لأنّ غَدَنا حبيسُ صناديقهم

في فلسطين، لا تمرّ الانتخابات الإسرائيلية كخبر خارجي يمكن قراءته ونسيانه. فنحن نراقب سباق أحزاب؛ لأن الاسم الذي يَخرج من صندوق الاقتراع هناك قد يتحوّل هنا إلى قرار يمسّ أرضًا، أو بيتًا يخشى أصحابه هدمه، أو مستوطنةً تتقدم خطوة أخرى، أو حربًا يتمنى أهل غزة أن يجدوا لها نهاية. لذلك، حين نسأل: من يحكم إسرائيل؟ فنحن لا نسأل عن رئيس حكومة فقط، بل عن جزء من شكلِ الغد الفلسطيني.

تتجه إسرائيل، في السابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، إلى انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، وهي أول انتخابات عامة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، والحروب التي أعقبته في غزة ولبنان وإيران. لا تبدو المنافسة مجرّد سباق على عدد المقاعد؛ فهي تدور أيضًا حول استمرار بنيامين نتنياهو في الحكم، وشكل الائتلاف الذي سيولد بعد الانتخابات. في النظام الإسرائيلي، لا تكفي معرفة الحزب الأكبر لفهم الحكومة المقبلة؛ لأنّ التحالفات بعد الاقتراع قد تمنح أحزابًا أصغر تأثيرًا واسعًا.

بالنسبة للفلسطيني، تبدو المفارقة قاسية: لا يملك معظم الفلسطينيين صوتًا في اختيار هذه الحكومة، لكنهم يعيشون تحت تأثير قراراتها.

لا يختار الفلسطيني في الضفة الوزير الذي قد يؤثّر في سياسة الاستيطان أو الإجراءات المفروضة على الأرض. والغزّي الذي أنهكته الحرب لا يشارك في انتخاب من سيناقش ملفات الحرب والتهدئة والمعابر والمساعدات ومستقبل القطاع. في القدس، يراقب الفلسطيني حكومةً قد تنعكس سياساتها على الاستيطان والوجود الفلسطيني والمقدسات. وحدهم المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل يشاركون في الاقتراع، ضمن معركة سياسية بقضاياها الخاصة.

لهذا، لا يكفي أن نراقب من يتقدّم في استطلاعات الرأي، أو عدد المقاعد المتوقّعة لكل حزب. السؤال الأهم فلسطينيًا هو: أيّ سياسة ستخرج من تلك المقاعد؟ ومن سيمسك بالوزارات التي تؤثر في واقع الأرض والضفة والقدس؟ ومن سيحدّد مساحة الحرب ومساحة التفاوض؟ فالسياسة لا تصل إلينا في هيئة خطابات انتخابية؛ تصل أحيانًا في صورة قانون، أو أمر عسكري، أو مخطط استيطاني، أو قرار يغيّر حياة عائلة كاملة.

ولعل الاستيطان يكشف بوضوح كيف تتحوّل السياسة إلى جغرافيا. ففي أيلول/ سبتمبر الحالي، أضيف عطاء لبناء 2167 وحدة سكنية إلى مشروع التوسّع الاستيطاني في منطقة E1، ليرتفع مجموع الوحدات المرتبطة بالعطاءات المعلنة إلى 3401 وحدة، بحسب منظمة إسرائيلية حقوقية. يقول منتقدو المشروع إنه يهدّد التواصل الجغرافي لدولة فلسطينية مستقبلية، ويفصل الضفة عن القدس الشرقية. هنا نفهم لماذا لا يكون تشكيل الحكومة خبرًا بعيدًا؛ لأن الكلمات التي تقال في الحملات قد تصبح إسمنتًا وشوارع وخرائط على أرضٍ نعرف أسماء قراها جيدًا.

أما غزة، فالسؤال فيها لا يحتاج إلى كثير من التنظير. بعد سنوات من القتل والدمار والنزوح، تصبح هوية من يملك القرار الإسرائيلي مرتبطة بأسئلة بسيطة وقاسية معًا: هل تتوقف الحرب؟ هل يدخل الدواء؟ هل يعود النازح إلى مكان يستطيع أن يسميه بيتًا؟ ماذا سيحدث للأسرى والمفقودين؟ وما شكل اليوم التالي؟ بالطبع، لا تجيب الانتخابات وحدها عن هذه الأسئلة؛ فهناك حسابات عسكرية، وضغوط دولية، ووسطاء، ومصالح إقليمية. لكنها تحدّد إلى حدّ كبير طبيعة من يجلسون في غرفة القرار.

في القدس، تصبح الانتخابات أكثر حساسية؛ لأن المدينة ليست بندًا سياسيًا عابرًا في الوعي الفلسطيني. القدس ذاكرة، وهوية، ومكان، ودين، وحياة يومية. لذلك، فإن أي تغيّر في موازين القوى داخل الحكومة الإسرائيلية يُقرأ من زاوية ما قد يعنيه للأقصى، والاستيطان، والأحياء الفلسطينية، وقدرة الناس على البقاء في مدينتهم. هنا لا تصل نتيجة الانتخابات على شكل أرقام فقط؛ قد تصل في هيئة سياسة جديدة، أو إجراء جديد، أو واقع جديد يحاول أن يصبح دائمًا.

لكن من الخطأ أيضًا أن نختصر القضية في الاعتقاد بأن تبدّل الحكومة سيقلب كل شيء. عرف الفلسطينيون حكومات إسرائيلية مختلفة، فيما بقي الاحتلال والاستيطان والصراع بلا حلّ نهائي. وقد تتغير اللهجة، والأدوات، والأولويات، وسرعة اتخاذ القرارات، لكن ملفات أساسية ظلّت حاضرة عبر حكومات متعاقبة. فكل حكومة جديدة تعيد ترتيب الأولويات، حتى عندما تبقى جذور الصراع نفسها ثابتة على الأرض الفلسطينية. لهذا، يجب ألا نحمّل الانتخابات قدرة سحرية على تغيير الواقع، كما لا يجوز أن نتعامل معها كحدث لا يعنينا.

ربما يقودنا ذلك إلى السؤال الأصعب: لماذا يبقى الفلسطيني شديد الانشغال بمن يحكم إسرائيل؟ لأن جزءًا كبيرًا من حياته ما زال عرضة لقرار سياسي لا يشارك في صنعه. وهذه وحدها مفارقة تستحق التأمل: أن تستيقظ صباحًا فتجد أن طريقك، وأرضك، وقدرتك على الحركة، وأحيانًا أمن بيتك، يمكن أن تتأثّر بحكومة لم تمنحها ثقتك، ولا تمتلك حقّ سحب الثقة منها أصلًا.

لكن مراقبة الانتخابات الإسرائيلية لا ينبغي أن تجعل الفلسطيني مجرّد متفرّج ينتظر ما يقرره الآخر. السؤال المقابل يجب أن يكون فلسطينيًا أيضًا: كيف نتعامل نحن مع اليوم التالي؟ كيف نبني موقفًا سياسيًا أكثر وحدة؟ كيف نحمي حقوقنا، وروايتنا، وأرضنا بأدوات سياسية وقانونية ودبلوماسية أكثر فاعلية؟ وكيف نمنع الانقسام من أن يجعلنا أضعف أمام تحولات لا نملك التحكّم بها؟

في النهاية، حين يضع الناخب الإسرائيلي ورقته في الصندوق، قد يفكر في حكومته، واقتصاده، وأمنه، ومستقبل دولته. أما الفلسطيني، فينظر إلى الصندوق نفسه من مكان مختلف تمامًا؛ لا يبحث فيه عن ممثل له، بل يحاول أن يفهم ماذا سيأتيه منه. 

وبين ورقة تسقط هناك وحياة تتغير هنا، تُخْتَصَر حكاية سياسية كاملة. لذلك، فإن السؤال «من يحكم إسرائيل؟» ليس فضولًا فلسطينيًا، بل سؤال عن الأرض، والقدس، وغزة، والضفة، والمستقبل. وربما السؤال الأشد وجعًا ليس: من سيفوز؟ وإنما: إلى متى يبقى الفلسطيني مضطرًا إلى انتظار صناديق الآخرين ليعرف شيئًا من ملامح غده؟

ملاك فريد أبو رعية

مذيعة ومقدّمة برامج في إذاعة الحرية، وصحافيّة حرّة، وطالبة دراسات عليا في الإعلام الرّقمي والاتّصال في جامعة القدس.

رأيك يهمنا