كيف تُدار معركة التّلاعب بالناخب العربي في العصر الرقمي؟

تقرير خاص لـ "سين 48"

لم تَعُد صناديق الاقتراع والخطابات الميدانية في الساحات العامة هي الميدان الوحيد الذي يُحسم فيه المشهد الانتخابي والسياسي؛ ففي عصر الذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل الموجهة، تحوّلت المنصات الرقمية إلى ساحات حرب تُدار فيها حملات منظمة ومدروسة لإعادة تشكيل الرأي العام وتوجيهه وفق مصالح ومخططات سياسية.

في السياق الخاص بالمجتمع الفلسطيني في الداخل، لم يعد الصوت العربي يُعامل كمجرّد خزان انتخابي يُتنافس عليه، بل كهدف استراتيجي مركزي لمنظومة متعددة الأذرع تسعى لتقليص وزنه السياسي الكمي والنوعي. فمنذ محطات انتخابية سابقة، تكرّست لدى معسكر اليمين الإسرائيلي قناعة بأن الكتلة الناخبة العربية قادرة على قلب الموازين وقطع الطريق على تشكيل حكومات يمينية ضيقة. من هنا، تحول الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي إلى مختبر مفتوح لهندسة الوعي، وتثبيط التصويت (Voter Suppression)، وزرع العدميّة السياسية، بالتوازي مع التلويح بالعنف، وتوظيف أجهزة الرقابة الميدانية.

تكشف تحقيقات حديثة وموثقة صادرة عن منظمات رصد رقمية كـ (FakeReporter) عن أساليب متقدمة تستخدم الحسابات الوهمية (Bots وAvatars)، والتلاعب البصري، وحملات الهندسة الاجتماعية الموجهة، لاختراق النسيج المجتمعي العربي في الداخل وتفكيكه، والتأثير المباشر على خياراته السياسية وسلامة أفراده وقياداته.

أولًا: انتحال الشخصيات السياسية واختراق التمثيل الوطني

أحد أخطر أشكال التلاعب الرقمي هو أسلوب "حصان طروادة"، المتمثل في إنشاء شبكات أو حسابات تنتحل صفة شخصيات أو أحزاب عربية لنشر محتوى موجَّه وتفخيخ الساحة السياسية.

انتحال هوية "القائمة العربية الموحدة": تظهر الوثائق نماذج واضحة لحسابات تأثير وهميّة ومحكمة انتحلت صفة منصات رسمية للقائمة الموحدة في انتخابات الكنيست عام 2022. قامت استراتيجية هذه الحسابات على خطة من مرحلتين: بدأت أولًا بمهاجمة اليمين الإسرائيلي وشخصيات مثل نتنياهو وإيتمار بن غفير، ثم تصاعدت حدّة خطاب هذه الحسابات إلى حدّ التحريض المباشر على قتل بن غفير بتعليقات مثل "رح نقتلك أنا ومنصور عباس" بهدف كسب متابعة الجمهور العربي وثقته من جهة، وتشويه سمعة الحزب وتوريطه جنائيًا وأمنيًا من جهة أخرى. بمجرد بناء هذه القاعدة الزائفة، انقلب الحساب ليهاجم بعنف باقي الأحزاب والقيادات العربية (مثل مهاجمة التجمع الوطني الديمقراطي والجبهة، ونشر منشورات ساخرة تحت عنوان "باي باي بلَد" أو مهاجمة أحمد الطيبي ووصمه بالكذب). لا يسعى هذا التكتيك فقط لتأليب الأطراف السياسية ضد بعضها، بل يزرع العداء والشقاق داخل المجتمع الواحد.

ثانيًا: الهويات المركبة وتقمُّص شخصية "العربي اليميني"

مع تطور أدوات توليد الصور والبروفايلات الرقمية بواسطة الذكاء الاصطناعي، بات من السهل اصطناع شخصيات افتراضية تخدم أجندات أيديولوجية محددة.

نموذج "أسمهان مسعود": كشفت الشواهد الرقمية عن حسابات وهمية على منصات "فيسبوك" و"X" (تويتر سابقًا) تنتحل شخصية شابة فلسطينية من الداخل (تُعرّف نفسها بأنها "محامية تبلغ من العمر 23 عامًا من حيفا"). كان الحساب ينشط بكثافة في مجموعات اليمين الإسرائيلي الداعمة لحزب الليكود ونتنياهو. الهدف المزدوج لمثل هذه الحسابات هو خلق وهم بوجود تأييد عربي واسع لليمين المتطرّف، وفي المقابل مهاجمة الأحزاب العربية ونوابها من داخل "الهوية العربية" المصطنعة، لخلخلة الثوابت الوطنية وإرباك وعي المتابعين.

ثالثًا: شبكات "تثبيط التصويت" (Voter Suppression) وتغذية العدميّة السياسية

تدرك الجهات المتربّصة بالصوت العربي أن خفض نسبة التصويت في المجتمع الفلسطيني بالداخل يخدم مباشرة صعود اليمين المتطرف، وهو ما أفرز حملات منظمة وممولة تستهدف دفع المواطنين للعزوف عن الصناديق.

حملات التخوين المنظم عشية الاقتراع:

قُبيل الانتخابات، أُطلقت عشرات الحسابات المنسقة زمنيًا، وهي تحمل رسائل موحَّدة باللغة العربية، هدفها تحويل المشاعر الوطنية الصادقة إلى أداة سلبية تدفع نحو الاستنكاف، مانحةً اليمين تفوقًا عدديًا مريحًا، وتتضمن الرسائل:

1.    1. ادعاء أن المشاركة في الانتخابات تمثل "خيانة لدماء الشهداء والقضية الفلسطينية".

2.    2. الترويج لفكرة أن المشاركة السياسية على مدار عقود لم تحقق أيّ إنجاز أو تغيير.

3.    3. ضرب الثقة في أيّ قيادة منتخبة وتصوير أعضاء الكنيست العرب كمتعاونين، باستخدام شعارات رنانة مثل: "المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية ليست ذكاء بل غباء سياسي كامل".

تستغل هذه الشبكات حالة الإحباط العامة، وتحوّلها عبر التضخيم الخوارزمي إلى موقف سلبي يعزل الجماهير العربية عن التأثير السياسي.

رابعًا: شبكات التأثير الأجنبي والواجهات الإعلامية الزائفة

يبرز في المشهد أيضًا مستوى أكثر تعقيدًا وخطورة، يتمثل في شبكات التأثير المنظمة التي تقف خلفها جهات ومصالح عابرة للحدود.

منصات التضليل والواجهات البديلة (2026): كشفت الرقابة الرقمية عن تفكيك 5 شبكات تأثير أجنبية استهدفت الجمهور الناطق بالعربية عبر منصات إنستغرام وتلغرام. أطلقت هذه الشبكات حسابات ومواقع تتستر تحت مسميات محلية مثل: "صوت الـ 48"، و"معًا للوطن"، و"المثلث نيوز"، و"عشان 48"، وجمعية وهمية تسمى "أهلنا" (NGO AHLONA)، مدعية أنها مؤسسات مستقلة تدافع عن حقوق الشعبين.

لم تكتفِ هذه الشبكات بالنشر، بل استغلت جراح المجتمع النازفة (مثل تفشي الجريمة وهدم البيوت) لاكتساب الشرعية. واستطاعت اختراق وسائل إعلام مركزية عبر نشر مقالات رأي بأسماء كتاب وباحثين وهميين (مثل مقالات منسوبة لـ "أديب الناطور" و"آدم عكاوي")، بل وصل الأمر إلى التسلل الميداني؛ حيث رُفع شعار إحدى هذه المجموعات الوهمية على لافتات في مظاهرات حزبية وسياسية ميدانية (مثل وقفات في سخنين لحزب "بيحد ننتسياح") دون وعي المنظمين بأنها واجهة استخباراتية/ تضليلية.

خامسًا: من التضليل الرقمي إلى الاعتداء الجسدي في الشارع

لا يتوقف التلاعب عند حدود الشاشات، بل يتحوّل التضليل في كثير من الأحيان إلى وقود يشعل العنف الجسدي المنظم.

فبركة لقاءات "البيت المفتوح" والتحريض على القتل: نُشرت ملصقات مفبركة تدعي تنظيم منصور عباس للقاء "بيت مفتوح" في أحياء يهودية بمدينة نتانيا ثم بئر السبع. وتلقفت صفحات يمينية وشخصيات رسمية (مثل نائب رئيس بلدية بئر السبع شمعون طوبول) هذه المنشورات المزيفة دون تدقيق، واصفة عباس بـ "داعم الإرهاب". تحولت الردود والتعليقات فورًا إلى تهديدات بالقتل المباشر من قبيل "مباشرة سنأخذه إلى المقبرة"، والدعوة للاعتداء عليه في حال وصوله.

عسكرة الشارع وتشكيل الميليشيات عبر المجموعات المغلقة: تحوّلت مجموعات "واتساب" و"تلغرام" التابعة لليمين المتطرف وغلاة المستوطنين إلى غرف عمليات لتوجيه اعتداءات ميدانية ضد الرموز العربية والناشطين (كما تجلى في الاعتداء على النائب أيمن عودة، واستهداف خيام الاحتجاج والمقرّات الشعبية).

سردية "سرقة الانتخابات" وتهمة "تزوير أصوات العرب": توظيف الكاميرات السرية والمراقبة داخل صناديق الاقتراع في البلدات العربية التي تعتمدها أحزاب اليمين، إلى جانب إرسال فرق الحراسة المسلحة إلى مراكز الاقتراع العربية لترهيب الناخبين، وتبرير إغلاق الصناديق مبكرًا تحت دعاوى "حماية الطهارة الانتخابية"، يضاف إلى ذلك ترويج أكاذيب كـ "دفع 53 مليار شيكل للحركة الإسلامية"، بهدف تضخيم الميزانية التي خصصت ضمن الخطة الخماسية للمجتمع العربي، وهي أكاذيب تُستخدم باستمرار كأداة لترهيب الناخب العربي وشرعنة الاعتداء على حقوقه المدنية.

خاتمة: نحو مناعة رقمية ومجتمعية

إن ما يشهده الفضاء الرقمي اليوم ليس مجرّد نقاشات حادة أو دعاية انتخابية عابرة، بل هو عملية هندسة وعي واسعة النطاق تُدار بأدوات الذكاء الاصطناعي والشبكات الموجهة. إن خطورة هذه الظاهرة تكمن في قدرتها على عزل الجماهير عن واقعها، ودفعها نحو اليأس، وإشعال الفتن الداخلية لتفتيت القوة السياسية للفلسطينيين في الداخل.

تتطلب مواجهة هذه الحرب الهجينة بناء "مناعة رقمية ومجتمعية"؛ تبدأ من التدقيق الواعي في مصادر الأخبار، والحذر من الحسابات والمنصات مجهولة المصدر التي تدغدغ العواطف بشعارات رنانة، وصولًا إلى تعزيز المسؤولية الجماعية والإعلامية لكشف هذه الشبكات وإحباط مخططاتها قبل أن تتحول إلى واقع مفروض على صناديق الاقتراع وفي أزقة بلداتنا.

كاتبا التقرير: رماح مفيد وأمل عرابي، من منظمة فيك ريبورتر.


حول مؤسسة فيك ريبورتر:

تُعدّ منظمة "فيك ريبورتر" (FakeReporter) إحدى المؤسسات البحثية والمجتمعية الرائدة في رصد النشاط الضار في الفضاء الرقمي ومكافحته، حيث تعتمد على تقنيات الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) والذكاء الاصطناعي، إلى جانب جهود التحقيق الميداني، لكشف شبكات التضليل وحملات التأثير الأجنبي وخطاب الكراهية الموجه. في إطار مواكبتها التحديات المتصاعدة التي تواجه المجتمع الفلسطيني في الداخل، أسست المنظمة قسمًا عربيًا متخصصًا يُعنى برصد وتحليل المحتوى والشبكات الناطقة بالعربية، والتحري عن حملات التثبيط والتلاعب بالوعي واستهداف القيادات والناشطين، في خطوة تهدف إلى حماية الفضاء العام، وبناء حصانة رقمية ومجتمعية تحول دون استغلال الشبكات لإشعال الفتن أو ضرب الحقوق السياسية والمدنية للمواطنين العرب.

الصور المرفقة في التقرير: لمؤسسة فيك ريبورتر.

رماح مفيد

مديرة العلاقات العامة القسم العربي في فايك ريبورتر.

رأيك يهمنا