خيمَة Cafe

خَرَجَت مِن الخيمة لتَرى المشهد السرمديّ اليومي ذاته: قَهوَةُ الخَيمة، إذ تفتّق خيال جارهم الإبداعيّ عن أن يُحوّل خيمَتَه إلى "خيمة cafe"، وظلّ يُلاحِق مسؤولي المساعَدات واعدًا إيّاهم بقهوَة مجّانية إن أَعطوه خيمة أُخرى يَضَعها بجِوار خيمتِه وقد كان، استصلَحَ قاعِدة حديدية وشكَّلها بيديه ووضَع تحتها أخشابًا وأوراقًا لتحتَرق وتُشعِل نارًا يَضَع فوقَها الماء ليَغلي في برّاد وَجَدَه بين ركام أحَد المنازل، ثم بحَث حتى وَجَد بضع كراسٍ مهلهلة وضَعها أمامها وأَصبح يقدّم الشّاي والقهوة مقابل شواكل بَسيطة عَبر التطبيق، فلا أحَد يَستطيع أو يَقبل التّعامل بالعملات سواء الورقيّة أو المعدنيّة.
ويومًا بَعد يوم أَصبَح الرّجال يتجمّعون هناك صباحًا قَبل أن يَسعوا بحثًا عن كيس طحين، دواء ناقِص، كَرتونة مساعَدات، ٤ جدران تَستُرهم هُم وعائلاتهم. أو عَصرًا حين يعودون محمّلين الخِذلانَ جارّين ذيول الخيبة وراءهم.
عادَت إلى الخَيمة بَعد أن نَفَضَت أَغطية الأَسرّة التي هي عبارة عَن مَراتِب أرضيّة (فرشات) فيما لا تَزال تَسمَع الحوار الدّائر في قَهوَة الخَيمة بين جَمع من الرجال:
أبو أحمد (وهو جارٌ نزح من الشمال، حاصل على دكتوراه في العلوم السياسيّة وكان يحاضِر في الجامعة الإسلامية قَبل قصْفها): بيقولّك حَرب إيران هتغلّي الأسعار.
أجابَه أبو السّعيد (نازح آخَر لكن من الجَنوب، يعمَل في الزّراعة، وكان يملك دونمًا يزرَعُه ما تَطلُبه المَواسم): أكثَر من هيك وين نْروح، غزّة صارَت أَغلى مِن لندن ودبَي وطوكيو مِجْتَمعين.
أَبو أَحمد: سَبَب الغَلا عِنا سِرقَة وحَرمانيّة، بَس هذه الحَرب هيكون بسَبَب إغلاق مَضيق هرمز مِن ناحيِة ووَقف صادِرات الطاقة في دُول المنطقة من جهة ثانية.
هنا تدخَّل راجي (نازح من حيّ الزيتون في أواخر العشرين، كان يَحتَمي بالكنيسة مع عائلته قَبل قصفها، وكان يعمل في شركة الاتصالات الوطنيّة): الأخبار بِتقول إنُّ برميل النفط أصبَح بـ٩٢ دولار، وهذا أعلى معدل إلُه من ٢٠٢٠، وهذا أدّى إلى ارتفاع سِعر الدولار.
أَبو السّعيد: بيرتَفِع الدولار في كلّ العالَم إلّا عنّا، الشيكل مَسنود، حتى لَو صار شو ما صار، شو دَخَلنا إحنا؟
أبو أحمد: كيف شو دَخَلنا، ارتفاع أسعار الوَقود والطّاقة بيؤدي مباشَرة إلى ارتفاع تكاليف النقل والصناعة والزراعة، الّلي بيأَثّر بشكل مباشِر في زيادِة أَسعار الغذاء والسّلع الأساسيّة للمستهلِك النّهائي، يَعني الّلي كان بيجينا ٥ أَضعاف، هلأ هَيجي ١٠.
راجي: أخوي في إنجلترا قلّلي امبارِح إنّه قرار روسيا بوَقف تصدير الغاز لأوروبا نتيجة الحرب عامِل أزمة كبيرة، طوابير أَمام محطّات البترول، وعلى هيك وقيس بَقيّة أوروبا.
أبو أحمد: مإجَتش على روسيا، قطر والكويت والبحرين وعمان حتى أندونيسيا أَعلنوا القوّة القاهرة.
أَبو السّعيد: إيش القوّة القاهرة هاذي؟
أبو أحمد: هو مَفهوم قانوني يُعفي الأَطراف المُتعاقِدة مِن مسؤوليّاتهم أو التزاماتهم عندما يَحول حَدَث خارجي استثنائي وغير متوقّع دون تَنفيذ العَقد. يَعني بالعربي وقّفوا تصدير أو استخراج البترول مِن غير ما يكون عَليهم عِبء قانوني في العُقود الّلي بينهم وبين الشّركات الأجنبية الّلي أَغلَبها أوروبي أو أَمريكي. راجي: بْمَعنى؟
أبو أحمد: دُوَل كثيرة راح يتأثّر أمنها الغذائي والطّاقي. مِشْ بَس في منطقة الشرق الأوسط، بل في العالَم كلّه.
راجي: بَسّ وحياتك ما تقول شرق أوسط، إحنا وَسَط العالَم، والعالَم هو شَرقنا وغَربنا ولَسنا نحن شَرقهم ولا غَربهم. أبو السعيد: صَح والله، ثُم استطرد؛ طيّب وشو راح يْصير بَعدين؟
أبو أحمد: في حال طوَّلت الحَرب دُوَل زَيّ مصر والأردن على سبيل المثال لا الحَصر هَتعاني من ارتفاع فاتورة واردات الغِذاء والطاقة، مما يَزيد الضغوط على العِملة المحليّة والماليّة العامة، ولَو استمرّت الحَرب مُمكِن سِعِر البرميل يوصِّل لـ ١٢٠ دولار، وبالتّبَعيّة هيحصَل تضخّم عالَمي، الّلي بِسَبَبُه بيصير ركُود اقتصادي.
أَبو السّعيد: ولا غَلَبة عليك إيش يعني؟ الرّكود الاقتصادي مِن غير شَرح طويل هو انخفاض في النّشاط الاقتصادي بيؤدّي إلى: • تَراجُع في الإنتاج والتجارة • زيادَة البَطالة • انخفاض الإنفاق والاستثمار؛ يَعني الّلي عايِش مَستور هينزِل دَرَجة، والجِعان هيجوع أكتر. والغَني؟ هيقلّ ثراؤه بَس هيظل ثَري.
راجي: وطبعًا الوَحيدين الّلي ما بيتأثّروا هُمّ ملوك الحَرب وجماعة أبستين.
أبو أحمد: هذا عالأكيد.
أبو السّعيد: يا جَماعة يَعني الأكل هيغلى للمرّة المَليون؟
راجي: للأَسَف أيوَه.
ثُمّ تحوَّل الحَديث عن وِجهة كلّ منهم للبَحث عن مَسعاه اليوم، منهم مَن سَمِع عن وجود طَحين عند أحَد التجار، فسيذهَب علّ الخبر صحيح، وآخر سَيَذهَب لـ sameer project، وهي منظمة غير ربحيّة سُمّيت باسم أحد أخيار دير البلح بَعد وفاته في الحرب، بحثًا عن خيمة لأخته وأطفالها. أمّا الثالث فَسَيتّجه إلى المُستشفى ليستفسِر عمّن جاءوا اليوم مصابين أو شهداء، علّه يَجِد أَخاه بَعد أن تفرّقت بهم السُّبل يوم النّزوح. وانفَضّ الجَمع كلّ إلى حَاله، ليَعود زَوجها من سَعيِه آخر النهار، ويَسأَلها عن أَخبار المعسكَر (مكان تتجمّع فيه الخيم)، فَما قالَت سِوى جُملة واحدة: "إذا استمرّت حَرب إيران فإنّ العالم في طَريقه إلى أَن يُصبِح غزّة كبيرة".

هند أبو سليم
من مواليد غزة عام 1979، حاصلة على درجة البكالوريوس في العلوم الاجتماعية من جامعة UNOMAHAفي الولايات المتحدة. كتبت مقالًا أسبوعيًا في صحيفة "اليوم السابع المصرية" مدَّة أربعة أعوام. أصدَرَت أوّل كتبها المَقاليّة عام 2021 بعنوان "في حياتي دولفين"، وتنتظر نَشرَ كتابها الثاني "حقيبة إسعافات أوليّة" (العنوان مؤقَّت).



