المِنصّات الرَّقَمِيّة: حَوْلَ تَجريدِ الحَقيقَة مِنَ امتِيازِها

قبل نحو عام، لم يكُن صباحُنا في الوكالة الإخبارية التي أَعمل فيها عاديًا؛ جاءَ الخبر كضربةٍ صامتة: اقتياد مدير الوكالة إلى الاعتقال الإداري؛ ذلك الإجراء الذي يُحتجز الإنسان وِفقَه أشهرًا طويلة قابلة للتمديد دون لائحة اتهام، ودون محاكمة، ودون أن يَعرف حتى طبيعة "الملفّ" الذي اعتُقل بموجِبه.
لم يكن الأَمر مجرّد غياب إداريّ أو تَغيير في موقع المسؤوليّة. كان فراغًا مفاجئًا في قلْب غرفة التّحرير، وكأنّ اليد التي كانت تُدير التفاصيل اليومية اختفت فجأة من دون تفسير. ومع الوقت، بدا واضحًا أنّ هذا الفراغ ليس استثناءً بل جزءًا من نمَط يتكرّر بصمت ثقيل لا يُعلِن عن نفسه.
فقَبْل فترة قصيرة، وجدْنا أنفسنا أَمام المشهد ذاته تقريبًا. مديرٌ آخر تولّى مسؤولية المنصّة بعد اعتقال سَلَفه، لكن سرعان ما اقتيد هو الآخر، في سياق بات مألوفًا للصحافيين الفلسطينيين في الضفة الغربية وداخل أراضي الـ48. وبين الحَدَثَين، لم يعُد السؤال في غرف التّحرير: ماذا سننشر غدًا؟ بل: أين تنتهي حدود القَول، ومن هو الآتي؟
في هذا الواقع، لا يَحتاج الصحافي الفلسطيني دائمًا إلى قرارِ رقابةٍ مباشر كَي يَصمِت. يَكفي أن يرى زميلًا يُلاحق أو يُعتقل بسبب مقابَلة صحافية أو مادة إعلامية أو منشور، حتى تصبح الحدود واضحة من تلقاء نفسها. وهكذا تتشكّل رقابة أكثر تعقيدًا من المَنعِ المباشر، رقابة تَدفع الصحافي إلى التّفكير في العواقب قبل التّفكير في الأسئلة التي يَنبغي طرحُها.
لكن هذا الواقع يتقاطَع اليوم مع شكلٍ جديد من السيطرة تمارسه المنصّات الرقميّة. فإذا كانت السلطة التقليدية تضع حدودًا لما يمكن قوله، فإن الخوارزميّات تحدّد ما الذي يمكن أن يصل إلى الناس أصلًا. وهنا يبدأ السؤال الأكثر إلحاحًا في عصر ما بَعد الحقيقة: مَن يهيمن اليوم على المنصاّت الإعلامية؟
لم يعُد مفهوم "ما بَعد الحقيقة" يشير فقط إلى انتشار الأخبار الكاذبة أو تراجُع مكانة الوقائع أَمام المشاعر والانحيازات السياسية، بل بات يصف عالمًا فَقَدَت فيه الحقيقةُ امتيازها بوصفها حقيقة. فالمشكلة لم تعُد في غياب الوقائع، بل في تحوّلها إلى مجرّد رواية من بين روايات عديدة تتنافس على جذب الانتباه داخل فضاءٍ رقميّ تحكمه الخوارزميّات ومنطق السوق.
في هذا العالَم الجديد، لم تعُد المنصّات الرقمية مجرّد وسائط تنقل المعلومات، بل أصبحت سلطات فعليّة تحدِّد ما يُرى وما يُهمّش، وما يَنتشر وما يُدفن في زوايا الفضاء الإلكتروني. ورغم ادّعاءات الحياد، فإن هذه المنصّات لا تَعمل في فراغ سياسي أو ثقافي، بل تعكس موازين القوى السائدة وتُعيد إنتاجها بطُرق أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا.
تتجلّى هذه الإشكالية بوضوح في الحالة الفلسطينية. فالفلسطيني لا يَخوض معركة على تفسير الحدَث فحسب، بل على الاعتراف بوقوعه أصلًا. فهو يَجد نفسه قبْل أن يَشرَح سياق هدم منزل أو مصادرة أرض أو قصف حيّ سكني، مضطرًا لإثبات أن ما حدثَ قد حدثَ بالفعل، وأن صوَر الضحايا ليست مجرّد مادة قابلة للنّقاش بين مؤيّد ومعارض.
تَكمن خُطورة المنصّات هنا ليس في أنها تَحذف الرواية الفلسطينية دائمًا، بل في أنها تضعها داخل سوق مكتظّ بالروايات المتنافسة، وتتعامَل معها كما لو أنها مساوية تمامًا للرّوايات الأخرى. تبدو هذه المساواة للوهلة الأولى تعبيرًا عن الحياد، لكنّها في الواقع تُخفي اختلالًا عميقًا في موازين القوّة. فليست كلّ الروايات متساوية من حيث القُدرة على الوصول والتّأثير وصناعة الَمعنى.
حين تُوضع شَهادة الضحيّة إلى جانب الرواية الرسمية المَدعومة بمؤسَّسات دولة وجيش وأجهزة دبلوماسية وشبكات إعلام عالميّة، باعتبارهما مجرّد "وجهتيّ نظر"، فإن ما يجري ليس حيادًا بالضرورة، بل إعادة إنتاج للفجوة القائمة بين الطرفين. وهكذا تتحوّل الحقيقة الموثَّقة إلى رأي، بينما تُقدَّم الدعايَة السياسيّة باعتبارها روايَة مشروعة تستحقّ المساحة ذاتها.
في السياق الفلسطيني، تتجاوَز المسألة حدود الخوارزميّات وحدها. فهناك منظومة أوسَع تتداخَل فيها المنصّات الرقميّة مع المؤسَّسات السياسية والإعلامية والأمنية. وقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة حملات متكرّرة ضدّ صحافيين وناشطين ومؤسسات إعلامية فلسطينية، حيث جرى التعامُل مع التوثيق الصحافي أو التّعبير السياسي بوصفه شُبهة تستوجب الملاحَقة أو التضييق.
أما داخل أراضي الـ48، فتتّخذ هذه الإشكالية شكلًا إضافيًا. فالقضايا المرتبطَة بهدم البيوت، والجريمة المنظَّمة، ومصادرة الأراضي، والتمييز البنيوي، لا تواجه فقط صعوبة في فرض نفسها على الأجندة الإعلامية، بل تجَد نفسها أيضًا أمام فضاء رقميّ سريع النسيان، يفضّل المحتوى الصادم والعابر على السرديّات العميقة والمعقَّدة. وبينما تتحوّل القضايا الإنسانية إلى أرقام متكرّرة في نشرات الأخبار، يضيع السّياق الذي يمنحها معناها الحقيقي.
لقد وَعَدَتنا الثورة الرقمية بعالَم أكثر انفتاحًا وعدالة، حيث يستطيع الجميع إيصال أصواتهم دون وُسطاء. لكنّ التجربة الفلسطينية تكشف أن امتلاك المنصّة لا يَعني بالضرورة امتلاك القُدرة على التّأثير، وأن حريّة النّشر لا تعني دائمًا حريّة الُوصول. فما الفائدة من الحقّ في الكلام إذا كانت آليات الانتشار والتّرويج والتّصنيف تَعمل وفق معايير لا نملك التأثير فيها؟
لعلّ أَخطر ما أنتَجَه عصر ما بَعد الحقيقة ليس فقط أنّ الوقائع باتت مَوضع شكّ، بل أن الحقيقة نفسها فَقَدت امتيازها القديم كمرجع نهائيّ مشترَك. لم تَعُد الحقيقة نقطة وصول، بل أصبحَت نقطَة بدايةٍ لصراع طويل على الانتباه والتأويل والانتشار.
في الحالَة الفلسطينية، يتّخذ هذا التحول شكلًا أكثر حدّة. فليست الأزمة في غياب الرّواية، بل في إِعادة إدراجها داخل فضاء يُعامَل فيه المختلفون كأنَّهم متساوون في القُدرة على تَعريف الواقع، رغم أن ميزان القوّة بينهم غير متكافئ منذ البداية. وهكذا، تُوضع شهادة الضحيّة والرواية الرسميّة على الشّاشة نفسها، لا بوصف إحداهما حقيقة والأخرى إنكارًا، بل بوصفهما "محتويين" متجاورين.
لكنّ هذا التجاوُر الظاهريّ لا يُنتج عدالة، بل يُعيد إنتاج الاختلال نفسه بأدوات جديدة. فحين تُختزل الحقيقة إلى مجرّد رأي بين آراء، لا تُمحى الحقيقة، لكنها تَفقد قدرتها على الحَسم، وتُترك لتتنافَس في سوق الانتباه المفتوح بلا ضَمانات.
لذلك، فإنّ السؤال عن هيمنَة المنصّات الإعلامية لا يتعلّق فقط بمن يَملك الشّركات أو الخوارزميّات، بل بمن يَملك القُدرة على تَعريف الواقع نفسه. ومَن يملك هذه القُدرة، يملك أيضًا سلطَة تَشكيل ما سيَبقى في الذاكرة، وما سيتحوّل إلى ضجيج عابِر.
بهذا المَعنى، ليست معركة الفلسطينيّ اليوم معركة على رواية ما حدَث فقط، بل على حقّ ما حدَث في أن يبقى مرئيًا. وفي زمن تتكاثَر فيه الروايات وتتشابَه فيه الشّاشات، قد لا تكون المقاومة في إنتاج المَزيد من الكلام، بل في الإصرار على أنّ بعض ما يُروى ليس "رواية"، بل واقع يستحقّ أن يُرى كما هو، لا كما تسمَح الخوارزميّات بظهوره.




