حِكايَة تَهجيرِ الفِلِسطينيّ كَما "يَغْزِلُها" النَّوْل

لطالما كانَت عبارة سلمان ناطور "سَتَأكُلنا الضّباع إن بَقينا بلا ذاكرة" تدقّ ناقوسَ خطرٍ مستمر بدأَ مع تهجير الفلسطينيين ولم ينتَه ولن ينتهي بممارسات الاحتلال الحالية، التي تكثّفت مع الحرب الأخيرة وما زالت مستمرّة ضدّ قطاع غزة بكلّ مكوناته، وفي الضفّة مع تكثيف إجراءات الضمّ من مصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان وتدمير المَوارد الطبيعية كالمواشي وأشجار الزيتون وغيرها، وما يتبَعُه من تهجير قسريّ للفلسطينيين، وغير ذلك من ممارسات.

كانت عِبارة "ستأكُلُنا الضّباع إن بَقينا بِلا ذاكرة" المحرّكَ الرئيس والحافِز الذي شكّل مسيرةَ الحكواتي الراحل حمزة العقرباوي في توثيق التّراث الثّقافي الفلسطيني والذّاكرة الفلسطينية. وفي حَديث مطوّل مع العزيز عقرباوي قبْل رحيله المفاجئ والمؤلِم بعام تقريبًا، كنّا نفكر سويًا بمشروع يوثّق الذّاكرة الجمعيّة للطّعام الغزيّ؛ التّوثيق كأَداة مقاومَة في مواجهة "ضَبعِ" التّهجير الجغرافي وما يَتبعُه من تشتيت للذّاكرة والثقافة والمَعارف، وبالتالي المَحوَ الثقافي على المدى البَعيد.

حِرفَة النَّوْل؛ شاهِدَة على النّزوح المستمرّ ومحاوَلات المَحو

تشكّل حِرفَة النَّوْل نموذجًا صريحًا وواضحًا لمحاولات المَحو الثقافي كنتيجةٍ للتّهجير، حيث واجَهَت هذه على مدى أكثر من 75 عامًا فقدانًا لبيئتها الطبيعيّة كنتيجة للتّهجير المستمرّ لحامليها وما يرتبِط بِها من معارِف وعادات، ممّا يهدِّد وجودَها، الأمر الذي شكّل حافزًا للمؤسّسات ذات العلاقة بالتّعاون مع وزارة الثقافة الفلسطينية لتوثيق الحِرفَة، ومحاوَلات تسجيلها حاليًا على قائمة اليونسكو للتّراث الثقافي غير الماديّ الذي يحتاج إلى صَونٍ عاجل، والتي تَضُم عناصرَ مهدَّدة بالزوال.

حِرفَة النَّوْل هي واحدة من عناصر التراث الثقافي الفلسطيني غير المادي التي شكَّلت موردًا اقتصاديًا مهمًا للعائلات الفلسطينيّة من ناحية، إضافةً لارتباطها الوثيق بالممارَسات الاجتماعية الأفراح والأتراح وغيرها، وما يرافِقُ عمليّة الغَزْل من طُقوس كالغناء ومشارَكَة الطعام والتّضامن الاجتماعي، إضافة لوضوح المساهَمة الاقتصادية والدَور القيادي الذي تلعبه المرأة الفلسطينية في ممارسَة الحِرفَة، حيث أنّ معظم حامليها وممارسيها هم من النساء.

يبرز المقال نموذجًا صارخًا للتّهديد الوجودي لأحَد عناصر التراث الثقافي الفلسطيني غير الماديّ نتيجة التّهجير والنّزوح القسريّ وسيطرة الاحتلال على الأرض والمَوارد الطبيعية، من خلال سَرد قصة التهديد الوجودي لحِرفَة النَّوْل في ثلاث مناطق وتجمعات فلسطينية مختلفة اشتهَرَت بهذه الحِرفَة وشكّلت أَحَد رموزها الثقافية ومواردها الاقتصادية؛ بدءًا من التجمّعات البدوّية التي تمّ تهجيرها من النقب عام 1952 والتي لم يكتفِ الاحتلال بتهجيرها في حينه، بل ما زال يلاحقُها في أماكن نزوحها في محيط القدس، والمَقصود هنا عرب الجهالين، مرورًا ببلدات الخليل ومنها السمّوع على مدى السنوات اللاحقة حتى الآن، وليس انتهاء بقطاع غزة والحرب الأخيرة وتأثيرها على وجود الحِرفَة. ثلاث تجارب ترتبط بالفلسطيني يختلِف مكانُها، لكنّ أدواتُ محاولاتِ مَحوِها واحدة.

التقيتُ قبل سنوات قليلة بـ "أم محمد"، إحدى النساء البدويات المهجّرات من بئر السبع إلى مخيم عقبة جبر في أريحا، وربما المرأة الوحيدة في أريحا التي ما زالت تحتفظ بالمعارِف المرتَبِطة بالغَزْل باستخدام النَّوْل الأرضي، وهو النَّوْل المستخدَم في التجمّعات البدوية وقرى الخليل. تتنوّع مَعارف "أم محمد"، فهي لا ترتبط فقَط بطريقة الغَزْل، بل أيضًا بأسماء المنتَجات ومتى تُستخدم ولِمَن، والأغاني التي كانت النساء تغنيّها أثناء الغَزْل في المناسبات المتنوّعة، وعادات وتقاليد المشاركة في عملية الغَزْل وعادات الطعام المرتبطة بممارسة الحِرفَة، وغير ذلك من عادات تبرز الهوية الثقافية الفلسطينية. 

تَفتَقِد "أم محمد" الظروف الطبيعية التي تساعدُها على الغَزْل باستخدام النَّوْل وإنتاج البُسط وبيوت الشَّعر وأدوات العروسين وغيرها من الإنتاجات، فبيئة الحِرفَة الجغرافية غير موجودة، فيما موادُها الخام كشَعْر الغنم والصوف، إمّا غير موجودة أو ليست بذات الجودة، كنتيجة مباشرة لفقدان الأرض ومواردها الطبيعية واستبدالها بالأعلاف، إضافة إلى فقدان الحاجة إلى هذه الإنتاجات في بيئة النزوح. 

فَحِرفَة النَّوْل تعتمد بالأساس على مهنة رعي الأغنام كمورد أساسيّ للمواد الخام كالشَّعر والصوف، فيما تحتاج عملية الغَزْل إلى مساحات واسعة مفتوحة، فهي عمليّة تشاركيّة تُساهم فيها نساء القبيلة في المناسَبَات الاجتماعية كالأعراس مثلًا، يَغزِلنَ ما يحتاجه العروسان، ويبنين لهما بيتَ الزوجيّة المَصنوع من شَعْر الغَنم. أمّا بيئة النزوح، كالمخيّم مثلًا، فتشهَد استبدال الرّعي الطبيعي بالأعلاف، وتأثير ذلك على جودَة الصّوف والشَّعر، والمساحات فيها ضيقة حيث تَلاصُق البيوت المبنيّة من الصفيح والإسمنت بدلًا من بيوت الشَعْر. أمّا قريبات "أم محمد" حاملات التراث من عرب الجهالين والمنتشرات في الخان الأحمر وغيرها من مناطق النزوح في محيط القدس، فما زال الاحتلال الإسرائيلي يلاحقُهنّ ويصادر مواردهنّ ومقومات وجودهنّ، فاختفت حِرفَة النَّوْل من حياتهن، وإن بقيت في ذاكرتهن.

في قرى وبلدات الخليل اختَفَت حِرفَة النَّوْل بشكل كاملٍ باستثناء السمّوع، البلدة الوحيدة التي احتفَظَت بالحِرفَة حتى الآن، مع وجود تَحدٍ حقيقيّ لاستمراريّة وجودها؛ حيث قِلِة الإنتاجات وموسميّتُها وقلّة الطّلَب عليها، وعُزوف الأجيال الجديدة عن تعلّم الحِرفَة وممارستها لعدم وجود جدوى اقتصادية لها في الوقت الحالي.

 ساهَمَ الوضع الاقتصادي المتردّي نتيجة محاربة الاحتلال وسائَل عيش المواطنين في هذه البلدات كالزراعة والرّعي والتي تعتمد عليهما حِرفَة النَّوْل في العزوف عنها، حيث يُعرقِل الاحتلال الرّعي ويصادر الأراضي والمواشي ويوسّع الاستيطان، إضافَة إلى عدم توفير بدائل وطنية تَدعم صُمود المُزارعين وأصحاب الماشية والرّعاة، وعَدَم قُدرة المؤسّسة الرسميّة على مواجهة الاستيطان وممارساته بحقّ المواطن، كلّ ذلك ساهَمَ في تَهجير المُواطن من أرضه أو اضطراره لبيع مواشيه وهجرة الزراعة كمصدَرِ للدّخل والتوجّه للعمل داخل "الخط الأخضر"، الأمر الذي يهدّد وجود هذه الحِرفَة وما يرتبط بها من ذاكرة الفلسطيني وهويته الثقافية.  

تواجه حِرفَة النَّوْل في قطاع غزة صراعًا وجوديًا أقسى وأكثر عنفًا، بدأَ مع انتقالها أصلًا إلى غزة مع المُهَجَّرين من بلدة المَجدل وبدو النقب، حيث شكّل هذا النّزوح بدايةَ الحَرب على وجودها واستمرّ خلال السّنوات اللاحقة، واستشهد الكثير من حَمَلَتها في الحروب المتعاقبة على غزة، فيما فُقدَت المواشي والأغنام وصودِرت الأراضي الزراعية ودُمّرت المَشاغل والأدوات، إضافة إلى الحصار وعدم القُدرة على تصدير الإنتاجات الحرفيّة ومنها إنتاجات حِرفَة النَّوْل، ومؤخرًا هجرة عددٍ ممّن تبقّى من حاملي التّراث إلى خارج قطاع غزة خلال حرب الإبادة؛ حيث يَفتَقد هؤلاء القدرَة على الاستمرار في العمل والإنتاج نتيجة سياسات بعض الدّول المُضيفة.

يبدو تأثير سياسات الاحتلال المتمثّلة بتهجير الفلسطيني وحرمانه من بيئته الطبيعيّة التي ترتبط بذاكرته وهويته الثقافية والاجتماعية ومَوارده الاقتصادية جليّةً وواضحة على حِرفَة النَّوْل كواحدة من مكونات التراث الثقافي الفلسطيني غير المادي، الأمر الذي ينطبق على غيرها من الحِرَف، إضافةً إلى عناصر التراث الثقافي غير المادي الأخرى كالحكاية الشعبية والغناء وممارسات الطّعام وطُقوس الأفراح والمآتم وغير ذلك، والتي تحمِل ذاكرة الفلسطيني وعاداته وتقاليده فيما يشكّل بعضها موردًا اقتصاديًا له. 

نجَحَت المؤسَّسة الرسميّة في تسجيل بعض عناصر التّراث الثقافي غير الماديّ الفلسطيني مثل التّطريز والحكاية الشعبية على قائمة اليونسكو، فيما تَسعى حاليًا لتَسجيل حِرفَة النَّوْل على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير الماديّ الذي يعوزه لصَّون العاجِل، وحال موافقة اليونسكو على تسجيل الحِرفَة، فإن ذلك لا يعني نجاة الحِرفَة من ممارسات الاحتلال، حيث لا تمتلك اليونسكو أدوات منعِ محاربَة الاحتلال لذاكرة الفلسطينيّ وتراثه الثقافي، بل هي معركة الفلسطينيّ بمؤسَّساته على اختلاف أنواعها وأدوارها، ونقاباته وهيئاته المحلّية، والقطاع الخاص، إضافةً إلى الأفراد باختلاف مواقعهم، لترجمة ذلك لإجراءات عمليّة تحفظ بشكلٍ حقيقيّ هذه الحِرفَة والحِرَف الأخرى وغيرها من عناصر التراث الثقافي غير المادي، وتُعيد لها دَورها الاقتصادي لتمكّن الفلسطيني من الصّمود على أرضه والدفاع عن وجوده وهويته الثقافية.

صابرين عبد الرحمن

المديرة التنفيذية لمؤسسة "عتبة فنّ للفنون والإعلام والتدريب" في رام الله. باحثة ومقيّمة مشاريع مستقلّة في مجال الثقافة والفنون والصّناعات الإبداعية. عضو في لجان تحكيم محليّة وإقليميّة.

رأيك يهمنا