المرأة الفلسطينية: جدليّة الفقدان والتشبّث بالمكان

المرأة الفلسطينية: جدليّة الفقدان والتشبّث بالمكان

أود من خلال هذه الورقة أن أنطلق من الحديث عن تجربة الفقدان، والتعمّق في الآثار الباقية في أرواحنا بعد كل موقف فيه شكل من أشكاله. ومع كل فقد تتجلى صور الألم والوجع والحسرة في نفوسنا، وسؤال: ما حقيقة الأشياء التي تفقدها الأسرة مع غياب الراحلين، وكم تشعر بضعف تماسكها في غياب أحد أفرادها؟

 في فلسطين، مع شلال الدم الذي لم يتوقف منذ 3 سنوات، تفقد الأم الفاقدة لزوجها -على سبيل المثال- جزءًا من روحها وعالمها ووجودها، ويتحول المشهد من أم تربي أولادها إلى أم تلعب دور الأم والأب معًا في مواجهة كل تحديات الحياة والمجتمع.

ليس هذا الواقع بالبسيط على الإطلاق؛ هي تواجه المحتل وحدها، وتواجه بعض المواقف النابعة من الموروث الثقافي. الذي قد يقيّدها ويقيّد حركتها، إلى جانب قيود المحتل وهجمات المستوطنين التي تواجهها منفردة، وخوفها من أن تفقد أبناءها كما فقدته.

أشار تقرير لهيئة الأمم المتحدة للمرأة تحت عنوان (يحملن مسؤولية الأسرة بمفردهن: الحرب وارتفاع أعداد الأسر التي تعيلها النساء في غزة) إلى ارتفاع شهدته هذه الفئة بنسبة 25% من عدد الأسر؛ أي بمعدل أسرة من بين كل 4 أسر، وبلغ إجمالي عدد الأسر نحو 86,290. تخص هذه الأعداد قطاع غزة وليس الضفة الغربية. ولهذه الأرقام دلائل مهمة متعلقة بالأعباء الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على الأسرة، وعلى الأم تحديدًا.

مما لا شك فيه بأن المرأة الفلسطينية هي شريكة رئيسة في مشوار النضال جنبًا إلى جنب مع الرجل، وقدمت ولا تزال تقدم للأرض الكثير من التضحيات، وهي الأم الولادة للثوار والقادرة على القيام بأكثر من دور معًا، لكن تتفاوت قدرات النساء مع اختلاف الأزمة وتزايد التحديات وأعباء الحياة. كنت دائمًا أتساءل: هل أعاد الوجع النابع من الفقدان وقسوته -وبعد كل تلك الصور الوحشية التي يمارسها المستعمر على أصحاب الأرض- تشكيل الوعي الفلسطيني تجاه الأرض، ونتجت عنه أجيال أكثر تمسكًا بحق البقاء في المكان.

هنا لا بد من الإشارة إلى مفهوم الوعي الذي يشتمل على أربعة أبعاد مترابطة

1. الوعي بالذات، وهو الشعور الداخلي الذي ينقل المرأة من شعورها بالاستقرار والأمان النسبي بوجود زوجها إلى مواجهة مسؤولية حماية الأبناء وإعالتهم، واتخاذ القرارات بمفردها؛ تصاحب هذا كلّه مشاعر من الخوف والقلق والضعف والإرهاق النفسي، وهنا لا بد من السؤال عن قدرات النساء الفاقدات -وتحديدًا زوجات الشهداء أو الأسيرات- على التكيّف وإيجاد البدائل، وما هي الأدوات التي توجدها الأم الفلسطينية لتحقيق ذلك.

2. الوعي بالأرض: الأرض بالنسبة لكل فلسطيني تعني القضية والهوية والانتماء، وقد يتفاوت الوعي تجاهها باختلاف التجارب، لكن يكشف النظر إلى أرض الواقع عن مؤشرات على التزام الأسر بالبقاء في المكان على الرغم من كل سياسات الإقصاء والمراقبة واتباع سياسة الطرد. هناك محاولات مستمرة للتأقلم مع كل المستجدات، وتؤكد القصص في تاريخنا الفلسطيني ذلك، مثال ذلك ما يحدث في البلدة القديمة بمدينة الخليل، حيث حوصرت أحياء بالكامل، وأغلقت ببوابات إلكترونية، ونُشر المستوطنون من خلال البؤر الاستيطانية، إلى جانب مصادرة المحال التجارية في شارع الشهداء، وإغلاق المدارس الحكومية، وتقييد الحرية الدينية وإعاقة أداء الشعائر. غيّر هذا الواقع المؤلم من وعي المواطنين بطريقة عزز فيها التصاقهم بالوطن والأرض.

3. الوعي تجاه القضية الفلسطينية: عند الفقدان وما يرافقه من أوجاع يتحوّل الوجع إلى إرادة أقوى وتصميم أكبر من خلال تحول الانتماء من قضية جماعية إلى تجربة شخصية، مثل فقدان الزوجة زوجها، والتفكير بواقع أبنائها ومستقبلهم، يختلف هذا التحول بين الأفراد باختلاف تجاربهم الفردية وظروفهم الاجتماعية.

4. الوعي بالصمود، وما يعنيه من ناحية سوسيولوجية (Social Resilience)، ونعني به مدى مقدرة الجماعات والأسر في مكان ما على مواجهة الأزمات والتغيرات والتماسك فيما بينها من أجل البقاء، وأن الصمود في المكان لا يعني التحمل فقط، بل يشمل التكيف أيضًا، إذ يعمل الأفراد والجماعات على إيجاد أدوات وابتكار وسائل تساعد عليه (Adger ,W.N(2000 (وبالتالي يدعم الوعي بالصمود بشكل مهم تماسك المجموعة وتواصلها وهي تعاني من ممارسات المستعمر لتمسّكها في المكان.

 تقول الدكتورة ليزا تراكي في كتاب "الحياة تحت الاحتلال" إن العائلة تؤدي دورًا بارزًا في إنتاج الوعي من خلال استراتيجيات التعليم أو الزواج، وفي التنشئة للذات والميول، وفي سعيها إلى البقاء والتمسك بالجذور والتحولات بالوعي الوطني في مواجهة المستعمر، وتذكر ردة الفعل العنيفة فترة انتفاضة الأقصى وسياسات العزل وبناء جدار العزل بين الضفة الغربية وقراها، ومنظومة نقاط التفتيش المعقدة في الأراضي المحتلة (تراكي:2010، ص13).

 إذًا، تعيد صعوبات الحياة بما فيها من تجارب تشكيل وعي أفراد المجتمع، بمن فيهم النساء الفلسطينيات، تجاه الأرض والقضية، وتساعد قسوة التجارب التي تمر بها النساء في تشكيل وعيهن بطريقة معينة تتفاوت فيما بينهم.

إن الفقد ليس مقتصرًا على فقدان الزوج أو أحد أفراد الأسرة، فهناك ترابط وثيق بين المرأة الفلسطينية والأرض، إذ تجدها في قرى الشمال تبكي شهورًا بسبب حرق المستوطنين أشجار الزيتون أو محصول القمح خاصتها، أو لهدم منزلها، تتجلى الصور الوجدانية والعاطفية بين النساء عندما يتعلق الأمر بالأرض والمكان، فللأماكن هوية وتاريخ وذكريات، لقد جعل هدم المستعمر عددًا من المنازل ضمن سياسة التهجير القسري النساءَ أكثر إصرارًا وثباتًا رغم وجعهن الداخلي، وهن لا يظهرن الألم حتى لا يشعر أبناؤهن بالارتباك والخوف. يخلق هذا الواقع الهش والمأزوم بشكل ما قوة في التحدي والمواجهة.

ردًا على سؤالي السيدة مرام عن أبرز التغيرات التي طرأت على شخصيتها بعد سنوات من الإقامة داخل حي محاصر، واستشهاد زوجها، تقول: "صرت عصبية وعلطول عندي توتر، مش قادرة أنام بالليل ولا بالنهار، خوف من فقدان واحد من أبنائي، كوابيس بالليل، وأحلام مزعجة، بقاوم قد المستطاع، ما عندي بدائل وبكل صدق ما بفكر أترك داري، وحياتنا داخل هذا الحي لا تشبه الحياة، مش لإنو خارج الحي أفضل، لا، طالما الشر موجود ما راح حدا فينا يرتاح.

السيدة مرام متمسكة بحقها بالبقاء في بيتها رغم كل مشاعر الخوف والألم النفسي والاحتياج العاطفي، فهي تعتبر بقاءها قوةً ووفاء منها لزوجها وللأرض والقضية. وكأن هناك علاقة وجدانية بين البيت وبينها؛ وجودها في هذا البيت شكّل بطريقة معينة الوعي والطريقة التي تصف بها بيتها بكل حب. تعبّر قصة مرام عن وعيها وعن نفسها، لكن هناك قصص ترصد المشهد بصورة مختلفة، تتفاوت مستويات الوعي وفق المواقف والتجارب.

أتساءل هنا كباحثة: ما الذي تحتاجه النساء للبقاء والعطاء؟ ما الذي يحتجنه لتعزيز دورهن ووجودهن في ظل السياسات الوحشية التي يمارسها المستعمر والمستوطنون في الضفة الغربية، وما يحدث في غزة؟

قد ترفض الفلسطينية الحديث عن هذا الكم من الوجع المتراكم، وتصرّ على الظهور بمشهد التماسك والقوة والحديث بكل فخر عن تجربتها، لكنك تستطيع أن تلمح خلف هذه القوة هشاشة كامنة داخلها بعد الفقدان، وبعد قسوة التجربة.

علياء رزق أبو دية

علياء رزق أبو دية

باحثة وأكاديمية وممارِسة متخصصة في علم الاجتماع والتنمية المجتمعية من مواليد مدينة القدس المحتلة. حاصلة على البكالوريوس في علم الاجتماع (جامعة بيت لحم، 2003)، وماجستير في علم الاجتماع الأسري (جامعة بيرزيت، 2013)، ودكتوراه في علم اجتماع الحياة اليومية (جامعة القاهرة، 2025). 

رأيك يهمنا