يُمحى بمَساطِر التّخطيط أو بأسلحة التّرهيب.


الإحالات:

  1. Adalah. (n.d.). Citizenship and Entry into Israel Law (Temporary Order). https://www.adalah.org/en/law/view/511 

  2. Bimkom. (2025). East Jerusalem in Numbers 2025. https://bimkom.org/media/pages/archives/830e03c43d-1768989102/data-sheet-ej-2025-eng.pdf 

  3. HaMoked: Center for the Defence of the Individual. (2025, September 2). Revocation of permanent residency in 2024: 60 East Jerusalem Palestinians were stripped of their permanent residency status as part of Israel’s “quiet deportation” policy. 

  4. International Committee of the Red Cross. (1949). Geneva Convention (IV) relative to the protection of civilian persons in time of war: Article 33. 

  5. International Committee of the Red Cross. (1949). Geneva Convention (IV) relative to the protection of civilian persons in time of war: Article 53. 

  6. International Court of Justice. (2024, July 19). Legal consequences arising from the policies and practices of Israel in the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem (Advisory Opinion). 

  7. Ir Amim. (2020, July 1). Amendment 116 to the Building & Planning Law: East Jerusalem: Tightening enforcement without any improvement in planning. 

  8. Jefferis, D. C. (2012). Institutionalizing statelessness: The revocation of residency rights of Palestinians in East Jerusalem. International Journal of Refugee Law, 24(2), 202–230. 

  9. Jerusalem Story. (2021, November 5). When Palestinian Jerusalemites must prove that Jerusalem is their “Center of Life”. 

  10. Latin Patriarchate of Jerusalem, & Custody of the Holy Land. (2026, March 29). Joint press release: The Latin Patriarchate of Jerusalem and the Custody of the Holy Land. 

  11. Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, occupied Palestinian territory. (2009, April 23). The planning crisis in East Jerusalem: Understanding the phenomenon of “illegal” construction. 

  12. Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights. (2026, February 19). A/HRC/61/26: Human rights situation in the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, and the obligation to ensure accountability and justice. 

  13. Reuters. (2026, March 29). Israel blocks cardinal from Jerusalem’s Holy Sepulchre on Palm Sunday, sparking outcry. 

  14. Shalhoub-Kevorkian, N. (2004). Racism, militarisation and policing: Police reactions to violence against Palestinian women in Israel. Social Identities, 10(2), 171–193. 

  15. Shalhoub-Kevorkian, N. (2015). The politics of birth and the intimacies of violence against Palestinian women in occupied East Jerusalem. The British Journal of Criminology, 55(6), 1187–1206. 

  16. WAFA. (2026, April 11). Jerusalem placed under tight restrictions during Holy Fire celebrations. https://english.wafa.ps/Pages/Details/169272 

عايدة قليبو

حقوقية وناشطة نسوية تقاطعية وتفكيكية فلسطينية من مدينة القدس. تجمع في مسيرتها بين التخصص الأكاديمي والالتزام الميداني. حاصلة على درجة البكالوريوس في القانون الدولي وحقوق الإنسان من جامعة (القدس - بارد)، وماجستير في إدارة المؤسسات غير الربحية والقيادة من أجل التغيير الاجتماعي من الجامعة العبرية. 

رأيك يهمنا