لِكَي نَبقى، عَلينا أَن نَربَحَ "المَعرَكة الكُبرى"

ليس ضربًا من المبالَغة عندما يَفترض الفلسطيني أنّ إسرائيل تُحاربه بكلّ شراسَتها ليسَ فقط على شَكل كينونته الماديّة ووجودِه في الأرض، إنّما على ماهيّة هذا الوُجود وجوهره وما يغذّيه لكي يتأصّل ويتشبّث أكثر، وهو أصلًا "وجود" قد أفلَت من كمّاشات الاقتلاع التاريخية الكثيرة.
حينما أتأمّل بعض ما رَشَح إلى زمانِنا من الأهازيج والأغاني الشعبية المتوارَثة والمستحدَثة، مثل "نادى المُنادي في الجليل صَهيوني شيّل وارحلِ، لو هَبْطَت سابِع سَما عن أرِضنا ما منرحلِ"، أو حديثًا "جنّة، جنّة، جنّة تِسْلَم يا وطننا ... حتّى نارَك جنّة"، أجِدُها أَهازيج كانت وَليدة حقب سياسية نضاليّة، وأصبحَت طوال أجيال صرخَة تعبيريّة عن هدير الجَماعة الذي يَذوب فيه صَوت الفرد، ويتحوّل إلى رافِعة طوعية لصالح الكلّ، الكلّ الذي بدَوره يَحمي الأفراد ويتحدّث باسمهم، يعزّز مناعَتهم ويحصّنهم من بَطش مؤسَّسة القمع الاستعمارية، "الفرد" و "الكلّ" يشكّلان في معادلة التّعبير الجَمعية هذه علاقة تكافليّة تتأسّس عليها معادَلة البَقاء، في مَعركة الذاكرة والرواية والامتداد الممتدّ مِنَ الجُذور.
تُحارِب إسرائيل اليوم – أكثَر من أيّ وَقت مَضى مِن عُمرنا المنظور- أصواتَنا. فهي تَسعى بسلطة التشريعات الاستبداديّة الفاشيّة -كقانون "النكبة، 2011" وقانون "مكافحة الإرهاب، 2016" وقانون "الأَفكار، 2023" وأخيرًا قانون "مَنع مَساس وسيلة إعلام أجنبيّة بأَمن الدولة، 2024"، وغيرها من التشريعات والممارسات القمعيّة، والرقابة- إلى دفعِنا نحو ابتلاع أصواتنا في حُلوقنا، ليتحوّل غضبنا ورفضنا ومقاومتنا لسياسات اضطهادنا القوميّ المتنوّعة مجرّد غصّة، ووصمَة شَلل وانكفاء وخُنوع، نتحوّل معها إلى ثقافة جَماعية مجتمعيّة يَسود فيها السُّكوت، لتتجبّر علينا السياسات الاقتلاعيّة التدميريّة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وقوميًّا، من قَتل واعتقالات وهَدم وتَهجير ناعم، وتشويه المناهج وملاحقة الثقافة والحريّات الفكريّة، أكثر فأكثر.
تَدفَع إسرائيل الفلسطينيين في أراضي 48، بالتقسيط المملّ، إلى إنتاج نُسخة عنهم دونَ مَلامح فلسطينية، نُسخة سُلِخت جِلدَتها لتتساوق مع وظيفة المواطن العربي "الجيد" التي حاوَلَت أَن تصنَعَها من الفِلسطيني، الذي أَخطأَت مِن منظورها الاستعماري الصهيوني، خطأ شنيعًا، حين لم تُنه مَصيره في البلاد عام 48.
في بِلادنا الصّغيرة المقفَلَة، التي صِرنا فيها حبيسين لمِخيال امتدادات قوميّة وإنسانيّة مَسلوبة ومقيّدة - وأقصد هنا امتداداتنا الطبيعيّة التي طوّقتها إسرائيل، وليس تلك الامتدادات الطارئة مع "اتفاقيات أبراهام" التي صَنَعَت إسهالًا في بيع وشراء الذّمم والمواقف والآراء، وأَنتَجت نماذج استهلاكية مصطنَعة من الثقافة والهويّة والحريّات والتّعبير- تنامَت وتطوّرت عمومًا علاقة تكافليّة فَريدة عُنوانها "ما إِلْنا غير بعض"، بين الشارع والناس مِن جهة ومَن يَحمِل قصّتهم ويُعلي همّهم وروايَتَهم الوطنيّة، مِن سياسيين ومثقّفين وفنّانين وصحافيين، من جهة ثانية. إنّها علاقة الكلّ بالفَرد والفَرد بالكلّ، العَلاقة التي تُحصّن وتَحمي مِن بَطش الدولة المحتلّة بمواطنيها، أولئك الذين لم يتنازلوا بَعد عن فلسطينيّتهم.
في صُلب هذا الواقع وهذه العَلاقة تُصبح قوانين السلطة وممارساتها بمصادرة حرّية التّعبير وحرّية الصحافة همًّا لا يصيب الصحافيين أو المشتغلين في القضايا العامة مِن سياسيين ونشطاء فقط، بل يصيب جوهرًّا الناس أو القاعدة الشعبيّة للمجتمع الفلسطيني في الداخل، ذلك لأنها أوّلًا تمسّ في الصميم قُدرة "حاملي الرواية" على النُّطق بها، أي بالرواية التي تعبّر عن الناس وهمومهم وطموحاتهم المعيشيّة والقوميّة الحقيقية، بشفافيّة وجرأة تفرضها المرحَلَة السياسية الخَطيرة الحاليّة، مَرحلة تتّسم بسيطرة اليمين الفاشي على الحُكم في إسرائيل، وتَراجُع "هوامش" المساحات الديموقراطية المزيّفة والتمييزية العنصرية مَن أصلها، مَرحلة ما بعد حرب الإبادة على شعبنا الفلسطيني في غزّة وما أنتَجَته الإبادة مِن ارتدادات داخليّة على مَناحي الحياة والمجتمَع والسلطة في إسرائيل، وعلينا نحن بشكل مباشِر وعنيف، خاصّة في مسألة حرّية التّعبير.
بالعَودة إلى التشريعات الإسرائيلية للنظَر نظريًّا حَول مكانة "حرّية التّعبير"، يتَّضح أنّها مكفولة معنويًّا فقط بموجب قانون أساس "كرامة الإنسان وحريّته"، وليس مِن خلال قانون خاص ينصّ عليها، وأيضًا من دون ذِكر المصطلَح نفسه "حرّية التّعبير" ضمن قانون الأَساس ذلك، بتاتًا. وقد اشتقّته قرارات قضائية إسرائيلية معنويًّا من قانون أساس "حرّية الإنسان وكرامته" انطلاقًا من فكرة أنّ ركيزة حرّية الفَرد تَكمن في حقّه وحريّته بإسماع صوتِه وسَماع صوت الآخرين، وبلورة كينونته وطموحاته وتحقيق ذاته وتطويرها. فيما عدّت المحكمة العليا الإسرائيلية حرّية التّعبير السياسي كحامية للديموقراطيّة والحريّات الفرديّة من الظلاميّة والاستبداد، على اعتبار أنّ حرّية التّعبير السياسي تكفل حرّية الإبداع الفني والفكري والثقافي، وبمصادَرَتها لن يتمكّن الأفراد من التفكير بحرّية، ولا من تَطوير قدراتهم ومهاراتهم الإنسانية، فضلًا عن حجْب المعلومات عن المجتمع ومنعه من ممارسة نَقدِه السلطة ومراقبتها، ما يَدفَع إلى تقويض الديمقراطية واستبداد النظام بالمجتمع.
خلاصة القول: بناءً على الواقع الذي نَحياه، فإنّ حرّية التّعبير في إسرائيل هي "فيك" مزيّفة، أو مجرّد خدعة شكليّة لدولة ادّعت الكثير من الأكاذيب والخرافات حول ماهيّتها الديموقراطية.
إذا تأمّلنا قليلًا قرار المحكمة الإسرائيلية العليا قبل نحو ثلاث سنوات -أي قبل السابع من أكتوبر- حَول فيلم "جنين جنين" للفنان الفلسطيني محمد بكري، بعد محاكَمات متواصلة استمرّت أكثر من عقدين لفيلم وثائقي أبطاله ناجون فلسطينيون من مجزرة إسرائيليّة، إذا تأمّلنا قَرار أرفع محكمة بِمَنع عرضه في إسرائيل ومصادَرة نُسَخِه وتغريم مبدعِه بأكثر من مئتي ألف شيكل، نفهَم دون عناء وتمحيص أنّها "فيك".
كما لا يُعقل أن نَقيس حرّية التّعبير في إسرائيل بمعزِل عن ممارساتها الوحشية الإجرامية بحقّ الصحافيين الفلسطينيين في غزّة والضفّة، أو على مقاس "شبيبة التلال" الإرهابية، إذ أنّ هذه المنظومة قد تصدّرت القوائم الدولية لانتهاك حرّية الصحافة وقَتل الصحافيين في العامين الماضيين (نحو 260 شهيدًا صحافيًا قَتَلهم الجيش الإسرائيلي في غزّة منذ السابع من أكتوبر، بحسب المَصادر الفلسطينية).
على غرار إخواننا وزملائنا، لا تَستثنينا فاشيّة إسرائيل من قمعِها وتَرهيبها، بل إنّها تستهدف مباشرة العمل الصحافي كأَحَد أبرز روافد التّعبير الوطنيّ وأدواته لدى الفلسطينيين في الداخل، من منطلَق ضَرب معادلَة التكافل الضمنيّة بين القاعدة الشعبية وصحافييها، الذين يُفترَض بهم أن يكونوا لسانَ حال شعبِهم، شعبُهم الذي يشكّل في المقابل حاضِنة لهم.
ضمنيًّا، تصادِر السلطة القَمعية حقّ الناس في التّعبير عن أنفسهم وتطلّعاتهم السياسية من خلال مصادَرة الحريّات المتعلّقة بالعمل الصحافي، بدءًا من الوصول إلى المعلومات وجمعها، والتواصل مع مَصادرها، والتصرّف بها والتّعبير عنها ونشرها بحرّية، وصولًا إلى مَنع ممارسة العمل الصحافي بحدّ ذاته، أو تهديد أَمنِه وسلامته وحياته بسبب ماهيّة العمل الصحافي.
لا تَقمَع هذه الممارَسات حقّ الناس في التّعبير من خلال صحافييهم فحَسب، بل أَخطَر من ذلك، إنّ القوانين والتشريعات الجديدة- التي سُنّت أثناء حرب الإبادة، وجَرى التعديل عليها قبل شهر واحد، ليتجاوز تعسّفها بذريعة عدم المساس بأمن الدولة، حالة الحرب والطوارئ- هي تكسِرُ بل تحطّم على المدى البعيد عملية بناء الثقة التراكميّة التي تنشَأ بين الصحافي الفلسطيني وقاعِدَته الجماهيرية، وهذه سيرورة طويلة تنشَأ بالعَمل والجدّ والالتزام والأَمانة المهنيّة، وإنّ الغياب الصحافي حتى ولو بدواعٍ قمعية يَفرضها القانون، سيَخلق مع الوقت فراغًا في الرواية.
ثمّ ماذا بَعد؟!
لن تكتفي دولة مارست كل أشكال القمع وحتى الإبادة وهي في أَوج عنجهيتها وحَربها على السرديّة، بِحَصر تَضييقها في مجال حرّية التّعبير والصحافة، على أَجسام وأفراد دون غيرهم، نَحن أَمام كُرَة نار سيَصل لهيبها الجميع، في حين أن إخراس الأصوات والأفكار ليس هدفًا وحيدًا، بل بموازاته يُدفع بالصحافي والمثقّف والناشط السياسي، والشّارع من خلفِهم، إلى خَفض مستوى التّعبير إلى أتفَه التفاصيل والمفرَدات والقضايا، وبالتوازي مع ذلك أيضًا خَفض مُستوى الحلم والتطلّعات السياسية والاجتماعيّة.
في خضمّ توسّع رقعة القمع، والتضييق على العَمل الإعلامي في المساحات التي نختارها كفلسطينيين نَحمل همًّا وطنيًّا، تُفرض علينا تدريجيًّا، وبطريقة غير مباشرة، مساحات صحافية تلتزم بالقواعد والبزّة الإسرائيلية الأمنيّة والأيديولوجية، ليس شرطًا أن تكون مساحات ومنصّات بوَجه إسرائيلي، بل بجَوهر إسرائيلي.
هَل هناك من ضَرورة للتذكير بكيفيّة تناول الإعلام الإسرائيلي ومَن يحابيه للقضايا الفلسطينية، المحليّة والوطنيّة؟ بدءًا من ملفّ الإجرام الممنهَج إلى قضية الأرض والمسكن، إلى غزّة والإبادة!
تُمَهّد الحالة المتواصلة من القمع إلى خَلق قاعدة عمل وتداوُل محليّة جديدة في الصحافة، قاعدة محاصَرَة في الخطاب والرؤى، في التفكير والتطلّعات والممارسة، من شأنها أن تعيدنا أجيالًا إلى الوراء، وتُصبح ممارسة الصحافة في إطار هذا الحصار مجرّد قُشور ظاهرية لحرّية وهميّة ومتخيّلة من التّعبير ومن العمل الصحافي.
لكن، ماذا يَعني الخَيار بأن تَبقى في بلدك لتمارس حياتك هنا، وكذلك عملك الصحافي؟ هو خَيار بخوض المعركَة بهدف ربحها، معركة الصمود الذي تحصّنه السرديّة والحكاية والأهزوجة والقصّة الصحافيّة.
عندما تُحاربنا إسرائيل في حريّاتنا وحقّنا في التّعبير والعَمل، فإنّها تَهدف إلى إرهاقنا بالخوف والتآكل النفسي والفكري، وسَحق مهاراتنا العمليّة والنضاليّة، والقضاء على فُضولنا ودهشتنا، إنّها بذلك تمارس ضدّنا عملية اغتيال بطيئة تخلو من الدّم.
خَيار البَقاء يَعني: لَن تَقطع دولة محتلّة حَبْلَنا السريّ مع وطننا، الذي لا وطَن لنا في الدنيا سواه. وبما أنّه "ما إلنا غير بعض" إذن علينا بناء أُطرنا المهنيّة المجتمعيّة وتعزيزها، واستنهاض كلّ ما يجمَعنا ونتّفق عليه في حدود هويّتنا الوطنيّة، لكي نواجه المرحلة المرّة التي نعيشها.
نعم، قد تَبدو النبرة مستهلَكَة ومكرّرة، لكنّها الحقيقة التي نعرفها جميعًا، وما علينا سوى العمل، الكثير من العمل.
تصوير: الصحفي زكي شواهنة.




