حول "نزع الإنسانية" عن المرأة في السياقات الاستعماريّة

في القرن الأخير، سجّلت الأدبيّات المعنيّة في الظواهر الاجتماعيّة نِسَبًا من أنواع العنف، من ضمنها الجريمة ضد النساء، تحديدًا لدى الشعوب المستعمَرة أعلى من تلك النِّسَبِ الظاهرة لدى الشعوب ذات السّيادة. وقد لا تكون جرائم قتل النساء استثناءً في الانتشار لدى الشعوب المستعمرَة، وهي ظاهرة تترافق غالبًا مع معدّلاتٍ أعلى للجريمة عمومًا بين أبناء المجتمعات المستعمَرة.[1]
إنّ تفسيرَ هذه النسب الأعلى للجريمة ضد النساء لدى الشعوب المستعمَرة قد يتغيّر ويختلف بحسب اختلاف الفترة الزمنيّة التي يُسأل فيها عن التفسير، والإطار النظريّ الذي يُنظر منه لفهم الحالة. ففي فترات مختلفة جرى توظيف علوم معيّنة، مثل علم الإجرام، بهدف تكريس اقتران السلوك الإجراميّ، والموجّه منه ضد النساء تحديدًا، مع الطباع والثقافات في الجنوب العالمي لشرعنة مشاريع استعمارها، وجعلها أكثر "حضارةَ وأخلاقًا".[2]
إلّا أن الأسس العنصرية لهذه التوجّهات العلمية والبحثيّة باتت تلاقي تحدّيًا هائلًا من باحثين نقديين من الجنوب العالميّ،[3] لدرجة أن التفسيرات الناجمة عنها لم تَعُد تُقبَل في الأوساط الأكاديميّة النقديّة. كما يجري في العقود الأخيرة طرح فهمٍ بديلٍ تحديدًا في مجال دراسات الصدمة الاستعماريّة والتاريخيّة، يقرِن ارتفاع الجرائم لدى الشعوب المستعمرة بديناميكيّات نفسيّة مرتبطة بالصدماتِ المَعيشة من قبل هذه المُجتمعاتِ.[4] بحيث تَقطعُ وأحيانًا تعطِبُ تجاربُ جذرية كالاستعمار مسارات نموّ هذه الشعوب، وتجعلها رهينة عمليّات نفسيّة أكثر بدائيّةً وأقلّ تعقيدًا، ذلك تبعًا للعبء النفسيّ المرتبط بالقهر الاستعماريّ.[5]
لا نيّة لنا هنا لتبرئة أو إدانة الشعوب المستعمَرَة من ذنب العنف أو الجريمة ضدّ النساء، ولا حثّ الشعوب المستعمرة على التنصّل من مسؤوليتها تجاه ضبط الجريمة والعنف ضدّهن، ولا استخدام الاستعمار كشمّاعة أو الادّعاء أنّه السبب الأوحد للعنف والاضطهاد في مجتمعاتنا. إنّما النيّة الأساس هي فهم، واحتساب، والوعي بتجارب ذات أهمية جذريّة في حيوات الشعوب ومسارات نموّها، كسبيلٍ للتحرّر من أثرها.[6] وعليه، نتبنّى في ما يأتي إطارًا نفسيًّا تحليليًّا ومجتمعيًّا، يعتمدُ فكرةَ تفاعُل المجتمعات في مسار نموّها مع ظروفها، فتتأثر بها وتخلقها، وقد تُعيد خلقَ ظروف قهرها بنفسها أو قد تخلق ظروفًا أخرى مغايرة لها، لو بقيت متّصلة بأصالتها النفسيّة، تعافت أو أدركت علاقتها بظروفها هذه.[7]
تتعرّضُ النساء الفلسطينيات اليوم لصنوفٍ من القمع في مناحٍ مختلفة من حياتهن، بحيث يجري تحجيم صوتهن، ورأيهن، وتقييد حريتهن الاقتصادية، أو التعرض لهن بالعنف الجسديّ أو غيره من وجوه العنف. وقد يكون هذا انعكاسًا لتفاعُلِ قيمٍ رجعيّة مع الإرثِ الصّدميّ ولتجارب سابقة كانت فيها النساءُ محطًّا للقمعِ، كالأحداث التاريخيّة التي اغتصبت فيها النساء الفلسطينيات أو تم التهديد باغتصابهنّ أو الاعتداء عليهن.[8] كما قد يدخل في تكوين هذا العنف أيضًا كونه انعكاسًا للقهرِ الحاليّ وممارسات الاستعمار الحاليّة ضد الرجال الفلسطينيين في الحيّز العام. فإنّ القهر الناجم عن العنف ضد الرجال الفلسطينيين لا يختفي أثره إذا ما تم ابتلاعه، بل غالبًا ما يجري نقلُ وزره ووزر الغضب المرتبط به من خلال آليات دفاعية بدائية كالإزاحة (Displacement) التي يجري من خلالها وبشكلٍ لا واعٍ إزاحة الغضب الناجم في النفس من المصدر المسبب للقهر إلى حلقات أضعف في دوائر الفرد والمجتمع، ذلك تجبّنًا للثّمن الباهظ لإطلاق الغضب نحو مصدر القمع.[9]
في سياقنا، تجري هذه الإزاحة تجاه النساء والأطفال الفلسطينيين بوصفهم حلقاتٍ أضعف. ويُضافُ إلى ما سبق من توليفاتٍ للعنف الممارس ضد المرأة، ويتفاعل معها، العنف المباشر لرقابة الرأي والتعبير والهوية الذي تفرضه المؤسسات الأكاديمية ومؤسسات العمل الاستعماريّة، ذلك مع تواجد النساء الفلسطينيات أكثر من ذي قبل في سوق العمل، والحيّز العام خلال العقود الأخيرة. يستمر القهر المباشر للسياسات الاستعماريّة في اعتقالهنّ، ومحاولة تعذيبهن، والاعتداء عليهن أسيرات أو عابراتٍ للحواجزِ أو ساعياتِ وراءَ قوتهنّ.[10] تتفاعل أنماط القهر وتوليفاته هذه مع الطبيعة الرأسمالية لسوق العمل في دولة الاستعمار، فتتعرّض كافة الفئات الاجتماعيّة الموظّفة والعاملة فيه، والنساء على وجه الخصوص، إلى تجارب من التغريب النفسيّ Alienation ، بحيث غالبًا ما تعمل النساء في مسارٍ يغرّبهن عن المُنتج الذي يعملن على إنتاجه وعلاقتهن معه؛ عن طبيعة عملية الخلق الإنسانية (الإنتاج الإبداعي)؛ عن التفاعل الاجتماعي التكاملي (وتحوّله إلى فرداني تنافسيّ) وعن طبيعتها الإنسانيّة، وهي أنواعٌ خفيةٌ بامتياز للقهر النفسيّ.[11] وقد يكون أكثرُ آثارِ هذا التغريبِ قسوةً هو أنّه يترك المرأة (والإنسان عمومًا) في فراغٍ داخليّ محدقٍ يجعلها في سعيّ مستمرٍ لمَلْئِه.[12]
نتيجة لتفاعل سياسات سوق العمل الرأسمالية والعولمة، لم يَعُد هنالك تقدير للمجهود الذي لا يُقابَلُ بمردودٍ ماديٍّ. إلّا أن المهام الرعائيّة والمنزليّة غير المدفوعة، لم تُسقَط عن المرأة، ومن المُهم أنّ الرعائية منها لم تبطُل عنها، رغم صعوبتها، لأنّ الأم تحديدًا هي أفضل من قد يقوم بهذه المهام، إن نظرنا من المنظور العاطفي النفسيّ والتطوّري للأطفال في سنواتهم الأولى، ومن منظور الصحة النفسيّة للأجيال المستقبليّة.[13] وقد جرى وصف إسهامها هذا في الحفاظ على المنزل كنواة تخلق السواء النفسيّ للأطفال والأجيال القادمة وتحافظ عليه حتّى في سياقات الاستعباد والعنصرية مما يُحيل البيتَ بؤرةً من المقاومة النفسيّة.[14] إن التزام المرأة بأداء دور الرعاية الأسريّة والاهتمام بشؤون الأطفال واحتياجاتهم العاطفيّة والدراسيّة وبلوازمهم، إلى جانب خضوعها لمتطلبات الصورة التي تفرضها عليها العولمة الإعلاميّة، يشكّل في مجموعه تمثيلًا لتوليفةٍ غير إنسانيّة.
ففي حين كان يُطلب من المرأة سابقًا أن تقوم بدور الرعاية في بيت أهلها، أو تجاه أطفالها، وكانت تُمدح لإنجازها في تربيتهم فيقال: "فلانة بتتثقّلش بالذهب ربّت أولاد ما شاء الله عليهم"، وهي مقولة بحدّ ذاتها قد تحمل عنفًا يتسم بالاختزال والتحديد والحصر، إن أُلزمت المرأة بهذا الحصر؛ يُطلب اليومُ من المرأة أن تقوم بدور الأم (بكل ما يحمله هذا الدور من عظمة في المهام والأثر والتي لا يتسع هذا المقال للخوض بها) الراعية، المُدرّسة، المُربيّة، المُدبّرة المنزليّة، ذات المظهر الأنثويّ دائمِ الشبابِ، الموظّفة الدؤوب والممتازة، والابنة البارّة، والكنّة الصالحة، القريبة المُحبّة، الهادئة المعطاءة، الأكاديميّة، الصبورة و و و و.. أي يُطلب منها أن تكون أسطورة قادرة على كل شيءOmni-potent . وإنّ أكثر ما قد يؤذي المرأة في هذا التوجُّه هو أنّه قائم على الأسطرة بإعطاء سمة إلهية- لا إنسانيّة لها، فيجري التعامل بحسبه مع إنسانة على أنها كائن خارج عن الطبيعة الإنسانيّة.
إن إحدى أبرز العمليّات النفسيّة التي تتسم بالبدائية الذهنيّة وتفتقر إلى التعقيد والتي تظهر لدى الشعوب المستعمرَة بشكلٍ أكثر تكثيفًا من غيرها، هي الثنائية في التفكير وفي إدراكِ الواقع، حيث غالبًا ما يتناوب إدراكُ مركّبات الواقع بين الكل-شيء أو اللّا-شيء.[15] الأمرُ الذي يجعلُ تفاعلَ هذه الشعوب في المُجمَلِ مع طروحاتٍ مثل النسوية يتحوّل من المساواة في القيمة والنّدّيّة الإنسانيّة إلى مزاحمة على الأدوار وإلى هيمنة على أكثر ما يمكن من المجالات الحياتيّة حتى لا تنحسر قيمة المرأة فيها إلى الّلا-شيء. وفي سعيها لإثبات قيمتها، قد تبدو المرأة أحيانًا شريكةً في هذا المسار من نزع الإنسانيّة، بل ومُتبنّيةً له. وقد يأتي هذا التبنّي نتيجةً لما يُطلَقُ عليه اصطلاحًا "استبطانًا للدونيّة"[16] أو "اجتيافًا للتبخيس"،[17] وذلك حين تستدخِلُ فئةٌ مقهورةٌ فكرةَ أنّها دونٌ لقامعيها، وأنّ تلك الجهات هي فعلًا أكبرُ قدرًا وقيمةً، فتدرك واقعها وتصوغُ روايتها ومُنطلقاتها بالتالي من هذا المنظور. فيبدأ سعيُ المرأة غير المنقطع ولا المنتهي إلى محاولةِ تحقيق هذه الصورة المنافيّة "للّا-شي" في محاولة لاستيفاء شروط خانة "الكل-شيء".
حتّى لا نقع في فخّ الثنائية هنا أيضًا، نودّ الإضاءة على ما يأتي؛ لا يطلبُ هذا المقال أبدًا حصر المرأة في أدوار محدّدة، كما لا يقترح أبدًا اختزال أي إنسانٍ، بغض النظر عن دوره الاجتماعيّ إلى دورٍ واحدٍ فقط. وإنّ هذا حتمًا ليس مقالًا مضادًا لتعدديّة الأدوارِ، فإن تسطيحَ النفس وحصرها في مجالٍ واحد فقط، يتنافى أشدّ تنافٍ مع الطبيعة الإنسانية، فيُلغي غناها وطبيعتها الحيوية الخلّاقة المتدفّقة التي تتداخل فيها القدرات وتتكامل المهارات، وهو بدوره ينزع الإنسانية عن النفس.
إنّما يأتي هذا المقال كمحاولة للإضاءة على تداخل وجوه القمع وأحيانًا خَفائها، علاوة على تذكيرنا بأن نرأف بأنفسنا وببعضنا البعض وبإنسانيتنا، وبأن أحدًا منّا هو حتمًا ليس "كل شيء" كما وحتمًا ليس "لا شيء". ذلك حتّى لا نتبنّى القسوة الاستعماريّة ونعيد إنتاج نزع الإنسانية عن نسائنا وأنفسنا.
المراجع:
[1] Seedat, M., Van Niekerk, A., Jewkes, R., Suffla, S., & Ratele, K. (2009). Violence and injuries in South Africa: Prioritizing an agenda for prevention. The Lancet, 374(9694), 1011–1022 ; Vorster, J. M. (2023). Finding a moral compass for South Africa: Where are we? Where could we go? AOSIS Publishing ; Lazali, K. (2021). Translated by Matthew B. Smith. Colonial Trauma: A Study of the Psychic and Political Consequences of Colonial Oppression in Algeria. Critical South: Polity; Gobodo-Madikizela, P. (2024). The time of Nachträglichkeit and the afterlife of apartheid trauma. The International Journal of Psychoanalysis, 105(5), 766–777.
حجازي، مصطفى. (1985). التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور.
المركز الثقافي العربي. بيروت، لبنان.
[2] Agozino, B. (2004). Imperialism, crime and criminology: Towards the decolonisation of criminology. Crime, Law and Social Change, 41(4), 343–358.
فانون، ف. (1984). معذبو الأرض (س. الدروبي، و ج. الأتاسي، ترجمة). منشورات دار الطليعة. (العمل الأصلي نشر عام 1961).
[3] فانون، فرانز. (2004). العام الخامس على الثورة الجزائريّة. ترجمة قرقوط ذوقان. الفرابي، بيروت (العمل الأصلي نشر عام 1959)
[4] Lazali (2021); Gobodo-Madikizela (2024); فانون (1984)؛ حجازي (1985)
[5] فانون (1984)؛ حجازي (1985)
[6] حجازي (1985)
[7] ؛Gobodo-Madikizela (2024) حجازي (1985)؛
[8] Shalhoub-Kevorkian, N. (2014). Palestinian feminist critique and the physics of power: Feminists between thought and practice. feminists@law, 4(1). https://doi.org/10.22024/Unikent/03/FCL.2014.4.1.108; Nashef, H. A. M. (2022). Suppressed Nakba memories in Palestinian female narratives: Susan Abulhawa’s The Blue Between Sky and Water and Radwa Ashour’s The Woman from Tantoura. Interventions, 24(4), 567–585. https://doi.org/10.1080/1369801X.2021.1892513; Morris, B. (2004). The birth of the Palestinian refugee problem revisited (2nd ed.). Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511818806
[9] حجازي (1985)، فانون (1954)
[10] Shalhoub-Kevorkian (2014).
[11] Marx, K. (1964). Economic and philosophic manuscripts of 1844 (D. J. Struik, Ed.; M. Milligan, Trans.). International Publishers (pp. 72-74). (Original work written 1844)
[12] Fromm, Erich. (1992). “The Anatomy of Human Destructiveness”. New York: Henry Holt (Original work was published 1973).
[13] Komisar, E. (2017). Being there: Why prioritizing motherhood in the first three years matters. TarcherPerigee.
Komisar, E. (2019). Chicken Little the sky isn't falling: Raising resilient adolescents in the new age of anxiety. TarcherPerigee ; National Institute of Child Health and Human Development Early Child Care Research Network. (2006). Child-care effect sizes for the NICHD Study of Early Child Care and Youth Development. American Psychologist, 61(2), 99–116. https://doi.org/10.1037/0003-066X.61.2.99 ; Bowlby, J. (1969). Attachment and loss: Vol. 1. Attachment. Basic Books.
[14] Hooks, B. (1990). Homeplace: A Site of Resistance. Yearning: Race, gender, and cultural politics (pp. 41–49). South End Press.
[15] حجازي (1985)
[16] فانون (1954)
[17] حجازي (1985)

أسرار كيّال
إختصاصيّة نفسيّة تربوية.



