"مَسكوت عنه": "التهجير الناعم" بـ "الخاوة" كما تُعايشُه النساء

"مَسكوت عنه": "التهجير الناعم" بـ "الخاوة" كما تُعايشُه النساء

لا تنتهي آثار الجريمة عند لحظة إطلاق النار أو انتهاء مراسم العزاء؛ فبعدها تبدأ رحلة ثقيلة تعيشها النساء بين جدران المنازل المغلقة: مواجهة الفقد، ومحاولة استعادة الحياة اليومية المشلولة، ومتابعة ملفات طُويت في أدراج الشرطة، والبحث عن حماية ونجاة في مجتمع أنهكه الخوف وتخلّت عنه المؤسسات الرسمية.

في هذا التقرير، نفتح الملف المسكوت عنه أكثر من أي ملف آخر: "التهجير الناعم"، وفرض الأتاوات "الخاوة"، وتداعيات الجريمة الممتدة على النساء والعائلات، ذلك من خلال شهادتين ميدانيتين، واحدة لامرأة من شمال البلاد وأخرى من مركزها، تتقاطعان مع قراءة قانونية للباحث رضا جابر.

"نعيشُ حالة طوارئ دائمة.. وحربًا ناعمة بلا دبابات"

تتحدث مريم أحمد (40 عامًا، اسم مستعار)، من شمال البلاد، بكلمات تفيض خوفًا وأسى. لم تقتصر مأساتها على الفقد، بل امتدت لتطال كلّ مفاصل حياتها وحياة عائلتها المهدَّدة والمشرَّدة.

تقول: "حتى اليوم، لا يعلم الناس التفاصيل، ولم تتصل بنا أي جهة رسمية، ولم يتلقَّ أحدٌ منا اتصالًا واحدًا! أودّ أن أصرخ بصوت عالٍ، لكنني مجبرة على الصمت، لأن أمان عائلتي وسلامتها يقعان على رأس أولوياتي، ولا يمكنني التضحية بهما".

عادت السيدة للسكن مع والديها المسنّين بعدما أُجبرت، بسبب المخاطر والتهديدات الأمنيّة، على ترك منزلها القريب من مكان عملها. هنا تصف أثر الجريمة و"الخاوة" على الحياة المهنية والمعيشية بأنه شلل تام:

"لقد اضطربت تفاصيل حياتنا كليًا.. حاول أفراد العائلة العودة إلى أعمالهم تدريجيًا وبشكل جزئي، وأنا لم أستطع العودة للعمل. الأمر لا يتوقف عند الضغط النفسي، بل هناك أسئلة معلّقة، وتهديدات قائمة، وخوف لا يغادرنا".

التهجير الناعم وحظر التجوّل الذاتي

تفتح الشاهدة الملف المسكوت عنه في البلدات العربية؛ فالجريمة لم تعد مجرّد حدث عابر، بل تحولت إلى نظام إخضاع كامل يُعرف بـ "فرض الخاوة"، وهو ما يدفع العائلات إلى تهجير قسري وتفكك اجتماعي صامت.

تقول مريم: "هناك عائلاتٌ قُتل أبناؤها ووجدت نفسها مجبرة على إخلاء بيوتها. تتوقف حياة الإنسان ومساره المهني والاقتصادي بسبب الإتاوات (الخاوة)، دون أن يسأل عنه أحد. بعض أفراد عائلتي يلتزمون بيوتهم، وآخرون مشرّدون خارج البلدة يصارعون من أجل توفير القوت اليومي. في بلدتي وحدها، شهد شهر أكتوبر الماضي تهجير عائلات عدة في قضايا مختلفة، وكلها تندرج تحت مظلة الخاوة".

تسترسل الشاهدة في رسم صورة دقيقة لواقع الحياة اليومية تحت التهديد:

"بعض الأطفال امتنعوا عن الذهاب إلى المدارس، وأصبحوا يستعينون بالأقارب لنقلهم، أو يتغيبون تمامًا. ورغم وجود التزامات ومراجعات طبية، لا يستطيع أفراد العائلة الظهور في أماكن علنية، وتتحوّل كل حركة أو تنقل إلى عبء عصبي ثقيل".

وتضيف: "هناك من يعيش حبيس بيته، ويخشى حتى زيارة الأقارب لكي لا يعرضهم للخطر. إن التجول أو ارتياد أي محلّ تجاري تعرَّض لإطلاق نار أصبح مصدر رعب دائم".

تصف الشاهدة هذه الحالة بكونها عملية تهجير قسري منظمة: "ما نعيشه هو تهجير بمسمى آخر؛ من يمتلك القدرة المالية يغادر البلدة إلى بلدة أخرى، أو يستأجر مسكنًا بعيدًا، أو يغادر البلاد كليًا. هذا مخطط تهجيري ناعم؛ لا نرى دبابات في الشوارع، لكننا نعيش حربًا حقيقية بكل ما للكلمة من معنى. اليوم، أصبحت رؤية أي دراجة نارية أو خوذة في الشارع مصدر رعب مباشر"..

جدير بالذكر أن فرض الخاوة (الإتاوات القسرية) في البلدات العربية لم يعُد يقتصر على ابتزاز يتعرض له أصحاب الشركات أو المصالح التجارية كالمعتاد، بل امتد ليطال الأفراد والأسر بشكل مباشر، سواء عبر قروض سوق سوداء بفوائد فاحشة تُورّط العائلات، أو فرض "رسوم حماية" شهرية بلا سوابق تعامل.

عند عجز العائلة عن الدفع أو الامتناع عنه، تبدأ العصابات في استهداف البيوت بإطلاق النار اليومي، وإلقاء القنابل، وتهديد حياة الأطفال والنساء، مما يضع العائلة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الدفع والاستنزاف المالي الكامل، أو فرار العائلة كلياً وترك منزلها لتنجو بحياتها، وهو ما يُنتج حالة "التهجير الناعم".

تقاعس الشرطة وغياب المتابعة

أمام هذه المأساة، تقف المؤسسات الرسمية موقف المتفرج أو المتقاعس: "الشرطة لم تتواصل معي مطلقًا.. لا اتصال، ولا استدعاء للتحقيق، ولا أخذ إفادة، ولا استجواب، ولم يكلف أحد نفسه عناء المعاينة أو التصوير! عندما حاولنا الاستفسار، كان الرد: ’لا نملك شيئًا، وأفيدونا إن كان لديكم معلومات‘. هذا الغياب يكرس حالة عدم الثقة، ويكشف عن تقاعس واضح في التعامل مع الملفات".

توجّه الشاهدة انتقادًا لعدم ملامسة الخطابات الرسمية والقيادية واقعَ أهالي الضحايا: "تكتفي القيادات والمؤسسات بإصدار الاستطلاعات ونشر الأرقام وتداول التحليلات النظريّة في الصالونات الثقافية، دون وجود عمل ميداني ملموس مع العائلات المتضررة. نحن نعيش حالة طوارئ ونحتاج إلى إنقاذ عاجل! هناك حالة سائدة من اليأس والإحباط. كل ما نحتاجه هو وجود هيئة أو جسم يتواصل معنا ويسألنا عن احتياجاتنا اليومية الأساسية: توفير الدواء، أو المساهمة في تغطية إيجار منزل مؤقت".

صوتٌ من قلب الفقد: المرأة حين تُجبر على أن تكون الدّرع والضحية

لم تكن تجربة مريم أحمد مجرّد مواجهة مع الخاوة والتهديدات الأمنيّة، بل كانت اختبارًا قاسيًا لهويتها وجسدها كامرأة فاقدة. تكشف مريم عن البُعد المباشر الذي يتركه الفقد والجريمة على أجساد النساء والصحة النفسية-الجسدية؛ حيث يتحول الضغط والترقب الدائم إلى اضطرابات صحية ملموسة تُصيب الرحم والجهاز العصبي، وتتسبب في ارتفاع الضغط والسكري، ناهيك عن التعقيدات المضاعفة التي تواجه النساء الحوامل في ظلّ هذه الظروف.

في الوقت الذي تنزف فيه المرأة من الداخل، تُجبر على ارتداء درع الصلابة وحمل أدوار مركّبة وثقيلة؛ فتجد نفسها فجأة تلعب دور الأب، والأم، والمعيل، والحامي الأمني لأطفالها وعائلتها في غياب الأمان المؤسساتي.

تصف مريم هذا التناقض الاجتماعي والقسوة التي تُمارس على النساء بعد الفقد:

"تُطالَبين دائمًا بأن تكوني متماسكة وقوية لحماية من تبقى، في الوقت نفسه يتوقع المجتمع منكِ الاعتناء بمظهرك وهندامكِ حتى في أوقات الحداد والخروج للعلن، بينما تتلاشى داخلكِ أبسط طاقة نفسية لملمة نفسكِ أو الحزن بحرية".

على الرغم من هذا العبء، فلم يأتِ طوق النجاة من مؤسسات رسمية، بل تشكل عبر تضامن نسائي شعبي دافئ؛ حيث تحولت "جلسات القهوة" البسيطة بين نساء الحي—من معلمات وممرضات وجارات—إلى دوائر دعم نفسي غير رسمية أنقذت والدتها وأنقذتها من الانهيار التام. تقول مريم: "أمّي كانت تقول دائمًا: لولا وجودهنّ بجانبي، لا أعلم ما الذي كان سيحلّ بي".

وترى مريم أن الاستمرار في الحياة ليس نسيانًا، بل هو استجابة لنداء روح الفقيد:

"الإيمان والجانب الروحي يمنحان صبرًا عظيمًا، والأهم أن الفقيد كان يحب الحياة ويتمسك بها؛ لذا نشعر اليوم بأمانة أخلاقية لاستكمال مسيرته وتحقيق أحلامه حتى لو بأشكال وأدوار مختلفة".

ثلاثُ خساراتٍ بلا تحقيق.. "إحنا بالنسبة إلهن مجرد أرقام"

في شهادة تحبس الأنفاس من مدينة يافا، تروي الأم الثاكلة والزوجة الأرملة، رقية سكحفي، تجربة كابوسية أشد قسوة واستنزافًا؛ بعدما فقدت في ثلاث جرائم منفصلة بفارق أشهر قليلة ثلاثة من أقرب الناس إليها: ابنها الشاب الذي ربّته ثمانية عشر عامًا وكان ضحية مظلومة، وشقيقها الذي كان سندها في الحياة، وزوجها الذي قُتل قبل ستة أشهر فقط.

تصف رقية حجم الانكسار والتغير الجذري في هويتها بعد هذا الفقد المتكرر قائلة: "أنا قبل أن أفقد ابني، لستُ المرأة نفسها بعد أن فقدته.. القتل لا يتوقف عند الضحية؛ هناك جرح مفتوح يظل معي طوال العمر، وكأن ابني يموت كل يوم من جديد. تجربة لا أتمنّاها لعدو".

على الرغم من هذه الفاجعة المركبة، تؤكد رقية أنها لم تتلقَّ أي علاج نفسي كافٍ لمساعدتها على التعافي والصمود، مشيرة إلى أن مشاركتها في منتدى نسائي يجمع العائلات الفاقدات كانت المتنفس الوحيد الذي أتاح لها الحديث علانيةً مع نساء يفهمن وجعها ويشاركنها المصير ذاته.

أما الجرح الأشد عمقًا، فيتمثل في مواجهة جدار التجاهل الشرطي والمؤسساتي؛ إذ تؤكد أن الشرطة لم تفتح—بحسب علمها—أي تحقيق جاد في الجرائم الثلاث، وكلما حاولت الاستفسار عن ملفات القضايا، تُجابه بالإجابة المكررة ذاتها: "لا توجد أدلة".

تختصر رقية إحساس العائلات أمام هذا الصمت والتجاهل بقولها: "هل تتخيلين؟ ثلاث جرائم قتل متتالية في عائلة واحدة، وكلما سألتُ قالوا لا توجد أدلة!.. نحن بالنسبة إليهم مجرد أرقام.

رضا جابر: "الإجراءات الجنائية تُبقي الجرح داميًا.. وهناك استغلال سياسي لألمنا"

من زاوية القانون العام وسيادة القانون، يحلّل الباحث المختص في قضايا الجريمة رضا جابر، الأبعاد الهيكلية الأعمق للمأساة، مؤكدًا أن الاستهداف أو الفقد الذي يطال المرأة يحمل أبعادًا متضاعفة: "تتمتع المرأة بمكانة عاطفية ومركزية في عملية التنشئة الاجتماعية للأبناء، وأيّ مساس بها أو بفرد في أسرتها يحدث إرباكًا عميقًا في بنية العائلة وتوازنها النفسي والعاطفي".

وعن أسباب عزوف العائلات عن متابعة الملفات القضائية، يوضح جابر:

"تعيش العائلات حالة من الخوف وعدم اليقين بشأن الجهات مرتكبة الجريمة، فتفضل الامتناع عن المتابعة تجنبًا لمزيد من الضرر، ولتقليل دائرة الخطر المباشر".

ويضيف: "إن طول الإجراءات الجنائية، والآلية التي تُدار بها الجلسات يؤديان إلى إبقاء الجرح داميًا؛ فكل جلسة محكمة تشكل إعادة لمعايشة الصدمة وتزيد من حدة التوتر. وتميل مؤسسات إنفاذ القانون في كثير من الأحيان إلى إنهاء الملفات عبر تسويات مجحفة لتفادي إدارة المحاكمات حتى النهاية، مما يحرم العائلات من شعور تحقيق العدالة وردع المجرمين، ويولد لديهم إحساسًا بأن أصواتهم ملغاة".

فيما يتعلق بالبعد السياسي والمؤسساتي، يضيف جابر: "إن قضية الجريمة في جوهرها قضية مواطنة. عندما ترفع الدولة يدها عن معالجة الأسباب وتتراجع عن دورها التنظيمي، تتفاقم الآثار السلبية وتجد الجريمة بيئة خصبة للتمدد. واليوم، يستغل اليمين المتطرف تفشي الجريمة بوصفها برنامجًا سياسيًا لاستهداف المجتمع العربي برمته، عبر تصوير المواطنين العرب كتهديد أمني بدلًا من ملاحقة العصابات وتوفير الحماية للضحايا"..

ويختم جابر بتأكيد الحاجة إلى حلول مؤسساتية: "من الضروري تشكيل هيئة موحَّدة من المؤسسات والجمعيات الأهلية لضخ الطاقات وتتبع ملفات الجرائم من كافة الأبعاد القانونية، والنفسية، والاجتماعية، وعدم ترك العائلات تخوض هذه المواجهة بمفردها".

من المساندة الفردية إلى التنظيم المجتمعي وتوثيق الذاكرة

توضح فداء شحادة، مخططة المدن والمجتمعات، ومؤسِّسة جمعية "تأثير"، كيف تعمل الجمعية على سدّ هذه الفجوة الهائلة من خلال الربط بين مساندة أهالي الضحايا والتنظيم المجتمعي:

"كنا نشهد المشهد ذاته يتكرر باستمرار: تقع الجريمة، فيسود الغضب والتضامن فترةً قصيرة، ثم يعود الجميع إلى حياتهم اليومية وتُترك العائلة بمفردها مع الفقد والأسئلة والخوف. من هنا نبعت أهمية تأسيس إطار مجتمعي مستدام يقف إلى جانب العائلات بشكل دائم".

تستعرض شحادة المحاور الأساسية لهذا العمل: "دوائر دعم محلية تتيح للعائلات اللقاء والحديث عن تجارب الفقد مع أفراد عاشوا المأساة ذاتها، مما يساهم في تخفيف الشعور بالعزلة، وبناء مساندة متبادلة، وتأطير مطالب جماعية للعدالة.

وتنظيم مجموعات محلية من الناشطين والناشطات وتطوير قدراتهم القيادية والميدانية، ليكون المجتمع المحلي حاضنًا وسندًا حقيقيًا للعائلات".

وعن التوثيق، تقول: "أنشأنا منصة رقمية لتوثيق قصص الضحايا وحفظ سيرتهم عبر الحكايات والصور كما ترويها عائلاتهم، تأكيدًا على أن الضحايا ليسوا مجرد أرقام إحصائية، بل أرواح لها أحلام وآثار".

وتختم شحادة بالتشديد على أهمية إبراز صوت النساء وموقعهن القيادي: "غالبًا ما يُسلط الضوء على النساء في لحظات الانكسار والبكاء فقط، دون منح مساحة كافية لمواقفهن، وغضبهن، ومطالبهن المشروعة. تمتلك هؤلاء النساء معرفة واعية مستمدة من المعايشة اليومية، ومن حقّهن المشاركة في صياغة القرارات والسياسات التي تمس حياتهن. والدور الملقى علينا هو احترام حدود كل امرأة وتوقيتها الخاص، سواء اختارت المشاركة العملية أو اكتفت بالدعم النفسي والاجتماعي الخاص".

نجمة حجازي

نجمة حجازي

صحفية استقصائية ومحررة شريكة في منصة "سين48".

رأيك يهمنا