ندوب في الظّل: لماذا يَعجز القضاء عن إنصاف ضحايا الإيذاء النفسي؟

الكدمات التي لا تتركها آثارُ صفعة يد، وتُحدث أثرًا لا يزول خلال بضعة أيام، هي تلك التي لا تجد لها مكانًا بين نصوص القانون، ولا يأبهُ بها المحيط.
في ظل ما تواجهه نساء المجتمع العربي عامةً من عنف الشارع، والعنف اللفظي، والعنف السياسي الذي يقيّدها في اتخاذ القرار، ويحد من قدرتها على المشاركة في صُنعه، وصولًا إلى التعنيف الاقتصادي الذي لا ينصف كيانها المستقل في التساوي بالأجور وحقها في الميراث واستقلالها المادي، نصل إلى أكثر درجات العنف الذي لا يُرى، ونهاب أن يُسمع؛ العنف النفسي.
العنف الذي لا يمحى بتعويض، بل يبقى مرافقًا للمتضررة سنوات. في خضم القصص التي تسمع، والحكايات التي تروى، وما وثّق في الملف القضائي، أظهرت تقارير صادرة عن مديريات الأمن العام ومحاكم الأسرة في العديد من الدول العربية، أن نسبة ضحايا العنف المسجلة رسميًا تقارب ٨٠٪ من النساء، ضمن التقارير الوطنية في الأردن ومصر، وهن نساء تعرضن للإيذاء المعنوي واللفظي والخلافات الزوجية المؤدية للشقاق، وقد شكلت النسبة الأكبر من النزاعات التي وصلت إلى ملفات المحاكم الشرعية ومكاتب الإصلاح الأسري. الأمر الذي يستوقفنا هنا، أن معظم القضايا المسجلة هي قضايا يثبت جانبها المادي، أما المعنوي فهو الجانب الذي يحمل الوزن الأقل.
في قانون الأحوال الشخصية الأردني، عُرّف الضرر المعنوي حصرًا بأنه: "أي تصرف أو سلوك مشين أو مخل بالأخلاق الحميدة يُلحق بالطرف الآخر إساءة أدبية"، وهو تعريف يذهب لأقصى مدى، وما أقصده هنا، أن التشريع لم يشمل ما بين السطور، كالإساءة النفسية التي تحتمل تراكم أثر العنف الذي لا يعده القانون مخلًا بالأخلاق، أو ذاك الذي لا يحدث الأثر العميق في النفس إلا مع تكراره.
أما في قانون الحماية من العنف الأسري الأردني (المعروف رسميًا بقانون رقم 15 لسنة 2017)، فقد أَدرج المُشرّع الأفعال النفسية واللفظية والمعنوية المؤذية التي تمسّ سلامة الزوجة ضمن جرائم الإيذاء والتهديد والتحقير الواردة في قانون العقوبات لتفعيل مظلة الحماية؛ أي أن ما يشمله القانون لا يصل نطاقه إلى أبعد من الجرائم المذكورة على سبيل الحصر.
وبالاستناد إلى المادة ١٢٦ من قانون الأحوال الشخصية، اشترط القانون ألا يكون الضرر المعنوي مجرد خلافات عادية أو نزاعات بشرية طبيعية تحدث بين الزوجين، بل اشترط أن يبلغ حدًا فادحًا "يتعذّر معه استمرار الحياة الزوجية". ولا أدعي أن الحفاظ على الحياة الزوجية وخفض نسب الطلاق يعدّ ثغرة قانونية، بل إن آثار العنف النفسي نسبية، وأن ما لا يعده القانون ضررًا نفسيًا قد يكون من ضمن الحالات التي لا يمكن معها استمرار الحياة الزوجية.
للتوضيح، هناك حالة ادّعت فيها الزوجة أن زوجها يمارس عليها عنفًا نفسيًا ومعنويًا ممنهجًا يتمثل في: الإهانة المستمرة والتقليل من شأنها أمام أطفالها، والهجر العاطفي التام، والتهديد المستمر بحرمانها من رؤية أطفالها أو طردها من منزل الزوجية، مما أدى إلى إصابتها بحالة من القلق والاكتئاب المزمن، وألحق بها أضرارًا نفسية بالغة يتعذّر معها استمرار الحياة الزوجية، على الرغم من ذلك، أصدرت المحكمة حكمًا بـردّ دعوى المدعية (أي رفض طلب التفريق لعدم ثبوت الضرر القانوني الموجب للتفريق). هنا نقف على أعتاب ثغرة قانونية، مفادها حصر القانون لحالات الضرر المعنوي عوضًا عن توسعة قاعدة العنف النفسي لتشمل الحالات التي لا تشملها مظلة الحماية.
في السياق القانوني والسوسيولوجي، غالبًا ما تقوم الحقوق والواجبات على الأعراف والتقاليد الضمنية، ولا تمتد إلى العقود المكتوبة والمفصلة كما في العقود المدنية.
إن هذا الفراغ، وغياب الإطار التعاقدي الصريح، يجعل أي طرف عاجزًا عن إلزام الطرف الآخر قانونيًا في الأمور التي تتعلق بالمعاملة الإنسانية أو النفسية، إلا في الحالات التي تتجاوز الحد لتصبح "ضررًا معنويًا" ملموسًا.
أما في السياق النفسي والاجتماعي، فإن امتناع المرأة عن الإفصاح عن الانتهاكات أو الضغوط النفسية تخوفًا من العواقب الاجتماعية، أو تفكك الأسرة، أو الوصمة الاجتماعية، أو الخوف من ردة الفعل الانتقامية سواء من المجتمع أو من العائلة، وهو ما يعرف بـ "ثقافة الصمت"، فيحد من لجوئها للقضاء والدفاع عن حقها في العيش في أمان دون التعرض للتهديد. فضلًا عن التكتم الممنهج الذي يمثل الحالة النفسية التي تمنع الضحية من التعبير عن معاناتها أو طلب المساعدة، فالأمر لا يرتبط فقط بالثغرات القانونية المرتبطة بحالات العنف النفسي، بل يمتد ليشمل الضغط العائلي والاجتماعي الذي يمنع الضحية من اللجوء للقضاء.
أما في السياق الإقليمي، فنذهب إلى العنف النفسي بكافة الحالات التي تتعرض له فيها المرأة، ومنها ظروف الحرب والنزوح، فللعنف أبعاد أكثر قسوة وتعقيدًا، فلا يقتصر الأمر على الإطار الأسري والتقليدي، بل يتضاعف ضمن بيئة تفقد فيها مقومات الأمان والاستقرار الأساسية. ففي هذه الظروف، تنهار مؤسسات إنفاذ القانون والمحاكم المحلية وتفقد فعاليتها، مما يترك المرأة بلا غطاء قانوني أو حماية مؤسسية تحميها من أشكال الإساءة، سواء داخل المخيمات أو مراكز الإيواء، وتصبح محاولات توثيق الأضرار النفسية أمرًا مستحيلًا وسط فوضى الحرب. وهنا، تتضاعف ثقافة الصمت، فالألم النفسي يعد الالتفات إليه رفاهية وسط المأساة الجماعية.
يبقى العنف النفسي والمعنوي، سواء تجسد في أروقة الأسرة تحت وطأة الفراغ التعاقدي وثقافة الصمت، أو تفاقم في ظروف الحرب ومآسي النزوح القسري، الوجه الأكثر خفاء للألم الإنساني.
وعلى الرغم من التحديات التي تواجه الأنظمة القانونية، وغياب الجانب النفسي عن دفاتر المحاكم وميزان التقاضي، فإنه السبب الأكثر عمقًا لتفكك الأسر والمجتمعات، والذي يترك ندوبًا لا تمحى في الذاكرة والهوية. إن بناء الوعي المجتمعي وتطوير الأطر القانونية لتعترف بالضرر النفسي بأشكاله، يظل السبيل الأساسي لإنصاف الضحايا وكسر دائرة الصمت التي طال أمدها.




