صُوَرٌ للنّزوحِ بِلا أَلبومِ صُوَر

(1)

هذه الغابَةُ كانت قريةً

وتلكَ الحقولُ بلدةً صغيرةً

فيها نبعُ ماءٍ وأشجارُ لوزٍ وليمونٍ

وأناسٌ يحبّون بعضهُم كثيرًا

مَنْ يُعيدُهُم الآن؟!

منذُ عشرات السنين ترتَجِفٌ قلوبُهم

يَجرونَ في مخيّلاتِهم مُسرِعين

مُلتحفينَ بالصُّوَر القديمَة

غَرقى متأخّرينَ خائفين

غادَروا للأَبَد

بلا تَذاكِرَ عَودة

يَركضونَ

في دوّامَة الموت القادِم

هاربين

صارَت القُرى (غابةً) مِن قُبور تَنزِفُ دمًا

بِلا شَواهِد

وقد امتدّ العَزاء سَبعين عامًا

وما تبقىّ حكاياتُ رُواةٍ رَحَلوا

لَم يريدوا للحَجَر أن (يَصيرَ قبراً)

ولَم يريدوا لَنا أن نَرِثَ الخوفَ

أو أن نَكبُر معَ النّسيانِ

و(نخبّئ) البِلاد في خَزائنَ

مُظلِمَةً مقفَلَة.


(2)

تُحدّثُني جدّتي كيفَ هَرَبَت

لمغارةٍ في جَبَل بَعيدٍ

حتّى رَحَلَت دوريّة الجَيشِ

و(نَجَت) مِنَ الموت

وكَيف كان زوجُها الغائِبُ

يَغيب بين العَمَل والحَرب

هيَ الصبيّةُ بِجَديلَتِها الصّغيرةِ

وابنَيها الصّغيرين

كانتَ تُضيء لهما بابور الكازِ

لِتُزيحَ عَنهُم العَتمَةَ

وبَين حُقول القَمح وأشجارِ الزّيتون

كانت تُنجِبُ الأطفالَ

وتُعلّمُهُم حُبّ البّلادِ ومَواسِمَ الحَصادْ.



(3)

أينَ ماءُ البَحرِ الذي يُجاوِرُنا؟!

ونَحنُ الذين كنّا لا نَعطَشُ يا متوسِّط!

عَطِشنا يا عربيّ

جُعنا يا عربيّ

حوصِرنا في البيوتِ

في الخِيامِ

شاهِدوا الرّصاصَ يَنزِلُ عَلَينا كالمَطَر

والصّواريخ تُفجّرُنا

يُحاوِلون بالمَوتِ اقتلاعَ الشّعوبِ

بالسَّجنِ والقَهرِ والزّنازينِ الانفراديّةِ

والقَمعِ وتَكميمِ الأَفواهِ

يمارِسون الإبادَةَ وطَحنَ الإنسانِ

وإلغاءِ الوُجودِ

حتّى على العِظامِ

تَحتَ مُجنزَرات الدّبابةِ

وطَلَقاتِ الرّصاصِ

وضَربِ المَدافِع

نشازٌ أذابَ بيوتاً وقطّع أجسادًا

ومسح عائلاتٍ بأكملها من السجلّات

كَذَبوا عَلينا (كلّ هذا مَن أجلِ السّلام)

حوصِرنا في موتِنا الذي أعدّوهُ لَنا

في كلّ العواصِم

أيّ سَلام يَتشظّى فيه صاروخٌ

في أجسادِ نساءٍ وأطفالٍ رُضّعٍ

في خيمةِ نزوحٍ يحاصِرُها المطرُ

وحرُّ الصيفِ والجوعُ والعَطَش؟؟؟

(4)

وعَلى سَبيلِ العَودةِ

نصدّق وعودَ: "سَيكونُ كلّ شيء على ما يُرام"

"سَنَرجِع يومًا"

"العَودةُ حَقّ لا يُنسى"

نتخبّطُ منذُ أن خَرَجَ أوّلُ نازحٍ مِن بيته

ونَفشَلَ مِرارًا

في إيجادِ الملابسِ في الخزائنِ

والأبوابِ في الجُدرانِ

والبيوتِ على أرضِنا 

والأرضِ التي لَنا، (لَنا)!! 

نُعلّقُ المَفاتيحَ (كتذكارٍ باردٍ)

برودٌ يذبحُنا مِن الدّاخل…


(5)

لَم تَكُن القَرية ذاتَ جَمالٍ عابرٍ 

رغمَ الغِياب

هي مَحفورَة في الأَذهان 

وفي ألبومِ صورٍ 

ليسَ عُرضةً للنّسيان.

شروق صافي

كاتبة وصانعة مُحتَوى.

رأيك يهمنا