حين لا يكون الأمان حقًّا مضمونًا: نساء النقب في مواجهة عنفٍ مضاعف

تجربتي في الحقل
تأتي هذه السطور ثمرة جولة ميدانية في إحدى القرى غير المعترف بها في النقب، ضمن مساري البحثي كطالبة ماجستير في الدراسات الجندرية. وحفاظًا على خصوصية المكان والمشاركات، اخترت حجب اسم القرية واعتماد أسماء مستعارة لجميع النساء اللواتي شاركن تجاربهن.
التقيتُ في هذا الفضاء الجغرافي المسلوب الاعتراف، نساءً ملهمات ومقاومات في تفاصيل حياتهن اليومية، لكنهن في الوقت ذاته يقعن تحت وطأة عنف مركّب ومضاعف؛ يتقاطع فيه العنف الاستعماري والبنيوي الممارس من قِبل منظومة الاحتلال وأجهزته مع العنف الاجتماعي والأسري. هن نساء لا يُعرف عنهن الكثير في الخطاب العام، غير أن "الكثير" يثقل واقعهن المَعيش؛ ومن هنا تسعى هذه الكتابة إلى تسليط الضوء على هذه الحقيقة غير المرئية، وإلى مساءلة دورنا بوصفنا باحثات وباحثين، وناشطات وناشطين، في تقديم إسناد حقيقي يُنصت لتجاربهن ويعيد الاعتبار لأصواتهن وفاعليتهن في النضال ضد أشكال العنف كافة.
في معنى العيش في قرية مسلوبة الاعتراف
تعيش القرى غير المعترف بها في النقب ظروفًا قاسية واستثنائية؛ فهي فضاءات مهددة يوميًا بالاقتلاع ومحو الوجود كجزء من السياسات الاستعمارية المستمرة للسيطرة على الأرض وتجريد السكان الفلسطينيين البدو من أراضيهم وبيوتهم. فهدم البيت هنا لا يُسقط الجدران فحسب، بل يهدم أمان الإنسان واستقراره النفسي والجسدي. وبحسب معطيات جمعية «سيكوي-أفق»، فإن 35 قرية من أصل 46 ما زالت محرومة من الاعتراف والتخطيط حتى اليوم، مما يجعلها عرضة لمعدلات هدم غير مسبوقة تجاوزت 2,000 عملية هدم سنويًا في السنوات الأخيرة.
يمتد هذا التهميش الاستعماري الممنهج، وفق الجمعية، إلى غياب شبكات المياه والكهرباء، وانعدام الشوارع المعبّدة والمواصلات العامة، فضلًا عن وجود 4 عيادات صحية فقط تخدم القرى الـ 35 مجتمعة. تتجلى هذه العزلة المفروضة في وقوع ثلثي سكان النقب تحت خط الفقر، مع انخفاض حاد في نسبة تشغيل النساء إلى نحو 34% فقط (مقارنة بـ 76% عمومًا). يشكل هذا التجريد الخدماتي والاقتصادي بيئة خصبة تضاعف هشاشة النساء، وتحرمهن من الموارد المادية والمكانية الضرورية لمواجهة العنف أو النجاة منه.
شهادات النساء: تقاطعات العنف البنيوي والمجتمعي
خلال جلستي مع النساء، لم تكن الشهادات مجرّد سرد لوقائع معزولة، بل تجسيدًا حيًّا لمفهوم التقاطعية، حيث تتشابك أدوات القمع الاستعماري وسلب الأرض مع علاقات القوة الذكوريّة والأبوية داخل الأسرة والمجتمع. تبرز من هذه الشهادات تجارب ثلاث نساء (مريم وأمل وعبير) في مواجهتهن عنفَ المنظومة وعنفَ الفضاء الخاص.
1. عنف الهدم والتهجير: البيت بوصفه فضاءً مهددًا
لا يقتصر عنف الهدم على الآليات والجرافات، بل يتحول إلى عبء جسدي ونفسي قاهر حين تُجبر النساء على هدم بيوتهن بأيديهن لتفادي تكاليف الهدم الباهظة المفروضة من أجهزة دولة الاحتلال. تروي مريم لحظة هدم بيتها:
«أول فترة تزوجت فيها بنيت بيت، طبعًا البيت هدّيته أنا في إيديّ، إجى أمر هدم، وطلبوا منا نهدّ البيت... عشت أربع أيام لا حيط ولا سقف ولا أي مكان، على الأرض بس، ولا شيء». وتصف غرفتها الحالية التي تفتقر لمقوّمات الأمان، فضلًا عن محاولات التضييق المستمرّة عليها وعلى أطفالها: «حالياً أنا ساكنة في غرفة، غرفة مش مؤهلة ومش صالحة للسكن نهائيًا... قطعوا عنا الميّ، والكهرباء عشان عنا بطاريات، حطوا لي في البطاريات صابون... وانجبرت إني أجيب الزلمة يغير لي إياهن ودينت مصاري».
تتقاطع هذه المعاناة مع تجربة أمل ومواجهتها اليومية مع أجهزة الهدم والملاحقة: «كانوا يجوني خمس مرات، ثمان مرات في اليوم... هدول تاعين الهدم... حكى معي المسؤول قال لي: وين ما تروحي، إلا دارك تنهد وترجعي تبنيها... بنيت داري، المهم إنه سقف يأويني ويأوي أولادي».
2. العنف الأسري، سياق النجاة، وسؤال: من يحمي مريم؟
حين يتقاطع العنف الأسري الحاد مع غياب أطر الحماية وغياب الفضاء الآمن، تصبح النجاة مسارًا معقدًا ومحفوفًا بالموت. تصف مريم نجاتها من اعتداء جسدي عنيف كاد يودي بحياتها: «ضربني بطريقة سيئة جدًا، استخدم مفتاح السيارة، استخدمه لتعنيف جسمي... لما شفت إني وصلت لمرحلة الموت، طلبت الشرطة... بعدها العيلة كلّها، الكبار والصغار بأهله، ما حد بيحكي معي، ما حد بيتواصل معي أو مع بناتي نهائيًا... إنه أنا أموت مش مشكلة، المهم هو ما يتوقف وما يصير معه أي شيء».
على الرغم من تدخّل الشرطة حينها وإبعاد الزوج فترةً مؤقتة، فإن هذا الإجراء الشكلي والمؤقت يعيد إنتاج الخوف والرعب اليومي؛ فالزوج المبعد سينتهي حكم إبعاده وسيعود حتمًا إلى المساحة الجغرافية نفسها، في ظل استمرار تحريض العائلة المحيطة وغياب أي شبكة حماية أمنية أو قانونية حقيقية تحمي مريم وأطفالها. يُطرح هنا السؤال الحارق: من يحمي مريم حين تنتهي مدة الإبعاد ويعود المعنّف؟ وكيف تُترك النساء في القرى المهمّشة لمواجهة مصيرهنّ بمفردهنّ أمام تحالف العنف الأبوي مع إهمال مؤسسات الدولة وتواطئها؟
تشير عبير إلى ألم الخذلان حين يُجرّد المجتمع المرأة من حقها في الأمان وحماية أطفالها:
«بعد ما صار المكروه معايا، وفقدت الأمل... من دار عمي، ولاد عمي، أقرب الناس إليّ اللي بنقول عنهم السند والظهر... أنا مرقت في حالة تراوما، خوف، رعب، بس لإشي واحد، لسبب واحد، إني أنا بدي حق لأولادي».
3. العوائق المؤسسية وغياب الأمان في الفضاء العام
تتضاعف الهشاشة اليومية للنساء حين تغدو مؤسسات الدولة نفسها مساحة لإعادة إنتاج العنف والإقصاء، عوضًا عن أن تكون ملجأ للعدالة؛ إذ تواجه النساء قيودًا خانقة تحرمهن من الخدمات الصحية والتأمين، وتجعل حتى مرافقة أطفالهن في غرف العمليات والطوارئ تجربة إذلال مشروطة بأوراق وموافقات بيروقراطية تقف حائلًا أمام أمومتهن وأمانهن الأساسي. تصف أمل هذا التهميش الاستعماري والإنكار المؤسسي لوجودهن: «أول ما جيت، قالوا لي: مش معترف فيكِ هنا! قلت لها: معترف فيّ، مش معترف فيّ... أنا إنسانة، مواطنة زيّك زيّك».
4. الفاعلية، المقاومة اليومية، وشبكات التضامن النسائي
رغم الإقصاء، لا تقف هؤلاء النساء في موقع الضحية السلبيّة؛ بل يمارسن أشكالًا يومية من الصمود والمقاومة. ترفض مريم مقترحات الإيداع في الملاجئ التقليدية المعزولة عن بيئتها، لما تحمله من استلاب لكرامتها واستقرار بناتها:
«قالت لي على الملجأ، قلت لها: أنا برفض الملجأ، وبرفض أقعد في بيت كفيل، الكفيل بيتحمّلني في بيته يوم، يومين، وبعدين؟ ... شو الدار يعني؟ إشي خاص فيّ أنا وبناتي، إشي بيحويني أنا وبناتي... صح هي مش مؤهلة للسكن ومش مؤهلة لأي شيء، بس متريحة».
تبرز أمل كنموذج لكسر الحصار عبر تمكين الذات وبناء شبكة دعم لجاراتها: «تعلّمت رخصة، ضليت أتعلّم أتعلّم... أخذتها... وهاي هي حياتي، لحد الآن بظلّ أقاوم».
وعن شبكة الأمان النسائية بوصفها بديلًا حقيقيًا عن غياب المؤسسات، تؤكد مريم: «أمل، جارتي وأختي وصديقتي، هي الإنسانة اللي أعطتني دعم، يمكن لولاها مش موجودة... بأصعب الظروف بلاقيها».
نحو رؤية تحررية لمناهضة العنف وحماية نساء النقب
تُظهر تجربة البحث الميداني في القرى غير المعترف بها أن الحديث عن "حماية النساء من العنف" لا يمكن فصله عن سياق الاحتلال وسياسات الأبارتهايد والتجريد المكاني؛ فالأمان الشخصي للنساء لا ينفصل عن أمانهن الجغرافي والسياسي في بيوتهن وقراهن.
إن النماذج التقليدية لمكافحة العنف ضد المرأة — التي تكتفي بالحلول القانونية الجزئية أو ملاجئ النساء دون معالجة البنى الاستعمارية والاقتصادية — تفشل تمامًا في حماية نساء مثل مريم وأمل وعبير؛ إذ تصبح أدوات الدولة ذاتها مصدرًا للعنف ونزع الشرعية والتهديد المستمر بالهدم.
إن نساء النقب لا يخضن معركة ضد العنف الأسري بمعزل عن معركتهن للحفاظ على سقف البيت، وحق أطفالهن في الكرامة، والاعتراف بوجودهن التاريخي على أرضهن. وتتجلى فاعليتهن في خلق شبكات إسناد نسوية شعبية تعوض غياب المؤسسات وتقاوم قهر المنظومة.
من هنا، يقع على عاتق الحركات النسوية، والمؤسسات الحقوقية، وأطر العمل المدني والسياسي، أن تعيد تعريف "مكافحة العنف" من منظور تقاطعي تحرري يرى هذا التداخل العضوي بين العنف الأبوي والعنف الاستعماري؛ بحيث تصبح حماية مريم اليوم من عودة معنِّفها جزءًا لا يتجزأ من النضال الشامل من أجل حق نساء النقب في الأمان، والعدالة، والأرض، والحياة الكريمة.




