وَظائِفُ شاغِرَة | قِسمُ العِنايَة بالحَقيقَة والذّاكِرَة

في غيتو وارسو، أَقدَم رَجل اسمه إيمانويل رينغلبلوم على جَمعِ الأوراق؛ يوميّات، شَهادات، رسائل، حتى تَذاكر "ترام" قديمة، ثمّ دَفَنها في عُلب حليب وصناديق معدنيّة تحت الأرض. لم يكن يَعرف إِن كان سينجو، ولم يكُن يَعرف إن كانت هذه العلب ستُكتشَف يومًا. كان فعلُه رهانًا صرفًا على المستقبَل: أن شخصًا ذا مَلامح وأُصول لا يَعرفها، في زمن لا يستطيع تخيّله، سيحفر الأرض ويجدُ الحقيقة كما ترَكها.
نَجَت معظم تلك العلب. ونَجَت معها فكرة لم تتقادَم أبدًا: أن الحقيقة، حين تُحاصَر، لا تَموت، بل تَبحث عن مَخبأ جديد.
في زَمنٍ شَعر فيه أهّم فقهاء اللغات بأمسّ الحاجة الواعيّة لاعتماد مصطلَح 'ما بَعدَ الحقيقة' في قواميس لغات العالَم، واختياره "مصطلح العام" عام ٢٠١٦، تأتي التقنيّات العالية كالذكاء الاصطناعي وخوارزميّات الرقابة والسيطرة على السّردية لتعزّز معناه، تُمدّد جذوره وتتيحَه لكلّ عابر سبيل وَفاقِد ضمير.
اليوم، الحقيقة لا تُحاصَر بجيش يُداهم بيتًا فقط، بل بخوارزميّة تَحذف منشورًا في جزء مِن الثانية، وبصورة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تنتشر أسرَع من أيّ شاهِد حقيقي يمكنه الوصول إلى الكاميرا. لكن إذا نظَرنا بعناية إلى كلّ العصور التي حاولت فيها قوى كبرى محوَ رواية شعب أو تحريفها، سنجد نمطًا واحدًا يتكرّر: كان هناك دائمًا من يقرّر أن القصّة لن تموت معه. وكان لهذا القرار، في كلّ مرّة، 'وظيفة'، شعبٌ بأكمله قائم عليها.
وحين تزداد طُرق تَمويه الحقيقة وإعادَة إِعدادها وإنتاجها وإخراجها، تُخلق 'وظائفُ شاغرة' هدفُها خلقُ وسائل للعناية بصحّة الحقيقة وسَلامة الذاكرة.
حارسُ النُّسخ المشتَّتة
في الاتحاد السوفييتّي، حيث كانت الدولة تَحتكر كلّ مَطبعة وكلّ موجة راديو، طوّر المواطنون نظامًا اسمه "الساميزدات": يَنسخ أحدهم نصًا محظورًا بخطّ يده أو على آلة كاتبة، ثم يُمرّره لآخر يُفترض به أن يُعيد نسْخَه من جديد. وبالتّوازي، انتشَرَت أَشرِطَة كاسيت لموسيقى الروك، تُنسخ مرارًا من جيلٍ لجيل، حتى صارَ رفضُ الشبابِ الروايةَ الرسميّة مكتوبًا في الشّريط ذاته. لم يكُن هناك مَركز واحد يمكِن للدولة أن تستهدفه وتُنهي الأمر. قُوّتُه كانت في التشتّت.
اليوم، يتجسّد المنطق نفسه في حارس الأرشيف الرقميّ، مَن يَحفظ النُسخ الأصلية وطوابعَها الزمنية ولقطات الشّاشة قبل أن تُحذف، ويُرسلها عبر قنوات مشفّرة لمؤرشِفين متطوّعين قبل أن تَطالها يدُ الحذفْ. والمُوزِّع متعدّد المنصّات الذي يَبني حضورًا موزَّعًا منذ البداية، فلا يَكون حسابٌ واحد هو العمود الفقريّ للرواية الكاملة. صارَ التّهريب عبر الحدود الذي عرفته أوروبا في الحرب اليوم تهريبًا عبر التّشفير. صار النَّسخ اليدويّ مشارَكَة بِنَقرَة. لكنّ الفِعل واحد: لا نسخَة يمكن تدميرها، ولا مصدرَ يمكن إسكاتُه بالكامل.
كاتبُ المَنشور حينَ تُغلَق المطبَعَة
في الانتفاضة الأولى، حين سيطرَت وكالات الإعلام الأجنبية على الشاشات، واعتُقل أكثر من أربعين صحافيًا فلسطينيًا في سنة واحدة، كَتَب الناس "البيانات" و"المناشير" بأيديهم، ووزّعوها يدًا بيدٍ عبر شبكة القيادة الوطنية الموحَّدة. صحافَةٌ بلا مطبَعة، بلا غرفَة أخبار.
اليوم، يَحمل الناشر المستقلّ هذا الدَور عبر نشرة بريديّة أو موقِع لا يخضع لخوارزميّة منصّة كبرى، والصحافي المواطن الذي يبثّ مباشرة من تحت القَصف بهاتفه. صار المَنشور الورقيّ "بوستًا"، لكن الجَوهر باقٍ: يَصنَع المجتمع المتضرّر وسيلته الخاصة حين تُغلَق كلّ الأبواب الأخرى.
حارسُ اللحظة التي لا تُكذَّب
صورةٌ واحدة، في فيتنام، لفتاة تركُض عاريةً مصابةً بالنابالم (سائل هلاميّ شديد القابليّة للاشتعال، يَلتصق بالجلد ويَحرقه)، غيّرت الرأي العام الأمريكي عن الحرب أَكثَرَ مِن آلاف الخطَب الرسمية.
بعد عقود من الهولوكوست، كان عالم الاجتماع ديفيد بودر يسجّل شهادات الناجين بصوتهِم مباشَرة، عام 1946، قبلَ أن تتدخّل السياسَة في تشكيل الرّواية. وفي محاكمات نورمبرغ وأوشفايتز، تحوّلت تلك الشهادات الفرديّة من حكايات إلى أدلّة قانونيّة لا يمكن تجاهُلها.
ما يَجمع هذه اللحظات: صورةٌ أقوى من أيّ كلمة. وظيفةُ حارس اللحظة هي الأكثَر تحديًا للتّضليل وصُنع السرديّات، فحين يعمّ الضّجيج والمبارَيات حول الإحصائيات، يَصمت السكون انحناءً لدموع أُم أمام كاميرا.٨٩٩=
لكن هذه اللحظة، اليوم، محاصَرة من جهة أخرى: كمٌ هائل من الصور والفيديوهات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي تبدو قريبة جدًا من الواقع. لهذا وُلِدت وظيفة جديدة كليًا: محلّل الأدلة الجنائيّة الرقميّة، الذي يَفحص البيانات الوصفيّة وأنماط البكسل ليفرز ما حَدَثَ فعلًا عمّا صنعَته التقنيّات. ووُلِد معها مُصادِق المصدَر، الذي يبني سلسلة ثقة كاملة من لحظة التّصوير حتى لحظة النشر، بحيث لا تَضيع الصورة الحقيقية في بحرٍ من النسخ المزيّفة التي تُشبهها.
الرسّام مُخترَِق الرّقابة
عام 1980، أُغلق معرض "غاليري 79" في رام الله بعد ثلاثِ ساعات من افتتاحه. أَخبَر الضابط الإسرائيلي الفنانين: "يُمنع رسم العلَم الفلسطيني، ويُمنع أيضًا استخدام أَلوانه." فسَأل الفنان عصام بدر: "وماذا لو رسمتُ بطيخة؟" فردّ الضابط غاضبًا: "ستُصادَر."
لم يعلَم الضابط أنّه بذكر البطّيخة أَطلق رمزًا لا يزال حيًا حتى اليوم. وحين قاطَع منصور سليمان ورفاقه الألوانَ الزيتية الإسرائيلية في الانتفاضة الأولى، لجأ إلى طين الأرض والتّبن، فوُلد من القَيد أسلوبٌ جديد أعمقَ وأكثر دلالة.
اليوم، يَرِث هذا المنطقَ فنانون على حافّتين متوازيتين. الأولى قديمة ومستمرّة: جداريّات على جدار الفصل، وغرافيك يدوي، ومُلصقات في الشوارع، ورسْم بمواد الأرض والمواد المتاحة. والثانية مستحدَثة: رموز بصريّة تتجاوَز فلاتر المنصّات، وصور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تحمل رسالة بوجهين؛ واضحة لمن يَعرف السياق، وبيضاء تمامًا للرقيب الذي لا يستطيع أن يقرّر ماذا يَحذف منها.
القيد لم يُسكِت الفنان. مَنحه لغة لا يَعرِف، الرقيب في أيّ عصر وبأيّ شكل، كيف يَحظرها.
أَمين الأرشيف الذي ينظّم الذاكرة الجَماعية
بَعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، لم تَنتظر المجتمعات اليهوديةُ المؤسّسات الرسمية. شكّلت لجانًا تاريخية شعبية جَمَعَت شهادات الناجين بنفسها، قبل أن تتولّى أيّ جهة حكوميّة الأمر. تطوّر هذا الدور لاحقًا إلى أرشيفات ضخمة تجمع آلاف الشهادات الفرديّة في مكان واحد يُمكن الوصول إليه.
اليوم، حين تُنتَج ملايين الساعات من الفيديو يوميًا من غزة وحدَها، يصبح هذا الدّور أكثر حيويّة من أيّ وقت: المُنسِّق أو المُصفّي، الذي مهمته ليست إنتاجَ محتوى جديد، بل تحويل الفيضان الهائل إلى أرشيف مُصنَّف يمكن لباحثٍ أو مؤرّخ أو محامٍ أو طالب أو الذكاء الاصطناعي أن يفهمه بَعد عشرين سنة. في عصر لا تنقص فيه المعلومة بل يُغرقُنا فيضانها. صار التنظيم نفسُه فِعل حماية للحقيقة.
حارس الفيلم الذي لا يَكذِب
هنا تَأتي الفكرة الأكثَر إثارة في هذا العصر: عودَة كاميرا الفيلم والتّحميض. حين تَضرب الفوتونات بلّورات الفيلم الكيميائية، فإنها لا تصنع ملفًا رقميًا قابلًا للتّعديل بنقرَة، بل أثرًا فيزيائيًا حقيقيًا. لهذا السبب، سجّلت مبيعات أفلام التّصوير ارتفاعًا عالميًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، وانضمّ ملايين الشباب إلى مجتمعات مهتمة بالتّصوير الفيلمي. ليس حنينًا فحسب، بل بحثًا عن دليل لا يمكن لأيّ خوارزمية توليده من العدَم.
من هنا تُولَد وظيفة "حارس السلبيّات": مصوّرون يعودون للفيلم التقليديّ في مناطق الشَّهادة بالتحّديد، لأن السلبيّة الفيزيائية تحمل في تركيبها الكيميائي وتسلسلها الزمني دليلًا يصعُب تفنيده. ومعها "المصوّر المتمهّل"، الذي يلتزم بعدد محدود من اللقطات الحقيقيّة الموثوقة بدل الكمّ اللامتناهي القابل للتّشكيك، لأنّ النُّدرة، في زمن الوفرة المزيّفة، صارَت دليل صدق.
يسير جنبًا إلى جنب مع هذا: عودة الكتابة اليدوية الموثَّقة بالفيديو، حيث يُسجَّل شاهد وهو يَكتب شهادته بخطّ يده في الزمن الحقيقي أمام كاميرا وشهود، لأنّ خطّ اليد الفرديّ، كالسلبيّة الفيلميّة، ما زال أصعب كثيرًا على الذكاء الاصطناعي أن يُقلِّده بشكل مُقنِع.
الحَكَواتي
أَقدمُ وظيفة في هذه القائمة لا تحتاج كاميرا ولا تشفيرًا ولا حتى ورَقة. كانت في الماضي رجلًا يجلِس في وسط الحارة يَروي، فيَحفظ القصّة من جيل لجيل حين تُحرَق الأرشيفات وتُمنع الكتابة. لا يُمكن لأيّ سلطة أن تحظر قصة تُروى على مائدة العشاء، ولا أن تُسقِط ذاكرة تعيش في قلب إنسان.
اليوم، يَرِث هذا الدور صانعُ المحتوى الذي لا يُجادِل الكذبة ولا يردّ على الدّعاية، بل يروي يوميّاته فحسب؛ صباحُ عائلة في غزة، طفل يَضحك، امرأة تَطبخ، شاب يحلُم بالجامعة. مجرّد يوميّات إنسان عادي، لكنّها تَحمل ما لا تستطيعه أيّ خطبة سياسية: إثبات الوجود. شعبٌ يعيش ويحَلم وينتصر بيومياته الاعتيادية يتحدّى بصمته الروايةَ التي تريد مَحو ذاكرته. ويَمتهن صُناع محتوى آخرون البحث التاريخي ويَستحضرون الصورة والرواية والأحداث، لتبقى حاضرةَ مع الأجيال. ويَجدُ هذا المحتوى، رغم أنف الخوارزميّات التي تحاول تقليص انتشاره، طريقَه، لأنّ الحياة الحقيقية لا تُشبه أيّ محتوى مُولَّد أو مُزيَّف، وهذا التميّز نفسه هو سلاحه.
الحكواتي لم يتغيّر. تغيّرت أدواته فقط، من الحارَة إلى الشّاشة.
قسمُ العناية بالذاكرة والحقيقة
ليسَ الصراع على الحقيقة وحفظها وسردها بمولود اليوم، بل هو امتدادٌ عبرَ التاريخ.
في النهاية، هذا هو السرّ الذي تَشترك فيه كلّ الوظائف المذكورة أعلاه، مِن حافر الأرض في وارسو إلى مصوّر الفيلم في غزة اليوم: لا واحدة منها تَنتصر بصوتها العالي، أو بكمّيتها الهائلة، أو بسرعَة انتشارها. كلّها تنتصر بشيء أبسطَ وأعمَق: شخصٌ واحد قرّر أن قصة شعبه لن تُمحى.
وكلّ جيل، في كلّ أزمة، يكتشف مِن جديد أنّه يَحمل هذا القرار نفسه، بأدوات مختلفة، لكن بإيمان واحد: أن السرديّة المنفردة، الصادقة، المَحفوظة بعناية، تَمتلك قوّة جذبٍ لا تملكها أيّ رواية مصطنَعة، بصرف النظر عن حجم الآلة التي تُحاول محوها.
تَنتظر هذه الوظائف الشاغرة في قسم العناية بالحَقيقة والذاكرة، كلّها، من يتقدّم لها، فالزّملاء ينادون والحقيقة تُناشِد. والمتقدّم لا يحتاج شهادة جامعيّة ولا تعيينًا رسميًا، يحتاج فقط أن يقرّر، وأن يبدأ بالعمل. أمّا عن المقابل فهو أَثمن من عملة نقدية وشيك بنكي. هذه الوظائف مسؤولية شعب، عليه أن يَحفر، ويَحفظ، ويَبتكر متحديًا ما بَعدَ الحقيقة.

د. حنان خميس
مهندسة ومبادرة اجتماعية.
مهندسة مختصة في مجال الهندسة الطبية، مديرة منتج في شركة Siemens Healthineers الألمانية، ومؤسسة شريكة لجمعية نساء عربيات في مجالي العلوم والهندسة AWSc.



