إسرائيل تنتخب ما بَعد نتنياهو… حتى لو انتخبَته من جديد

في الأيام الأخيرة قبل إغلاق القوائم، حاول بنيامين نتنياهو أن يَجمع ما بعثرهُ الزمن، وما ساهم هو نفسه في تضخيمه. المشهد ليس دراميًا بالمعنى المسرحي، بل أقرب إلى صورة مألوفة في السياسة الإسرائيلية: رئيس حكومة على الهاتف، يتحدّث مع شركاءِ يمين اعتادوا أن يدخلوا الخيمة ويخرجوا منها بإشارته، ثم يكتشف أن بعضهم لم يَعُد ينتظر الإشارة. لسنوات كان هو من يقرر من يُحسب داخل المعسكر ومن يُرمى إلى الضفة الأخرى، حتى لو بقي ذلك الشخص يمينيًا حتى العظم. أما الآن، فقد بدأ بعضٌ من داخل الخيمة يتصرّف كأنّ الأرض التي نُصبت عليها ليست ملكه.

هذا ليس مقالًا عن نهاية نتنياهو، ولا ينبغي أن يكون. التنبؤ برحيله رخيص وغالبًا خاطئ، وقد جُرّب كثيرًا. المفارقة أضيقُ وأعمق: نتنياهو قد يبقى لاعبًا مركزيًا، وربما يبقى الرجل الأقوى في اليمين، بينما يبدأ النظام الذي بناه على مدى سنوات بالتحرّر تدريجيًا من احتكاره. 

إسرائيل، في انتخابات ٢٧ تشرين الأول/ أكتوبر، لا تنتخب بالضرورة «بَعد نتنياهو» بمعنى غيابه. هي تنتخب لحظة يستطيع فيها اليمين أن يَفصل مستقبله عن مستقبله هو، حتى في حال عودته إلى رئاسة الحكومة.

لم يكن كافيًا طوال سنوات أن تكون يمينيًا كي تنتمي إلى معسكره. كان عليك أيضًا أن تكون نتنياهويًّا. الأحزاب الحريدية حلفاء، والصهيونية الدينية حليف، واليمين القومي حليف، ومن يخرج من تحت المظلة يتحوّل في الخطاب إلى جزء من المعسكر الآخر مهما كانت مواقفه. هذه ليست مجرّد دعاية. هذه هندسة سياسية نجحت طويلًا لأنها حوّلت الولاء الشخصي إلى شرط للانتماء الكتلوي. من هنا يأتي سؤال ٢٠٢٦ المختلف: ماذا يحدث حين يبدأ اليمين الإسرائيلي نفسه بإعادة تسعير علاقته بالرجل الذي نظّمه؟

لا تقول متوسطات استطلاعات منتصف أيلول إن إسرائيل انتقلت إلى اليسار. تقول شيئًا أقل إثارة على مستوى العناوين، وأكثر إرباكًا على مستوى البنية: خريطة موزعة بين الليكود بقيادة نتنياهو في منطقة العشرينات، و«يشار» بقيادة غادي آيزنكوت في الجوار نفسه تقريبًا، وتحالف بينيت–لبيد في حدود الاثني عشر مقعدًا، ثم قوى يمينية ودينية متعدّدة تشمل بن غفير وسموتريتش والحريديم، فضلًا عن عوفر فينتر الذي يلامس نسبة الحسم في بعض الاستطلاعات ويسقط تحتها في أخرى. تختلف الأرقام ويقبى الحال هو ذاته، لذلك لا تصلح للتنبؤ. لكنّها تكفي لإظهار أن مركز الثّقل لم يعد كتلة واحدة باسم رجل واحد، حتى لو بقي ذلك الرجل مهيمنًا داخل قاعدته.

هنا يظهر نافتالي بينيت بصورة غير التي اعتدنا عليها في السجال اليومي. أهميته لا تكمن في أنه خصم لنتنياهو فحسب، بل إنه يجسد إمكان وجود يمين يستطيع منافسته ثم التفاوض معه أيضًا. هذا الاحتمال يُضعف بحدّ ذاته التقسيم التقليدي «مع نتنياهو/ ضد نتنياهو» بوصفه مفتاحًا لليوم التالي للانتخابات. 

إذا صار في المشهد يمين قابل للتحالف من دون المرور الإجباري بصندوق الليكود، فإن السؤال لم يعد من يُسقط نتنياهو، بل من يستطيع أن يَحكم من يمينه أو إلى جانبه من دون أن يبقى أسيرًا لتعريفه هو للمعسكر.

ثم تأتي الطبقة التي طالما اعتُبرت من أثبَت أركان هندسته: الحريديم. لسنوات كان التحالف معهم أشبه بعقد ثابت. هم يحتاجون بوابة إلى الحكومة، وهو يحتاج أصواتًا لا تذهب يسارًا ولا تتبخّر عند نسبة الحسم. لكن منطق السوق السياسي أقسى من منطق الوفاء. إذا لم يعد نتنياهو البوابة الوحيدة إلى حكومة يمينية أو دينية–يمينية، ترتفع قدرة شاس ويهودوت هتوراة على إعادة تسعير نفسيهما. المسألة ليست بالضرورة انقلابًا أيديولوجيًا عليه. الحريديم لم يتحولوا فجأة إلى معسكر آخر. المسألة إدراك أن الاحتكار ضعف. وبالتالي يتراجع السؤال الأخلاقي — هل خانوه؟ — ويتقدم سؤال أبسط وأقسى: كم سيدفع كل مرشح محتمل مقابل دعمهم؟ في سوق كهذا، يكتشف الزعيم الذي اعتاد أن يشتري الولاء بسعر معلوم أن السعر صار مفتوحًا.

أما بن غفير وسموتريتش وفينتر فيكشفون المفارقة الأجمل، أو الأسوأ بالنسبة إليه. أمضى نتنياهو سنوات في توسيع حدود اليمين، ودفع قوى كانت على الهامش إلى قلب المعادلة، وحوّل التطرّف من عبء انتخابي إلى رصيد ائتلافي. الآن قد يصبح اتساع اليمين نفسه مشكلة. 

وثّقت "رويترز" في أوائل أيلول محاولة نتنياهو دفع القوى اليمينية إلى الاندماج قبل إغلاق القوائم، خشية سقوط أصوات تحت نسبة الحسم. رفض بن غفير الاندماج مجددًا مع سموتريتش، بحجة أن الانفصال أقوى له انتخابيًا. فينتر رفض أيضًا دعوات الدمج، وقدم قائمة مستقلة، حتى وهو يعلن أنه يوصي بنتنياهو رئيسًا للحكومة. وجد سموتريتش صيغة جزئية مع «زيهوت»، لكن الصورة العامة بقيت: المركز يطلب وحدة الكتلة، أما الأطراف فتتصرف وكأن لها سوقًا خاصة.

هذه ليست مشاجرة قوائم فحسب. يمكن قراءتها بوصفها تحولًا في علاقة المركز بالأطراف. باتت بعض الشخصيات والأحزاب التي احتاجت في الماضي إلى شرعية نتنياهو كي تُحسب داخل الـ«بلوك»، تعتقد أن لها جمهورًا لا يمرّ بالضرورة عبره. حتى حين يبقى الخطاب مواليًا له، تتغيّر المساومة. الولاء اللفظي شيء، وتسليم القائمة شيء آخر.

من هنا يصل المقال إلى جملته التي ينبغي أن يحملها كلّه: نتنياهو لا يخشى فقط أن يخسر اليمين الانتخابات. ثمة مشكلة أخرى أكثر بنيوية: أن يفوز اليمين من دون أن يبقى مَلكًا له.

الذاكرة هنا قديمة. في ١٩٩٢ بقي محفورًا في وعي اليمين الإسرائيلي مشهد الأصوات التي سقطت تحت نسبة الحسم وساهمت في إيصال رابين. منذ عودته المتكررة إلى الحكم، أدار نتنياهو الكتلة بمنطق منع التبديد: ادفعوا الصغار إلى الاندماج، أغلقوا الثقوب، لا تدعوا يمينيًا غاضبًا يمرّ إلى خارج المعسكر أو يموت عند العتبة. في ٢٠٢٦ تبدو المشكلة مختلفة. لم تعد فقط منع ضياع الأصوات، بل منع تبعثُر السلطة داخل اليمين نفسه. الأصوات قد تُحصى لليمين، لكن القرار لم يعد يُحسم في مكتب واحد.

يوضح استطلاع معهد سياسة الشعب اليهودي هذا الشهر الحدّ الآخر للمفارقة. ٣٦٪ من الإسرائيليين اختاروا نتنياهو بوصفه الأنسب لرئاسة الحكومة، مقابل ٢٩٪ لآيزنكوت و١٣٪ لبينيت. وبين من يصنفون أنفسهم يمينًا ظل مهيمنًا بفارق كبير، يصل في بعض القراءات إلى سيطرة شبه كاملة على هذا المعسكر. بمعنى آخر: الرجل لم ينتهِ. قاعدته لم تتبخّر. ما زال كثير من الإسرائيليين يرونه القائد الطبيعي لحكومتهم المقبلة. لكن الهيمنة على القاعدة ليست هي نفسها ملكية النظام الذي يحيط بها.

قد يستيقظ نتنياهو في صباح الثامن والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر فيجد أنه ما زال الرجل الأقوى في اليمين الإسرائيلي. القوة ليست السؤال الوحيد. السؤال هو إن كان لا يزال الرجل الذي يملك اليمين نفسه. ففي السياسة، تبدأ مرحلة ما بعد الزعيم أحيانًا قبل أن يغادر الزعيم المسرح.

إيهاب جبارين

باحث مختص بالشأن الإسرائيلي.

رأيك يهمنا