أَحداث جِسام وَرَقْمَنَة مُتَسارِعَة: أيّ مَرحَلَة تَنْتَظِر الإِعلام؟

لو طُلب منّي تلخيص ما واجهَه الإعلام في السنوات الثلاث الأخيرة بجُملة واحدة، لقُلت إنّنا نَعمل في مهنة فَقَدت ترَف الهُدوء. لم يَعُد هناك وقت كافٍ للتّفكير الطويل، ولا مساحة آمنة لتَفادي الخَطَأ. كلّ شيء بات متداخلًا، وسريعًا، ومفتوحًا على احتمالات فَرَضَت على وسائل الإعلام، تحدّي مواكبة الحَدَث بسرعة هائلة وبدقّة ومسؤولية كبيرتين، وتحت وطأة الضّغط الشديد.

حَدَث دائم.. بلا فَواصل زمنيّة

أبرز ما ميّز أحداث الـ 28 شهرًا الأخيرة، هو غِياب الفواصل بينها، كما لَو أنّ ترابطها مُخطّط وحتميّ، مع إصرار الجهات الفاعلة والمتصارِعة إقليميًا ودوليًا، على استكمال حلقة الأحداث، قبل صياغة أيّ من التّسويات الشاملة لمنطقة جديدة، لم تُحسم فيها موازين القُوى بعد، ولا شَكْل التسويات القادمة. لم يَعُد هناك مَلف واحد يهيمن على المَشهَد فترةً كافية تَسمح بالمتابعة المتدرّجة والتحليل الهادئ. تداخَلَت الحروب، والأزمات السياسية، والتحوّلات الاقتصادية، والاضطرابات الاجتماعية، وحتى تقلّبات الطقس، جميعها في وقت واحد، ما فَرَض على الإعلام حالة متابَعة دائمة. لم يَعُد الحَدَث استثناءً، بل أَصَبحَ حالة يوميّة متكرّرة، وهو ما غيّر طبيعة التغطية الإعلامية من المعالَجة المتأنيّة إلى الاستجابة السريعة والطويلة!

لم يكن هذا الواقع خيارًا، بل نتيجة مباشرة لإيقاع الأَحداث نفسها. وَجَد الإعلام نفسه مضطرًا لمواكبة التطوّرات المتلاحِقَة. وعلى مدى تراكميّ، فَرَض ذلك عليه تركيزًا أكبر على التحديثات الآنية والمعالَجات الحديثة.

القَرار التّحريري.. تحت الضغط الأَشَد

أصبَح الوَقتُ العاملَ الأكثر حساسيّة في العمل الإعلامي والصحافي. تقلّص الفاصل بين وصول المعلومة الأوليّة ونشرها إلى حدّ كبير، وهو ما فرض تحديًا مضاعفًا أمام محطات التّلفزة المسؤولة والمهنية، لمضاعفة الجهود ضِمن وقت قياسي، وباعتماد منهجيّات مستجدّة، للمراجعة والتحقّق من المعلومات الأوليّة، قبل مسارعة النّشر وتلبيَة الجمهور الذي بات أقل صبرًا مقارنةً بما كان عليه الحال قبل سنوات. وبرأيي، هذا أتاح لوسائل الإعلام، وخصوصًا محطات التّلفزة، فرصة لتطوير خبراتها ومهاراتها في التعامل مع أَحداث غير مسبوقة من حيث الكثافة والاستمرارية. في غُرف الأخبار، تُتخذ القرارات التّحريرية في ظلّ معطيات وأحداث متلاحِقَة ومكثّفة، مع إدراك أنّ أيّ تأخير قد يَعني فقدان الحضور أو التأثير. وأَستَذكر هنا، ما سمعتُه من زملاء ذوي خبرة طويلة، أنّهم لأولّ مرة في مسيرتهم المهنية، يَعملون في تغطية مستمرّة وطويلة لأحداث لا تتوقّف منذ أكثرَ من سنتين، وهذا ما يؤكّد أن ما يجري قد أَحدَث تحولًا لافتًا في عَمَل غرف الأخبار، وقد لَمَست الأخيرة جوانب متعدّدة منه، وليس بعيدًا أن تجلب مزيدًا من التحولات الإعلامية مستقبلًا.

ترَك هذا النمط أَثَره على وسائل الإعلام والصحافيين أنفسهم. تعدُّد المهام، والعمل المتزامِن على أكثر من منصّة، والمتابَعَة المستمرة على مدار اليوم، كلّها عوامل زادت من العبء المهني. وعلى المدى الأَبعَد، يَطرَح هذا الواقع تساؤلات حول استدامة هذا النموذج، وقُدرته على الحفاظ على جَودة العمل الصحافي دون استنزاف المَوارد البشرية.

جمهور أكثر حضورًا في المشَهد

الحالُ أنه في السنوات الأخيرة، تغيّرت علاقة الإعلام بجمهوره بشكل واضح. لم يَعُد الجمهور متلقيًا فقط، بل أَصبَح جزءًا من دَورة الخَبر، من خلال التّفاعل الفوري وإعادة النّشر والتّعليق. أثّر هذا الحضور المتزايد للجمهور على طريقة تلقّي المحتَوى، وكيفية تفسيره.

في أَحيان كثيرة، يتفاعَل الجمهور مع المّادة الإعلامية من خلال توقّعات أو مواقف مسبَقَة، ما يفرض على الصحافي والمؤسسة الإعلامية دقّة إضافية في الصياغة، وحرصًا على الفَصل الواضح بين الخَبَر والتحليل. بالطبع، يرتَبط هذا التحدّي بطبيعة البيئة العامة التي أصبَحَ فيها النقاش العام سريعًا وحساسًا في آن واحد.

 التحوّل الرقميّ.. كواقع مَفروض أيضًا

يَفرض التحوّل الرقميّ اللامحدود نفسه كذلك على الإعلام، كتحدٍ وفرصة في آن. فهذا التّحول الرقميّ وما يُعرف بالذكاء الاصطناعي "AI"، لم يَعُد خيارًا، بل أصبَحَ واقعًا يفرض نفسه على كلّ المؤسسات الإعلامية بمختلف أشكالها ومرجعيّاتها. باتت المنصّات الرقميّة المساحَة الرئيسة لاستهلاك الأخبار وانتشارها، ما انعكس على شكل المحتوى وطَريقة عرضه. أصبحت المواد المختصرَة، والمحتوى المرئي، وسرعة النّشر عناصر أساسية في أيّ استراتيجية إعلامية.

ولأن العالَم الرقميّ في تطوّر مستمرّ ومتسارِع، فإنّ محطات التّلفزة تبدو الأقدَرَ من غيرها على مجاراته وتوظيفه في إنتاجها الإخباري وحتى في البرامج، مرورًا بتوسيع نطاق النّشر والتّأثير والوُصول إلى أكبر شريحة من الجمهور.

لكنّ هذا التحوّل تَرافَق مع تحدّيات اقتصادية واضحة. تَراجُع نماذج التّمويل التقليدية، والاعتماد المتزايد على منصّات خارجية، ووضع المؤسّسات الإعلامية أمامَ معادلة مستجدّة: التكيّف السريع مع المتغيّرات الرقميّة، مع الحفاظ على المَعايير المهنية بموازاة تَرشيد المَوارد.

الخوارزميات.. كمؤثر خفيّ!

لا شك أنّ أحَد التحوّلات غير المرئية، لكن المؤثّرة، كان دَور الخوارزميات في تحديد مدى وصول المحتوى. لم يَعُد انتشار المادة الإعلامية مرتبطًا فقط بقيمتها أو أهميتها، بل بتفاعلها مع منطِق المنصّات الرقميّة. يَفرِض هذا الواقع على الإعلام تحديًا مهنيًا يتمثّل في الحفاظ على جَودة المحتوى، دون الانجرار الكامل إلى مَنطق الانتشار السريع على حساب السّياق والقيمة؛ لأنّ ما يَلقى تفاعلًا وانتشارًا كبيرين في العالم الرقميّ، قد يتَلاشى عند بروز حَدَث معيّن أو خُفوته، فالمخاطَرَة في مَواقع التّواصل والمنصّات الرقميّة، ينطبق عليها المَثَل القائل: "اللي بيجي بسرعة.. بروح بسرعة". هذا يُحتم على وسائل الإعلام عدم الارتكان إلى حجم التفاعل الرقميّ فقط، بل أيضا الاستمرارية وابتكار طُرق متجدّدة لجلب الجمهور، وإبقاء أَثَر المُحتوى عليه وفي ذاكرته، ثابتًا وطويلًا.. لا متغيرًا وسريعًا.

الذكاء الاصطناعي.. رُعب أَم أمل؟

خلال السنوات الأخيرة، دَخَل الذكاء الاصطناعي بقوّة إلى العمل الإعلامي. في الحاضر، يُستخدم كأداة مساعِدة لتَسريع بعض العمليات، مثل تحليل البيانات، والترجمة، وتنظيم المحتوى وضبطه. ساعدت هذه الاستخدامات في تحسين الكفاءة، خاصة في ظلّ ضَغط الوقت، لكن ثمّة مُخاطَرَة فيها، وهي عدم الارتكان إلى "ذكائها الاصطناعي"، بل تتطلّب تدقيقًا ومراجَعَة لاحقة، فمنصّات الذكاء الاصطناعي، قد تُخطئ في تأريخ الحدث، وربما تضلّل في فَهم سياقه وعلاقته بأحداث أخرى، عدا أن هذه المنصّات تُكثر من الكليشيهات والنصوص الخالية من الحسّ والمَشاعر، وهذا ما يُؤكد أنّ دور الصحافي باقٍ رغم التحوّلات الرقميّة المُبهرة، مع ضرورة توظيفه منصات الذكاء الاصطناعي وإتقان استخدامها لتطوير المُحتوى، سواء كان مكتوبًا أو مرئيًا أو متعدّد الوسائط. فالصحافي لَن ينتهي دورُه بسبب الذكاء الاصطناعي، إنّما ذلك الصحافي الرّافض لمجاراة الواقع الجديد وتَطوير مهاراته لتوظيف أدوات الذّكاء الاصطناعي وتطبيقاته، للارتقاء بمحتواه الصحافي والإعلامي.

إلى جانب هذا، يَطرَح الذكاء الاصطناعي تحدّيات مستقبلية تتعلّق بالتحقّق والمسؤولية المهنيّة. يفرض تطوّر أدوات إنتاج المحتوى الآلي، وصعوبة التمييز بين الحقيقي والمُنتج آليًا في بعض الحالات، على الإعلام دورًا إضافيًا في التّدقيق والمراجَعة. ليست المسألة هنا تقنيّة فقط، بل مهنية وأخلاقية.

الإعلام.. نحو شَكل ودَور جديدين؟

يُشير مجمَل هذه التحوّلات إلى أنّ الإعلام يمرّ بمرحلة إِعادة تَعريف لدَوره. التحدّيات الآنيّة واضحة، لكنّ التّأثير الأبعَد قد يكون أكثر عمقًا. في بيئة تتّسم بتدفّق هائل للمعلومات، تزداد الحاجة إلى مهارات إعلامية قادرة على التّفسير وربط الوقائع، لا الاكتفاء بنقلها والارتكان إلى الوسائل التقليدية.

من داخل المهنَة، يمكن القول إن السنوات الثَلاث الأخيرة فَرَضَت الحاجة إلى مراجَعة واقعية. لن يكون التحدّي في المرحلة المقبلة في مجاراة السّرعة فقط، بل في الحفاظ على المَعنى والثقة، في بيئة تتغيّر بوتيرة تَفوق قدرة الإعلام على التنبّؤ الكامل بما هو قادِم.. فهل يتّجه الإعلام نَحو مزيد من التّغييرات سواء على صعيد شَكله أو مضمونه.. وحتى مفهوم وظيفته؟

أدهم مناصرة

صحافي فلسطيني يعمل في الإنتاج الاخباري والسياسي التلفزيوني، إضافة إلى عمله معدا ومقدما لبرامج إخبارية وحواريّة إذاعية لنحو 15 سنة. كما يكتب باستمرار تقارير ومقالات سياسية واجتماعية، وأخرى ذات صلة بحرية الرأي في العديد من المواقع والصحف العربية والمحلية. وكان قد عمل مديرا لراديو يمن تايمز في العاصمة اليمنية صنعاء عام ٢٠١٣.

رأيك يهمنا