هل نعرف ماذا يوجد خارج باب الكنيست؟

لسنوات، كنت أسمع السؤال نفسه كلّما تحدّثت عن مقاطعة الانتخابات البرلمانية: "إذا كنتم لا تريدون المشاركة في انتخابات الكنيست، فما البديل؟". لطالما أزعجني السؤال، بالأساس لأنه يفترض أن المشاركة في الكنيست هي أصلُ السياسة، وأن أيّ تفكير في مسار سياسي آخر يجب أن يُبرّر نفسه باعتباره "بديلًا" عنها.

لكن، ربما حان الوقت لقلب السؤال؛ ليس: ماذا نفعل بدلًا من الكنيست؟ بل: ماذا نفعل إذا لم تَعد الكنيست، أصلًا، مساحة مضمونة لنا؟

في أيامنا هذه لم يَعد هذا سؤالًا افتراضيًا؛ في الأسبوع الماضي، قررت لجنة الانتخابات المركزية شطب القائمتين العربيتين – "المشتركة" و"الموحدة"، بالإضافة إلى شطب ترشيح كلّ من سامي أبو شحادة وعوفر كسيف من خوض الانتخابات. بهذا ينتقل القرار النهائي إلى المحكمة العليا، التي تناقش اليوم، الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، الاستئنافات المقدّمة على قرارات لجنة الانتخابات.

نحن لا نتحدّث عن حزب واحد أو موقف سياسي واحد، بل عن تيارات سياسية مختلفة، وأشخاص يختلفون في رؤيتهم وخطابهم السياسيّ وإستراتيجيات عملهم، إلّا أنهم يتشاركون انتماءهم لمجتمع فلسطيني يجد نفسه، مرة أخرى، أمام سؤال أساسي: هل ممارسة حقّه في اختيار ممثليه في البرلمان مضمونة فعلًا؟

صحيح أن المحكمة العليا ما زالت تشكل محطة حاسمة في هذه العملية، ولها تاريخ في إلغاء قرارات شطب اتخذتها لجنة الانتخابات. وصحيح أنه في هذه المرة أيضًا، قد تنقض المحكمة هذه القرارات، وقد تعيد فتح الباب أمام القوائم والمرشحين الذين أغلقت لجنة الانتخابات الباب أمامهم. لكن حتى في هذه الحالة، يبقى هناك سؤال لا يمكن تأجيله: هل نريد أن تكون استمرارية وجودنا السياسي متعلقة دائمًا بمن سينقذنا في المرة القادمة؟

ليست المسألة أن نفترض مسبقًا ما ستقرّره المحكمة، ولا أن نقول إنها لم تَعد جهة يمكن الاعتماد عليها. المسألة أعمق من ذلك: لا يمكن لمجتمع يواجه ملاحقةًً ومحاولات محو وسياسات عنصرية ممنهجة، أن يُبقي استمراره السياسي رهينًا بقرار مؤسّسات رسمية هي نفسها، في أغلب الأحيان، منحازة ضدّه.

وإذا كان من الممكن أن تُغلق أمامنا أبواب لجنة الانتخابات اليوم، ثم تُفتح غدًا بقرار من المحكمة، فما الذي يوجد خارج هذه الأبواب؟ هنا، بالنسبة لي، تكمن المسألة السياسية الحقيقية: هل يجب أن ننتظر حتى صدور حكم المحكمة كي نبدأ التفكير؟ أم أن اللحظة الحالية نفسها تقول لنا إن الوقت قد حان لتوسيع مخيالنا السياسي والانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل؟ 

على مدى عقود، بنى الفلسطينيون في الداخل جزءًا كبيرًا من عملهم السياسي حول الانتخابات البرلمانية: قوائم، أحزاب، حملات، نواب، ائتلافات، مقاطعة أو مشاركة، نسبة تصويت، عدد مقاعد، وتمثيل في الكنيست. لكن ماذا بنينا خارج هذه المنظومة؟ أين هي المؤسسات المنتخبة التي تمثّل المجتمع الفلسطيني ليس فقط في الكنيست؟ وأين هي البنية التي يمكن أن تستمر في العمل حتى عندما يتعطّل أحد المسارات السياسية؟

هذه الأسئلة لا تعني أن المشاركة في الكنيست يجب أن تتوقف، أو أن المقاطعة هي الخيار الصحيح الوحيد، ولا تفترض أن هناك حزبًا أو قائمة أو تيارًا يستطيع وحده أن يبلور هذه المسارات؛ بل تعني ببساطة أن السياسة الفلسطينية في الداخل لا تستطيع أن تضع كل بيضها في سلّة واحدة؛ وإن كانت الكنيست أداة سياسية مهمة، فهي ليست الوحيدة. وإذا كان حق جمهور كامل في اختيار ممثليه ومصير قوائم ومرشحين رهنَ لجنةٍ سياسية ومحكمة - فربما قد آن الأوان لأن نسأل: ما الذي يبقى لدينا عندما تتغيّر قواعد اللعبة؟

يجب أن تشغلنا كل هذه الأسئلة جميعًا دون استثناء، لأن المهمّ هي مهمّتنا جميعًا كذلك. قد نختلف جذريًا في رؤيتنا السياسية، وتعريفنا للعلاقة بين العمل البرلماني والعمل الشعبي، وسؤال الدولة والمواطنة والقومية والشراكة. هذه الاختلافات لن تختفي، ولا ينبغي لها أن تختفي؛ لكن مع الاختلاف علينا أن ندرك أن وجود مساحة سياسية فلسطينية منظّمة ومستقلة قادرة على إنتاج الفكر والفعل السياسي والمساءلة والعمل الجماعي هو مصلحة تتجاوز الخلافات الحزبية.

هذا هو الوقت لبناء مؤسساتنا، لا لأن الشطب بات يشكّل تهديدًا حقيقيًا أكثر من أيّ وقت مضى، بل لأن مجتمعًا سياسيًا حيًا يحتاج إلى أكثر من قائمة في صندوق اقتراع. لدينا في لجنة المتابعة العليا إطار سياسي وطني يمكن البناء عليه، لكننا نحتاج إلى التفكير بجدّية في كيفية تطويره، وتعزيز آلياته الديمقراطية، وتوسيع قدرته على تمثيل المجتمع ومساءلة قياداته. إلى جانب ذلك، نحتاج إلى مجالس وأطر منتخبة، ومؤسسات مجتمعية ونقابات تمتلك شرعية جماهيرية، قادرة على قيادة المجتمع، ومناقشة أولوياته، ووضع سياساته، وإنتاج المعرفة وبناء أجندة جماعية. 

ليس المطلوب إنشاء مؤسسة واحدة تحلّ محلّ الأحزاب أو الكنيست، بل بناء طبقة مؤسسية أوسع من التمثيل والتنظيم والمساءلة؛ بنية سياسية تعمل في أوقات الانتخابات، لكنها لا تختفي بينها. وبكلمات بسيطة: أن نصل إلى وضع لا تكون فيه كل أزمة سياسية سببًا لإعادة اختراع العمل السياسي من الصفر.

وبالعودة إلى "الأزمة" الحالية، وجبت الإشارة إلى أن الأسئلة والخطوات أعلاه جميعها لن تكون أقل أهمية في حال أبقت المحكمة العليا أبواب الكنيست مفتوحة أمام القوائم والمرشحين الذين قررت اللجنة شطبهم؛ إلا أنها ستكون بلا شكّ أهمّ بكثير إذا أغلقت الأبواب بالفعل، ذلك لأن المشكلة عندها لن تنحصر في منعنا من الدخول، بل يضاف للمشكلة أننا - على الأغلب - لا نعرف ماذا يوجد خارج الباب.


الصورة: اجتماع لجنة المتابعة في الناصرة (وفق البند 27 أ من قانون الحقوق الأدبية (2007).

رأيك يهمنا