ليسَت أدعيةً ولا أغانيَ حَزينَة، فلسطين ليسَت مجرّد رَمز!

يبدو أن نظرة "الوطن" العربي لفلسطين اتّسمَت بشمولية مبنيّة على الرمزيّة الرومانسيّة، ولا تزال نظرة هذا "الوطن" إليها محكومة بحدود القالب ذاته حتى اليوم.

تتمثّل فلسطين كرمز ساكن، وكتلة صلبة واحدة، بالقضية والمقاومة، بالتاريخ والنوستالجيا والجنّة المفقودة، وفلسطين هي كذلك بالفعل، لكنها ليست ذلك فقط، إنما هي أعمق وأعقد وأصعب بكثير، ويتخطّى ما اقترب أبناء "الوطن" العربي من معرفته عن فلسطين وتعلّمه عنها، فلسطين التي شكّلها الفلسطينيون بالأساس في الماضي ويشكّلونها الآن في هذا الحاضر القاتم. ولكي تتحرّر من هذه الرمزيّة الصلبة، فهي بحاجة إلى حركة من خارجها أيضًا وليس من تلقاء نفسها أو من داخلها فحسب، علمًا أنّها دائمة الحركة والثوران من الداخل.

لا ألوم العرب في ذلك، فنحن الفلسطينيون حملنا معنا هذه النظرة الرومانسيّة أيضًا، سواء هنا في الأرض المسلوبة، أو هناك في أرض اللجوء والمنفى، نظرة تلخّصت بـ ماذا لو لم تحتلّنا إسرائيل؟

وذهب بنا الخيال إلى أبعاد بعيدة حول شكلِ المجتمع والسياسة والمدن والجبال والطبيعة: ماذا لو لم تحلّ النكبة؟ ثمّ ماذا لو لم تحلّ النكسة؟ ومن ثم ماذا لو لم يوقّع أوسلو؟ وبعده أحداث كثيرة غيّرت مجرى حيواتنا وشكلَ بلادنا ومعنى فلسطين، لدينا ولدى العرب، في الوطن الكبير الذي شهد تغيّرات وتحوّلات سياسيّة جذريّة خلال العقود الثمانية الأخيرة منذ النكبة، كما شهد العالم كلّه.

ولربما أخطأنا كفلسطينيين، نحن أبناء الشارع أقصد، عندما نظرنا بعاطفة كذلك، إلى نظرة العرب إلينا كوحدة مستقرّة لا تعصف بها المتغيّرات ولا تؤثّر فيها، فتكوّنت عندنا توقّعات أنانيّة بحتميّة الولاء بديهيًا ومبدئيًا لقضية فلسطين، كونها قضيّة وطنيّة، عروبية، إسلامية، مسيحيّة، إنسانيّة، وكقضيّة حقّ تاريخيّ، وصراع دموي في قلب الوطن العربي وجغرافيته، صراع غير عادل وغير متكافئ مع إسرائيل "عدوّة" العرب، التي تحتلّ أراضيهم أيضًا وتطمع في المزيد.

تعامَلت توقّعاتنا مع العربي وفق مسطرة واحدة أينما كان، وكيفما كانت ظروفه وهمومه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولكن كما يقول المثل، "البطن بستان" أو "البطن قلّابة"، وكذلك هي فلسطين والفلسطينيون، وكذلك هم العرب الأشقاء منهم، والأعداء أيضًا.

حتى جاءت إبادة غزّة من العام 2023 إلى الآن في منتصف 2026، وكشفت المستور عن كل شيء في هذا العالم، وكذلك عن حقيقة ومضمون تبنّي العرب لفلسطين؛ فلسطين القضيّة والرمز!

ففي حين انتفضت شوارع أوروبا وأميركا وامتلأت بالشباب رفضًا للإبادة، وفعّل مواطنو "الغرب" ضغوطهم الممكنة لمحاسبة إسرائيل ومقاطعتها وفضحها، تمترسَ العرب خلف الشاشات يشاهدون ويراقبون ويعيدون إنتاج الكتلة الصلبة الساكنة والمفهوم الشموليّ الرمزيّ لفلسطين، واللذين يتلخصان في ثنائية البطولة والتضحية، لذلك فإنه لا حاجة -بحسب هذا الوعي العربي- للمبادرة والفعل، إنما يتمحور الدعم غالبًا حول الدّعاء أو البكاء أو العطف الماديّ. تبيّن لي خلال الإبادة أن تعويلنا كفلسطينيين على العرب كقوة سياسيّة ضاغطة، نما أصلًا من فكرة خاطئة عن فهمهم وتقديرهم لما تحمله القضية من أهميّة ومصيريّة في المصير المشترك لهذه البقعة والمنطقة من العالم، رغم ما نعرفه أصلًا ونقرّ به من أن الرجعيّة العربيّة مع الحركة الصهيونيّة والإمبرياليّة العالميّة، كانت سببًا في نكبتنا وضياع حقّنا. 

لا أنوي إيجاد مبرر لأيّ أحد، ولكن يبدو أن نشأة الشعوب العربية بالمجمل وسط عواصف ذاتيّة تخصّها، جعل الهمّ الفلسطيني همَّا يفوق طاقاتها ومسؤولياتها، خاصّة في اللحظة التي تكوّنت فيها وتجذّرت صورة بطولة الفلسطينيين المطلقة، والنقاء المطلق لفلسطين التي لا يُحتمَل في الوجدان العربي رؤيتها تُنتهك "وتُغتصب"، لذلك طالما أن الفلسطينيّ يناضل ويقاتل ولو بالحجر، فهو يدغدغ هذا الوجدان الذي يبحث عن استرداد "شرفه" فيرضيه ذلك عند هذا الحدّ، ويذهب عميقًا أكثر في إخلاء المسؤولية عن كاهله، بدلًا من أن يحصل العكس، كما يَفترض المنطق!

أستثني من الاستنتاج الذي استخلصته خلال مراقبتي العامّة -وليس البحثيّة الدقيقة- لسلوك العرب تجاه فلسطين في الأعوام الثلاثة الأخيرة، أستثني الشعوب والفئات التي خاضت نضالاتها الخاصّة والمشتركة مع الفلسطينيين، سواء خلال إسنادها غزّةَ في مواجهة الإبادة، أو مواجهتها الاستعمار والاحتلال ومحاولات الهيمنة الخارجيّة عليها في الماضي والحاضر، ولها تجربتها في الدفاع عن الأرض والكرامة الوطنيّة، حيث تجلّى التعامل مع فلسطين فيها رغم الأثمان الباهظة والباهظة جدًا بوصفها قضيّة مبدأ، وليس عاطفة تمسح دموعها بعض الأدعية الدينيّة أو الأغاني الحزينة.

لكن، حتى داخل هذا المزيج، استوقفتني مرارًا بعض المحطّات التي أظهرت أمامي كيف يتوقّع العربي القريب والبعيد، ما يجب أن يكون عليه الفلسطيني، ويتصرّف بحسبه ضمن معادلة الرمزية الطاهرة التي لا تشوبها شائبة، ولا حتى شوائب الواقع الواقعية التي لا يمكن نكرانها ولا إلغاؤها ولا التحايل عليها، وقد يكون ذلك ناجمًا عن حالة من الإنكار، لتعقيد القضيّة الفلسطينيّة وصعوبة تفكيكها، وامتطاء هذا "الشقيق" العربي القريب أو البعيد، صهوة الحريّة والتحرّر الموهومة.

أذكر أنّه في عام 2014 تقريبًا، خلال تغطيتي الميدانيّة التلفزيونيّة المباشرة كمراسلة أخبار، لما يسمّى "مسيرة الأعلام الراقصة" في القدس،[1] طلبت منّي المذيعة، وهي إعلاميّة عربيّة مرموقة، وزميلتي في الوسيلة الإعلامية نفسها آنذاك، على الهواء قائلة: "أرجو أن تبتعدي في كادر الصورة عن العلم الإسرائيلي من خلفك، فلا داعي أن نراه..".

قد تكون الزميلة قصدت أنّه لا داعي لمنح علم الاحتلال في القدس مساحة من الصورة على الشاشة العربيّة. لكن جملتها قد استفزّتني ودفعت في رأسي لحظتها وفيما بعد، لتبلور الكثير من التساؤلات حول مخيّلة العالم العربي تجاه فلسطين، الذي يريدها ويريدنا أن نكون لاعبين في مشهد جاهز، مهيّأ على مقاسات استقباله ووعيه وقدرة تحمّله وانضباط مشاعره. استفزتني الجملة لأنها كانت مقطوعة عن الواقع تمامًا، فخلفي كان يومها نحو خمسين ألف مستوطن يتراقَصون مع أعلامهم! فما المعنى ألّا يظهر احتلال المدينة أمام المشاهد العربي عبر الصورة؟!

بعد انتهاء الجولة الأولى من الحرب الإسرائيليّة والعدوان المفتوح على لبنان في العام 2024، استوقفتني مشاهد اللبنانيين يزيلون الأعلام الإسرائيليّة عن بعض الجدران والمباني التي انسحبت منها قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، ويلقون بها. استوقفني المشهد رغم بساطته وطبيعيته، إذ شعرت بأنّ ذلك امتياز لا يحدث أن يحظى به الفلسطيني، اليوم بالذات، دون محاسبة وعقاب شديدين. فالبلد هنا كما يقال "مرشومة بالأعلام المنعوفة"، ملآى ومثخنة بالأعلام في كل ناحية وجانب.. في الشوارع، في المباني العامّة والخاصّة والمراكز التجاريّة والمستشفيات والمستوطنات، وفي القدس والضفة والداخل وكل مكان، تحاصر أعلام إسرائيل فضاءاتنا بشكل جنونيّ، حتى أنّي قبل فترة كنت أشير لزميل حول ملاحظتي مزيدًا من الأعلام في كلّ مرّة نعود فيها لزيارة أي منطقة، بالمقارنة مع العام الماضي أو الأشهر الماضية، فردّ قائلًا: لم أعد ألحظ الفرق!

هذه الجزئيّة من المشهد الواقعيّ المعقّد لفلسطين، هي ما ينكره علينا إخواننا العرب، وكم بالحريّ إن تناولنا تعقيدات حالتنا كفلسطينيي الثمانية والأربعين كما شاع اسمنا؟!

تقول الشاعرة الفلسطينيّة فدوى طوقان، ابنة مدينة نابلس في الضفّة الغربيّة، التي التقت بالمثقّفين الفلسطينيين من الأراضي المحتّلة عام ثمانية وأربعين لأوّل مرّة، فقط بعد احتلال الضفّة، تقول في الجزء الثاني من سيرتها الذاتية:

"أثناء لقائي بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر في أواخر كانون الأول/ ديسمبر العام ١٩٦٨، حدّثته عن أولئك المتجذّرين في أرضهم منذ عشرين عامًا برغم تحدّيات الحركة الصهيونية التي تواجههم، لا سيما المحاولات لترسيخ العدمية القومية في وجدان الأقليّة العربية".

وتردف: "وكم شعرت بالسعادة حين سمعت من إذاعة القاهرة التحيّة الحارّة التي وجهها الرئيس بعد ذلك اللقاء إلى العرب الصامدين المناضلين تحت جناحي الخفّاش الكبير منذ عشرين عامًا. يذكّرني هذا بالحملة الظالمة التي شنّها بعض المزاودين في بعض الأقطار العربيّة على الشاعرين محمود درويش وسميح القاسم بسبب اشتراكهما مع الوفد الإسرائيلي في مهرجان صوفيا للشباب، لكونهما يحملان وثيقتي سفر إسرائيليتين، وكانت هذه أول مرة يطلّان فيها على العالم خارج إسرائيل، ويتصلان بوفود شبيبة العالم، ويطرحان أمام تلك الشبيبة موضوع معاناة الفلسطينيين تحت الحكم الصهيوني".

منذ ذلك الحين من الزمن، وتلك الحقبة السياسيّة البعيدة، قفزنا قفزات تكنولوجيّة هائلة قرّبت المسافات واختصرتها نظريّا، وفتح تطبيع العرب مع إسرائيل الأبواب للّقاءات الخاصّة، والعامّة الثقافيّة العمليّة والسياحيّة، لكن هل أحدث هذا التلاقي المباشر المفتوح تقاربًا حقيقيًا؟! أم بقي يدور في حلقات ثقافيّة نخبويّة وعلاقات اقتصاديّة استهلاكيّة ضيّقة؟ فيما بقيت الغالبيّة من الفلسطينيين والعرب في غربة تليّنها بعض الأحداث والعواطف، بين الإبادة.. والمونديال مثلًا!


[1] مسيرة تقليديّة يشارك فيها أكثر المستوطنين الإسرائيليين تطرّفا، تقام سنويّا تعبيرًا عن الاحتفال بما تطلق عليه إسرائيل "يوم القدس" أو "يوم توحيد القدس" الذي يعدّ عيدًا "وطنيًا" إسرائيليًا، وهو في الواقع يمثّل ذكرى احتلال الشطر الشرقي من المدينة في العام 1967، بعد أن كان شطرها الغربيّ قد تمّ احتلاله في العام 1948.

هناء محاميد

صحافيّة ومخرجة وثائقيّة فلسطينيّة.

رأيك يهمنا