ما بَعدَ الحَقيقَة في زَمَنِ الحَرب ... حينَ يَحتاجُ النّاجي إلى إِثبات مَوتِه

في غَمرة أحداث العالَم، حيث تتزاحَم الحروب والكوارث والأَخبار العاجلة على الشّاشات والمنصّات، ويمرّ الخبر سريعًا تحت ضغط خبر آخرَ، وتأتي صورةٌ جديدة لتزيح صورة سابقة، تصبح الحقيقة أقلّ قُدرة على استيقاف الناس، لا لأنّها غائبة أو عصيّة على الرؤية، إنما لأنّ تدفُّق الوقائع يحوّل الكارثة إلى مشهدٍ عابر ضمن سلسلة لا تنتهي من المَشاهد، ويجعل الألَم جزءًا من إيقاع يوميّ سريع يَستهلك الصّدمة ثم يَنتقل إلى صدمة أخرى.

 في هذا الزّحام، تَبدأ مأساة غزة ما بَعدَ الإبادة العلنيّة، فبعد أن ينجو الفلسطيني من القصف والنزوح والجوع والفَقد، يَجد نفسه أمام امتحانٍ آخر عليه بموجبه أن يُثبت أنّ ما حَدَثَ له قد حَدَثَ فعلًا، وأنّ الدمار الذي خرجَ منه ليس صورةً منزوعةً من سياقها، وأنّ الموت الذي نجا منه ترَك داخله موتًا لا تَستطيع الكاميرا التقاطه كاملًا.

لا يَعود الناجي من الحرب كما كان، فهو يَعود بجسدٍ حيّ وذاكرة مُثقَلة ويَخرج من تحت الرّكام أو مِن طريق النزوح أو من باب مستشفى منهَك، ليكتشف أن الحياة التي بَقيت له لا تَمنحُه الاعتراف التلقائيّ بما خسِره، إذ عليه أن يشرَح للآخرين أن البيت الذي صار غبارًا كان بيتًا حقيقيًا، وأن الغرفة التي اختفت كانت تَحفظ صور العائلة وملابِس الأطفال وأصوات الصباح، وأنّ الحيّ الذي مسَحَته القذائف والصواريخ لم يكن فراغًا، وإنما كان حياةً كاملة لها أسماء وروائح وعلاقات ووجوه. 

في غزة، منذ السابع من تشرين الأول 2023 لم يواجِه الفلسطينيُّ الحربَ بوصفها آلة قتْل وتدمير فقط، فقد واجَهَ معها حربًا أُخرى على المَعنى واللغة وحَقِّه في أن يَروي ما جرى من غير أن يتحوّل إلى متَّهم يدافع عن صدقيّة جَرحه.

تَظهَر ما بعد الحقيقة في هذه التجربة اليومية كشَرطٍ قاسٍ يرافق الضحيّة بعد النّجاة، حيث لا يَكفي أن تقول إنها عاشَت القصفَ، ولا يَكفي أن تَحمل صورة الرّكام، ولا يَكفي أن تَذكُر أسماء الذين ماتوا؛ لأن كلّ ذلك يدخل إلى فضاء عام مشبَع بالشكّ والتّأويل والانقسام والمَصالح السياسية، فيتحوَّل الرقم إلى موضوعِ نقاش، وتتحوّل الصورة إلى مادّة فحصٍ مستمر، وتتحوّل الشَّهادة إلى ملف يحتاج إلى إثبات وسياق وتَدقيق.

 في هذا الزّمن، لا تَختفي الحقيقة عن العين فهي حاضِرة في وجوه النازحين، وفي المدن التي فَقَدَت ملامحها، والمستشفيات التي عَجزت عن استقبال المزيد، والخيام التي صارت عنوانًا جديدًا للحياة، غير أن هذه الحقيقة تَفقد شيئًا من يقينها حين تَدخل إلى عالمٍ يساوي أحيانًا بين الشَّهادة والتّشكيك وبين الواقِعة والتّعليق وبين الألَم والتّأويل السياسي.

في حرب غزة 2023، كثُرت الأدلّة إلى حدّ الفَيض، فقد شاهَد العالَم أحياءً مدمَّرة ومدارس تحوّلت إلى ملاجئ، ومستشفيات تَعمل فوق طاقتها، وأطفالًا يبحثون عن أهلهم بين الرّكام، ونساء ورجالًا يحملون ما تبقّى من حياتهم في أكياس صغيرة، ومع ذلك دخَلَت هذه الوقائع في دائرة لا تنتهي من الأسئلة التي تبدو في ظاهرها بحثًا عن الدقّة ثم تتحوّل في أَثَرها العمليّ إلى عبء جديد على الضحيّة. 

سَأَل كثيرون عن مَصدر الرّقم قبلَ أن يسألوا عن معنى الموت، وفتّش آخرون في الصورة قبلَ أن يروا ما تَقوله، وجرى التّعامل مع الشَّهادة الفلسطينية كأنّها مطالبة دائمة بإثبات البراءَة من المبالَغة، في لحظة كان فيها المَشهد نفسُه يملك من الوضوح ما يكفي لإعلان حجم الكارثة.

تَعمل الحروب الحديثة في الميدان واللغة في الوقت نفسه، فالطائرة تَهدم المكان ثم تَأتي الكلمات لتُعيد ترتيب أَثَر الهَدم في وعي المتلقّي، فيصير القتْل "استهدافًا"، ويُصبح تدمير الأحياء "عمليّة عسكرية"، والنّزوح الجَماعيّ "إخلاء" والضحايا "أرقامًا صادرةً عن جهة رسمية"، وتَنجَح هذه اللغة في خلقِ مسافة بين المتلقيّ والكارثة؛ لأنها لا تَنفي الألم مباشرة وإنّما تخفّف صوتَه وتؤجّله وتجعَلُه قابلًا للنّقاش البارِد. هنا لا تغيّر الكلمات ما جرى على الأرض لكنّها تغيّر طريقة استقباله، وتمنَح العالَم قُدرة أكبر على مشاهدَة الموت من غير أن يَشعر بأنّه مطالب بموقف أخلاقي واضح.

هذه ليسَت أزمةَ معلومات وحدها، إنّها أزمة اعتراف، لأن الحقيقة لا تَكتمل حين يَعرف الناس ما حَدَث فقط، وإنّما تكتمل حين يَمنَحون ما حَدَث اسمه ومعناه الأخلاقيّ. لا يكفي أن يَعرف العالَم أن الناس نزحوا إذا تعامَل مع النزوح كحركة بشريّة عاديّة في زمن الحرب، ولا يكفي أن يَرى الدمار إذا وصَفَه كَأَثر جانبيّ، ولا يكفي أن يَسمع شهادة النّاجي إذا تَرَكها معلَّقة بين الّتصديق والاتهام. تحتاج الحقيقة إلى لغة دقيقة تَحميها من التّخفيف، وذاكرة تحفظُها من الذّوبان في ازدحام الأخبار، وعدالة تَمنع تحويلها إلى رأي بين آراء كثيرة؛ لأن الضحيّة حين تَفقد حقّها في الاعتراف تَفقد جزءًا آخر من وجودها.

تَكشِف الحرب على غزة أن ما بَعدَ الحقيقة لا تَعني أنّ العالَم يجهل، ففي أحيان كثيرة يَعرف العالَم ويَرى ويَسمع ويتابِع ثم يتردّد في منْح الضحيّة اعترافها الكامل، وهُنا يولَد الموت الثاني للنّاجي. يموت مرّة حين يَخسر بيته وأهله وشارعه وملامِح حياته، ويموت مرّة أخرى حين يَطلب منه الآخرون أن يُثبت أن خسارته حقيقيّة.


الصورة: للصحفي بلال خالد.

ياسر منّاع

صحفي وباحث في الشأن الإسرائيلي، حاصل على درجة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية من جامعة بيرزيت.

رأيك يهمنا