"سَقَط في الترجَمة": المقدسيات الناجيات من العنف الجنسي في المحاكم الإسرائيلية

"سَقَط في الترجَمة": المقدسيات الناجيات من العنف الجنسي في المحاكم الإسرائيلية

الاعتداء الجنسي من أكثر التجارب التي قد يمرّ بها الإنسان إرباكًا. يعود جزء من هذا الارتباك إلى طبيعته الرمادية: فهو يقع في غرف مغلقة وبلا شهود، كجزء من علاقة بين شخصين، ويصعب أحيانًا تحديد اللحظة التي وقع فيها الأذى. وقد يكون الارتباك أيضًا بين الناجية ونفسها، إذ قد تكون ذاكرتها للحدث غير واضحة، ولا يكون دائمًا واضح ما يمكن فعله بعد ذلك. في مجتمع محافظ كمجتمعنا، يزداد الأمر تعقيدًا، فالحديث عن الجنسانية شبه غائب، لذلك لا يُتعرَّف على الاعتداء دائمًا. ويبدو البوح بسرّ كهذا وطلب المساعدة بشأنه مخيفًا خشية سوء الفهم وأحكام المحيط، فيبقى الناجون والناجيات وحدهم مع سرّهم، أحيانًا سنوات طويلة قبل أن يطلبوا المساعدة. وهذا الصمت الطويل هو الواقع الذي نواجهه يوميًّا في عملنا.

في مراكز المساندة والدعم نحاول أن نفتح أمامهم الخيارات، وأن نساعدهم على استعادة السيطرة على حياتهم انطلاقًا من فهم احتياجاتهم ورغباتهم بعد الاعتداء. ومن الخيارات التي نطرحها في خطوط المساعدة واللقاءات المباشرة اللجوء إلى السلطات: أحيانًا عبر مسار جنائي بتقديم شكوى في الشرطة، وأحيانًا عبر مسار مدني بدعوى قضائية. سأركّز هنا على المسار الجنائي، وعلى عملي في القدس الشرقية، وأروي تجارب من المحاكم وتقديم الشكاوى بصفتي مرافقة، محاولةً إيصال صوت الناجيات والناجين.

أبرز ما يميّز القدس الشرقية هو أن غالبية النساء لا يعرفن العبرية؛ فنحو 60% من النساء يقلن إن مستوى عبريتهن المحكية غير كاف.[1] وهذه عقبة كبيرة أمام تلقّي الخدمات في غربي المدينة، فكيف بإجراء قانوني يجري كله بالعبرية.

ثمة عقبة أخرى هي انعدام الثقة بالمنظومة الإسرائيلية كجهة توفر الحماية أو الدعم. فحين تُعاش هذه المنظومة على أنها قمعية ومهدِّدة، يكاد يكون اللجوء إليها في لحظات الأزمة مستحيلًا، وقد تواجه من تتقدّم بشكوى النبذَ الاجتماعي.

في المقابل، ترى بعض الناجيات في هذه المنظومة جهة يمكن أن تحقق عدالة «موضوعية»، خالية من المصالح العائلية والمجتمعية، ولشهادة الناجية فيها وزن ومعنى. تقف هذه النظرة في مقابل الحلول المجتمعية التقليدية التي تسعى إلى الحفاظ على النظام الاجتماعي القائم، حيث لا يُفترض أن تُروى قصة الناجية علنًا، فتُحرم من إغلاق الدائرة واعتراف مجتمعها بألمها. وذكرت لي عائلات ميزة أخرى للجوء إلى جهة خارجية، وهي الحفاظ على النظام الاجتماعي نفسه؛ فقد قال لي ابن إحدى الناجيات إن من المهم له أن يتوجه إلى الشرطة تحديدًا كي يمنع الثأر بين الطرفين، فتتحقق العدالة دون إشراك عائلتَي الجاني والناجية.

أما من تختار الحل المؤسساتي فتعلّق عليه آمالًا يُصاب كثير منها بخيبة، لأنه لا يمنح الناجية الاعتراف والعدالة اللذين تنتظرهما، وذلك من ناحيتين: بنية النظام الخصومي، والبعد الثقافي. فالصعوبة في الجانب الخصومي تعود إلى طبيعة الجريمة التي تقع في غرف مغلقة بلا شهود، وأحيانًا بعد سنوات من وقوعها. ومعظم ملفات الجرائم الجنسية لا تصل إلى المحكمة، إذ يُغلق نحو 81% منها في النيابة العامة؛ أي أن الغالبية الساحقة من الشكاوى تتوقف عند هذه المحطة.[2] وكثيرًا ما نشهد في نهاية المسار أحكامًا لا تلبّي توقعات الناجية أو الناجي.

هناك طبقة أخرى تواجهها النساء اللواتي يلجأن إلى منظومة لا تتحدث لغتهنّ، وهي ما يضيع في الترجمة. فعلى الرغم من توفير الترجمة في المحاكم ومراكز الشرطة، فقد تجعل تجربة تقديم الشكوى منقوصة؛ إذ تضطر المترجمات إلى إيقاف المتحدثة مرات عدة، إضافة إلى المرات التي يُقطع فيها كلامها بالأسئلة والملاحظات، فيتأثر إيقاع الرواية وأحيانًا القدرة على سرد قصة متماسكة التسلسل.

نتيجة لغياب الوعي بالسياق الثقافي لدى العاملين في جهاز القضاء أثناء الترجمة، قد تُفسَّر روايات المتضرّرات على أنها متناقضة أو غير واضحة بطريقة تتطلب معرفة مسبقة بثقافتهن. ومن الأمثلة البارزة أن معنى العلاقة بالجسد في المجتمعات غير الغربية يختلف عنه في الغربية، ويكتسب بُعدًا إضافيًا عند الاعتداء الجنسي حين يصبح الجسد مسرح الجريمة. فقد يعني فقدان العذرية الكثير للمرأة المعتدى عليها، وقالت لي عدة ناجيات بحزن: «أنا لم أعد بنتاً». عبارة تعبّر عن الفقدان، وعن تحوّل لا رجعة فيه، وهي بحد ذاتها مثال على الفروق الاجتماعية والثقافية الدقيقة التي تضيع عند الترجمة.

يتيح القانون للناجيات من الجرائم الجنسية أن تحقّق معهن محققة، لكنه لا ينص على حقهن في مترجمة، فيحدث أن يُحقَّق مع بعضهن بوجود رجل في الغرفة، ما يصعّب تعاونهن ويثير خشيتهن من الحديث بحرية. وتخشى بعضهن ألا تتوفر ترجمة في مركز الشرطة ولا في المحكمة، فيطلبن منا مرافقتهن في المسار. وتختار أخريات الإدلاء بشهادتهن بالعبرية، ولهذا أيضًا ثمن، إذ لا يكون رصيدهن اللغوي دائمًا واسعًا بما يكفي للتعبير عن الفروق الدقيقة. لذلك كله تبقى اللغة عاملًا حاسمًا في تجربة الناجية مع المنظومة.

إن الإدلاء بالشهادة في منظومة لا تمثّلك، أمام أناس لا يتحدثون لغتك ولا يعرفون ثقافتك جيدًا، قد يكون مزعزعًا، ويشكّل تحديًا إضافيًا للناجيات والناجين، ويترك أثرًا نفسيًا إضافيًا على من تعيش أصلًا ألم الاعتداء. 

يتعيّن على الناجية العربية أن تفكر بشكل مختلف عن الناجية الإسرائيلية، فتحسب أثمان تقديم الشكوى، ونظرة المجتمع إليها، بل وموقف المنظومة نفسها منها، قبل أن تخطو أولى خطواتها في المسار. وهكذا ينشأ وضع يكون فيه الحق في الإجراء قائمًا، بينما امتياز أن تكوني مفهومة وأن تجتازي المسار بشكل إيجابي ومناسب يكاد يكون غير متاح. وهذا ما يجعل مرافقتنا الدائمة لهن ولهم، والإصغاء إلى أصواتهن، جزءًا أساسيًا من عملنا. فتحديات المسار القانوني لا تنحصر في الجانب النفسي، بل تشمل تحديات لغوية وثقافية وسياسية ثقيلة الوطأة.


المراجع:

[1] المعرفة باللغة العبرية لدى سكان القدس الشرقية، معهد القدس لبحوث السياسات، ص 2 https://jerusaleminstitute.org.il/wp-content/uploads/2022/06/%D7%A2%D7%91%D7%A8%D7%99%D7%AA.pdf

[2] التقرير السنوي 2025، اتحاد مراكز مساعدة ضحايا وناجيات الاعتداء الجنسي، ص 31 https://1202.org.il/wp-content/uploads/2025/11/%D7%93%D7%95%D7%97-%D7%90%D7%99%D7%92%D7%95%D7%93-%D7%9E%D7%A8%D7%9B%D7%96%D7%99-%D7%94%D7%A1%D7%99%D7%95%D7%A2-%D7%9C%D7%A9%D7%A0%D7%AA-2025.pdf

لنا حلبي

لنا حلبي

أخصائية اجتماعية، تدير منذ عامين خط المساعدة والدعم للمتضررات والمتضررين من العنف الجنسي في القدس الشرقية، وترافق المتضررات والمتضررين من أنحاء القدس باللغة العربية. عملتُ في الماضي في تعليم اللغة العبرية لنساء من القدس الشرقية من خلال جمعية «لسان».

*يمكن التواصل مع خط المساندة والدعم للمتضررات والمتضررين من العنف الجنسي في القدس هاتفيًا أو عبر واتساب على الرقم 026498434.

رأيك يهمنا